لم يعد السؤال الذي تواجهه الحركة الكوردية في سوريا هو ما إذا كانت الأحزاب الكوردية قد أدت دوراً تاريخياً فهذا الدور جزء من سجل سياسي ونضالي لا يمكن محوه أو اختزاله. السؤال الأكثر إلحاحاً هو هل تستطيع الحركة الانتقال من المهمة التي فرضتها عليها عقود الاستبداد، والمتمثلة في النضال من أجل حماية الوجود والهوية والدفاع عن الحقوق الكوردية وفضح سياسات التمييز، إلى مرحلة قوامها المشاركة الفاعلة في إعادة بناء الدولة السورية، وصناعة القرار الوطني، والتأثير في شكل النظام السياسي والدستوري، وضمان تثبيت الحقوق الكوردية في الدستور ومؤسسات الدولة وممارستها.
تأتي أهمية هذا السؤال في لحظة تختلف عن المراحل السابقة. فقد نشأت الحركة الكوردية السورية في ظروف كان فيها التعبير السياسي عن الهوية والحقوق الكوردية محفوفاً بالمخاطر. وكان تأسيس أول حزب كوردي في 14 حزيران 1957 استجابة لحاجة سياسية كي تضع القضية الكوردية في المجال العام. لكن عقود الاستبداد وسياسات التمييز والتعريب والإقصاء جعلت من الحفاظ على الهوية والوجود السياسي والاجتماعي أولوية أساسية.
واجهت الحركة الكوردية خلال عقود طويلة من العمل السياسي ظروفاً بالغة الصعوبة، فسُجن مناضلوها وقُمع آخرون، وتعرض المجتمع الكوردي لسياسات استهدفت هويته وحقوقه وارتباطه بأرضه، وصولاً إلى سنوات الثورة السورية ومواجهة الإرهاب وما رافقها من تحولات عميقة في الواقع السوري والكوردي. ولذلك فإن اختزال تاريخ الأحزاب الكوردية في أخطائها لا ينصف تجربتها، كما أن تحويل تاريخها النضالي إلى حصانة تمنع النقد لا يخدمها. والمطلوب اليوم ليس إصدار حكم على الماضي، وإنما قراءته بموضوعية، بما أنجزه وما أخفق فيه، واستخلاص ما يمكن أن يفيد المرحلة الجديدة.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الشرعية التاريخية إلى مبرر للاستمرار بالأدوات ذاتها. فالرصيد النضالي لا ينتج وحده شرعية سياسية متجددة، ولا يعفي من تطوير المؤسسات والخطاب وآليات اتخاذ القرار. فما كان مناسباً لمرحلة حماية الوجود لم يعد بالضرورة كافياً لمرحلة تثبيت الحقوق وبناء قوة سياسية مؤثرة في سوريا الجديدة.
من هنا تبرز الحاجة إلى انتقال سياسي وتنظيمي داخل الحركة الكوردية، لا يقوم بالضرورة على إلغاء التعددية الحزبية، وإنما على إعادة تنظيمه ضمن إطار قادر على إنتاج القرار السياسي الفاعل. فالتعدد الحزبي كان في مراحل زمنية سابقة تعبيراً عن ظروف سياسية واجتماعية محددة، لكنه تحول لاحقاً إلى تشتت أضعف القدرة على المبادرة واتخاذ القرار. ولم تعد كثرة الأطر تعني بالضرورة تعدد الخيارات، إذ أصبح الاختلاف في المواقع والقيادات، في حالات كثيرة، أكبر من الاختلاف في البرامج والسياسات، وأدت تعددية مراكز القرار إلى إضعاف الموقف السياسي الكوردي.
لكن معالجة هذا الواقع لا تكون بإلغاء الأحزاب الكوردية فالتعددية السياسية الحقيقية هي جزء من أي حياة سياسية سليمة، كما أن تجاوز الأحزاب القائمة من دون بديل مؤسسي قابل للحياة قد يترك فراغاً في مرحلة يحتاج فيها الكرد إلى تنظيم سياسي قادر على التفاوض والتأثير. المطلوب هو بناء صيغ وحدوية طوعية تقوم على تقارب البرامج والمصالح، وتوحيد المواقف في القضايا الاستراتيجية، ووضع آليات واضحة لصناعة القرار المشترك، بما يقلص التشتت ويمنع تعدد مراكز التعطيل، ويتيح في الوقت نفسه استمرار التعددية السياسية حيث يكون الاختلاف حقيقياً وذا مضمون سياسي.
وفي هذا السياق، يصبح إصلاح المجلس الوطني الكوردي ضرورة سياسية تتجاوز إعادة ترتيب الهياكل والمواقع. فالمجلس، بوصفه مظلة جامعة لأحزاب وقوى سياسية كوردية عريقة، مطالب بإعادة تعريف مهامه وتتمثل بإنتاج الموقف السياسي لا مجرد تجميع المواقف، واتخاذ القرار لا تدوير الخلافات، وتمثيل المجتمعات الكوردية السياسية والمدنية والأهلية بصورة أكثر واقعية، وإدارة مشاركة أعضائه في مجلس الشعب السوري بفعالية، وتجنب تكرار أخطاء مرحلة العمل ضمن صفوف المعارضة.
ويقتضي ذلك إعادة تنظيم العلاقة بين الأحزاب والانتقال من مجرد التعايش التنظيمي إلى صيغ وحدوية طوعية أكثر تقدماً، بحيث يمكن أن يتقلص عددها إلى أربعة أحزاب أساسية أو أقل، وفق تقاربات سياسية وبرامجية واضحة. كما ينبغي تحديد موقع المستقلين وأدوارهم، وتفعيل مشاركة الشباب والنساء وفعاليات المجتمع المدني. فالتجديد لا يعني تغيير الأسماء والهياكل، بل تغيير طريقة إنتاج القرار والتمثيل والمساءلة.
ولا ينفصل الإصلاح الداخلي عن التحول الذي طرأ على القضية الكوردية نفسها، من الدفاع عن الحقوق إلى تثبيتها سياسياً ودستورياً ضمن مشروع سوري شامل. ومن هنا تكتسب مخرجات كونفرانس وحدة الصف والموقف الكوردي في ٢٦ نيسان ٢٠٢٥ أهميتها والذي تم بدعم من فخامة الرئيس مسعود بارزاني ، بوصفها أرضية ينبغي تحويلها إلى مواقف تفاوضية وسياسات واضحة وعلاقات وطنية تخدم تطلعات الشعب الكوردي وحقوقه المشروعة .
كذلك تفرض التحولات والاتفاقيات التي جرت بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية على القوى والأحزاب السياسية المتحالفة معها مراجعة جدية للمرحلة السابقة، بما فيها النجاحات والإخفاقات التي رافقت العمل السياسي والعسكري. ولا ينبغي أن تتحول هذه المراجعة إلى تبادل للاتهامات أو تصفية للحسابات، بل إلى عملية استخلاص للدروس، وتحديد للمصالح الكوردية الاستراتيجية ووضع برامج سياسية تواكب الوضع القائم في البلاد وتربط بين حماية الحقوق الكوردية والمشاركة في إعادة بناء الدولة السورية.
ومن الخطأ في المقابل اختزال القضية الكوردية في قوة عسكرية أو إدارة محلية أو حزب بعينه خلال مرحلة الثورة السورية. فقد كانت القضية الكوردية أسبق من هذه التشكيلات وستبقى قضيته بعدها وستبقى مرتبطة بالشعب الكوردي وحقوقه بغض النظر عن التحولات التي تطرأ على موازين القوى أو ترتيبات الحكم والإدارة. لذلك لا يمكن لترتيبات عسكرية أو إدارية مؤقتة أن تحل محل الاعتراف السياسي والدستوري بالحقوق الكوردية، وإنهاء آثار سياسات التمييز والتعريب والإقصاء، ومعالجة حقوق المتضررين منها ضمن مسار وطني للعدالة الانتقالية.
القضية الكوردية اليوم ليست أمام معركة لإثبات وجودها، بل أمام استحقاق تحديد موقعها وحقوقها داخل الدولة السورية التي يعاد تشكيلها. وهذا يتطلب تحويل الحديث عن الشراكة إلى نصوص دستورية ومؤسسات وضمانات، لا إبقاءه في مستوى الشعارات السياسية.
كما يتطلب ذلك حركة سياسية كوردية أكثر قدرة على مراجعة تجربتها وبناء مؤسساتها والانفتاح على محيطها السوري، من دون التخلي عن هويتها أو حقوقها. وأن تكون جزءاً من مشروع وطني لبناء سوريا ديمقراطية تعددية ولا مركزية ، تقوم على المواطنة المتساوية والشراكة بين مكوناتها.
البديل ليس إلغاء الأحزاب بل تجديدها، ولا محو تاريخ الحركة بل تحويله إلى رصيد للمستقبل. المطلوب الانتقال من تعدد الأطر إلى قوة سياسية أكثر تنظيماً عبر اتفاقيات واضحة لا لبس فيها، ومن النضال من اجل حماية الوجود إلى تثبيت الحقوق، ومن إدارة الخلاف إلى صناعة القرار. فالمعيار الحقيقي لدور الحركة الكوردية في المرحلة المقبلة لن يكون حجم رصيدها التاريخي، بل قدرتها على تحويل هذا الرصيد إلى نفوذ سياسي يضمن موقع الكرد وحقوقهم في سوريا الجديدة. إن نجاح الحركة في هذه المهمة لن يكون انتصاراً للكرد وحدهم، بل سيكون جزءاً من نجاح مشروع بناء دولة سورية تتسع لجميع مواطنيها ومكوناتها، وتحول التعدد من مصدر للصراع إلى أساس للشراكة والاستقرار.


