في 30 أيلول، لا يغادر الجندي
الأجنبي وحده؛ يغادر معه فصلٌ طويل من تاريخ العراق، ويبدأ فصلٌ أكثر غموضاً: من
يحمي القرار حين يرحل من كان يحميه؟ من هنا نفتش خلف مشهد الانسحاب عن سلاحٍ تبحث
الدولة عن احتوائه، واقتصادٍ ما زال يتنفس من بئر النفط، ونفوذٍ قد يغيّر ثوبه ولا
يغيّر حضوره. سنقرأ المشهد بعين بغداد وأربيل، وبعيون واشنطن
والعواصم الإقليمية، ونضعه أمام أسئلة السيادة والاستقلال الاستراتيجي والحرب
الهجينة، بعيداً عن ضجيج الشعارات.
فهل يخرج العراق من عباءة المحاور
ليصبح سيداً لقراره، أم أن اللاعب يغادر وتبقى اللعبة؟ هذه الحكاية تكتمل في حلقات
تحليلية، ومن هنا تبدأ الرحلة إلى ما وراء الصورة.
يومٌ على حافة التاريخ
ثمة تواريخ لا تمرّ في حياة الدول
كغيرها من التواريخ. تأتي مثقلة بما سبقها، ومفتوحة على ما بعدها. و30 أيلول 2026
واحد من هذه التواريخ في العراق؛ فهو الموعد الذي يفترض أن تكتمل فيه مغادرة قوات
التحالف الدولي، في تحول وصفته بغداد بأنه محطة استراتيجية وتاريخية في مسار
الدولة العراقية. وقد أكدت الحكومة أن الموعد نهائي، فيما أفادت الولايات المتحدة
بأن الانسحاب يسير باتجاه إتمامه في الموعد المحدد.
لكن خلف الصورة البروتوكولية
للانسحاب سؤال أكثر عمقاً: ماذا يحدث للسيادة العراقية بعد أن يغادر آخر جندي
أجنبي؟
فالمغادرة، مهما كانت رمزيتها، ليست
السيادة نفسها. إنها ربما الشرط الخارجي لمرحلة جديدة، أما السيادة الحقيقية فتبدأ
عندما تستطيع الدولة أن تقول: هذا قرارنا، وهذه حدودنا، وهذا سلاحنا، وهذه
سياستنا، وهذه مصالحنا، ولا أحد يقرر بالنيابة عنا. وهنا تحديداً تبدأ الحكاية الأصعب.
من 2003 إلى 2026 رحلة دولة تبحث
عن قرارها
من الصعب قراءة 30 أيلول من دون
العودة إلى 2003. فالعراق الذي دخلته القوات الأميركية في ذلك العام لم يكن هو
العراق الذي يستعد اليوم لخروجها. وبين التاريخين مرت الدولة بحرب، وفوضى أمنية،
وصعود تنظيم داعش، وانهيار مدن، ثم إعادة بناء المؤسسات الأمنية، وصولاً إلى مرحلة
أصبح فيها العراق أكثر قدرة على إدارة أمنه.
في ذروة الحرب الأميركية على
التمرد عام 2007 تجاوز عدد القوات الأميركية في العراق 170 ألف جندي، قبل أن تغادر
القوات القتالية في 2011. ثم أعاد ظهور داعش في 2014 القوات الأميركية إلى العراق
بناءً على طلب الحكومة العراقية، قبل أن تنتهي العمليات العسكرية للتحالف في 2021
وتتحول المهمة إلى التدريب والمشورة ومكافحة الإرهاب. واليوم يمضي الوجود الأميركي
نحو نهايته الكاملة، بعد أن انسحبت القوات من معظم القواعد العراقية وبقي الوجود
في الشمال، ولا سيما إقليم كوردستان، حتى المرحلة الأخيرة.
وبذلك، فإن 30 أيلول لا يمثل مجرد
انسحاب عسكري؛ إنه إغلاق لدائرة بدأت بالغزو وانتهت باتفاق سياسي على إنهاء المهمة
العسكرية، لكن العراق الذي يصل إلى هذا اليوم ليس عراق 2014. ففي ذلك العام كان
تنظيم داعش قد سيطر على مساحات واسعة من البلاد، بينما أصبحت مهمته اليوم مختلفة
جذرياً؛ من محاولة السيطرة على المدن والأراضي إلى تهديد إرهابي أقل قدرة على
الإمساك بالأرض. وهذه النقلة الأمنية هي التي سمحت أصلاً بانتقال العراق من نموذج
الاعتماد على التحالف في الحرب إلى نموذج تولي القوات العراقية القيادة الأمنية. إنها ليست نهاية الخطر، لكنها نقلة استراتيجية حقيقية.
الصحافة
الدولية ترى العراق من زاوية مختلفة
في الصحافة الدولية، لا تُقرأ
القضية العراقية عادة من زاوية "السيادة" وحدها. ومن هنا، فوكالة أسوشييتد برس تضع الانسحاب في إطار نهاية وجود عسكري
بدأ مع غزو 2003، لكنها تلفت في الوقت نفسه إلى السؤال الأكثر حساسية: هل تستطيع
القوات العراقية، ومعها قوات البيشمركة في إقليم كوردستان، تولي القيادة الكاملة
لمواجهة الإرهاب؟ كما تشير إلى أن ملف نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة
للدولة مرتبط بالموعد نفسه، وأن نجاح الحكومة في هذا الجانب ليس مضموناً.
أما الجزيرة فتقدم الحدث باعتباره
انتقالاً من مرحلة الوجود العسكري للتحالف إلى مرحلة عراقية جديدة، مع تأكيد بغداد
أن 30 أيلول موعد نهائي ثابت. وتنظر واشنطن بوست إلى الانسحاب بوصفه نهاية
لوجود أميركي بدأ مع غزو 2003، في وقت تبقى فيه أسئلة الأمن الداخلي والنفوذ
الإقليمي حاضرة بقوة.
أما The National فتضع
الانسحاب ضمن انتقال أوسع من العلاقة العسكرية إلى علاقة اقتصادية واستراتيجية،
وتنقل عن رئيس الوزراء علي الزيدي أن العلاقة مع الولايات المتحدة ستنتقل من
العسكري إلى الاقتصادي بعد 30 أيلول.
وفي المقابل، تضع التغطية الدولية
العراق داخل الموجة الإقليمية الأوسع؛ فالتصعيد الأميركي - الإيراني الأخير شمل
هجمات طالت مواقع أميركية في العراق، بما فيها محيط أربيل، وهو ما يعيد طرح السؤال
القديم بصيغة جديدة: هل يستطيع العراق أن يمنع تحوله مرة أخرى إلى ساحة لتصفية
الحسابات بين القوى الكبرى والإقليمية؟
وهنا تتكشف المفارقة: العراق
يستعيد جزءاً من سيادته العسكرية في لحظة إقليمية ربما تكون فيها الحاجة إلى
القرار المستقل أكبر من أي وقت مضى.
السيادة ليست خروج جندي بل احتكار
القرار
في النظرية السياسية الكلاسيكية،
ارتبطت السيادة بقدرة الدولة على ممارسة السلطة العليا داخل إقليمها؛ لكن مفهوم
السيادة في القرن الحادي والعشرين أصبح أكثر تعقيداً. فالدولة قد تكون مستقلة
قانونياً، لكنها قد تكون مقيدة أمنياً، أو اقتصادياً، أو تكنولوجياً، أو مالياً،
أو حتى معلوماتياً. ولهذا فإن السؤال العراقي لم يعد: هل توجد قوات أجنبية؟ بل: هل توجد مراكز أخرى تستطيع التأثير في قرار الدولة؟.
وهنا نصل إلى جوهر النظرية
الحديثة للدولة: احتكار الاستخدام المشروع للقوة. فإذا كانت الدولة هي التي تقرر الحرب والسلم، وتسيطر على السلاح، وتحمي
الحدود والأجواء، وتدير السياسة الخارجية، فإن السيادة تصبح حقيقة مؤسساتية. أما إذا تعددت مراكز القوة، فإن الدولة تصبح، حتى لو كانت تمتلك جيشاً
كبيراً، أمام سيادة منقوصة.
ومن هنا، يمكن فهم التحول العراقي
من زاوية الواقعية السياسية والاستقلال الاستراتيجي: فالعراق لا يحتاج إلى العزلة،
ولا إلى قطع علاقاته مع القوى الكبرى، بل يحتاج إلى قدرة كافية على اتخاذ قراراته
الأساسية بنفسه، مع الاحتفاظ بعلاقات وشراكات واسعة. السيادة مع الانفتاح،
والشراكة من دون تبعية.
السلاح الامتحان العراقي الأكثر
قسوة
ربما لهذا السبب جاء ملف السلاح
في صلب المشهد العراقي بالتزامن مع موعد الانسحاب. في آب 2026 أعلنت وزارة الداخلية العراقية إنشاء قاعدة بيانات تضم نحو
6 ملايين قطعة سلاح في إطار حملة لتنظيم السلاح وإخضاعه لسلطة الدولة، فيما أُعلن عن
تسجيل أكثر من 500 ألف قطعة وإصدار أكثر من 160 ألف إجازة لحيازة وحمل السلاح، إلى
جانب إغلاق 71 مقراً وهمياً ادعى ارتباطه بهيئة الحشد الشعبي. كما أشارت البيانات
الرسمية إلى ضبط عشرات الآلاف من الأسلحة غير المسجلة وتعقب أسلحة مسروقة.
ومن هنا، فالرقم وحده صادم: ستة
ملايين قطعة سلاح تدخل في مشروع تنظيمي واحد. لكن الرقم يحمل وجهين: فالأول إيجابي: أن الدولة بدأت تتعامل مع ملف السلاح بمنطق البيانات
والتسجيل والتنظيم والمؤسسات. والثاني أكثر تعقيداً: تسجيل السلاح لا يعني
بالضرورة أن الدولة احتكرته. وهنا، يكمن الفارق بين إدارة السلاح والسيطرة
على السلاح.
وعليه، فإنجاز الدولة الحقيقي لن
يكون في امتلاك قاعدة بيانات ضخمة، بل في الوصول إلى مرحلة يصبح فيها القرار
باستخدام القوة قراراً حكومياً دستورياً لا قراراً موازياً.
مفارقة السيادة.. عدو الخارج
وامتحان الداخل
طوال سنوات طويلة، جرى اختزال
السيادة العراقية في الوجود الأجنبي، لكن التجربة السياسية تقول إن السيادة تواجه
اختبارين: اختبار الخارج، واختبار الداخل.
الخارج يمكن أن يتدخل عسكرياً أو
سياسياً أو اقتصادياً، لكن الداخل يمكن أن ينتج مراكز قوة موازية للدولة. ولهذا فإن إنهاء الوجود العسكري الأجنبي لا يكفي وحده. فإذا خرجت
القوات الأجنبية وبقي السلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة، فإن العراق يكون قد قطع
نصف الطريق فقط. أما إذا خرجت القوات، وتوحّد القرار الأمني، وخضع السلاح للقانون،
وأصبحت المؤسسات هي المرجعية الوحيدة، فهنا يمكن الحديث عن تحول تاريخي حقيقي.
الاقتصاد.. الوجه الذي لا يظهر في
صور الانسحاب
ٳن السيادة ليست دبابة على الحدود
فقط. إنها أيضاً برميل النفط، والعملة، والموازنة، والمصرف، والغذاء، والطاقة،
وسلاسل التجارة. وهنا تظهر إحدى أكبر نقاط الضعف العراقية.
وفق أحدث بيانات البنك الدولي،
شكّل النفط في 2025 نحو 53% من الناتج المحلي الحقيقي، و88% من إيرادات الحكومة،
و91% من صادرات السلع. كما انكمش الناتج المحلي في الأشهر التسعة الأولى من 2025
بنسبة 2.4% على أساس سنوي، نتيجة تراجع الناتج النفطي، فيما تباطأ نمو الناتج غير
النفطي إلى 1.5% وسط نقص المياه والكهرباء وأزمة السيولة.
ثلاثة أرقام تكفي لتفسير جزء كبير
من هشاشة السيادة الاقتصادية. إذا كان 88% من الإيرادات الحكومية يأتي من
النفط، فإن أي أزمة في الأسعار أو الإنتاج أو التصدير تستطيع أن تتحول سريعاً إلى
أزمة مالية. وإذا كانت 91% من صادرات السلع مرتبطة بالنفط،
فإن الاقتصاد يصبح شديد الحساسية للتحولات الدولية التي لا يصنعها العراق؛ لذلك
فإن تنويع الاقتصاد ليس سياسة اقتصادية فقط؛ إنه سياسة سيادية.
النفط.. الثروة التي يمكن أن تكون
قوة أو نقطة ضعف
يمتلك العراق ثروة هائلة، لكن
الثروة وحدها لا تصنع الاستقلال. فالدولة القوية هي التي تحول موردها الطبيعي إلى
قاعدة إنتاجية متعددة. كما ٲن النفط يمكن أن يمول الصناعة، والزراعة، والبنية
التحتية، والتعليم، والتكنولوجيا، والسياحة، والطاقة المتجددة، لكن إذا أصبح النفط
هو الاقتصاد نفسه، فإن السيادة تصبح مرتبطة بسوق عالمي لا يسيطر العراق عليه.
وهنا تبرز المفارقة العراقية: العراق غني بالموارد، لكنه يحتاج إلى اقتصاد أكثر استقلالاً عن موارده.
وهذا ربما أحد أصعب دروس السيادة في القرن الحادي والعشرين.
السيادة في زمن الحرب الهجينة
لم تعد الدول تُهدد فقط بالدبابات. هناك الطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية، وحروب المعلومات،
والعقوبات، وضغوط الطاقة، والتأثير الإعلامي، وحملات التضليل. وهذا ما يجعل
السيادة الحديثة مختلفة عن مفهومها التقليدي. فقد تكون الحدود آمنة، لكن القرار
الاقتصادي معرضاً للضغط. وقد يكون الجيش قوياً، لكن المجال المعلوماتي مخترقاً.
وقد يكون القرار السياسي مستقلاً رسمياً، لكنه يتعرض لتأثيرات خارجية عبر شبكات
النفوذ.
ولهذا فإن العراق بعد 30 أيلول
يحتاج إلى مفهوم أوسع للسيادة: سيادة أمنية، وسياسية، واقتصادية، ومعلوماتية
ورقمية.
وهنا تبرز ثلاث طبقات جديدة ينبغي
أن تدخل في الأمن القومي العراقي: حماية البيانات والبنية الرقمية، امتلاك قدرات
وطنية في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، وبناء قدرة على مواجهة الحرب
المعلوماتية والتضليل. فالدولة التي تحمي حدودها لكنها لا تحمي بياناتها واتصالاتها
وقرارها المعلوماتي قد تكون مستقلة جغرافياً، لكنها ليست مستقلة استراتيجياً.
إقليم كوردستان.. السيادة
العراقية لا تعني العودة إلى مركزية بغداد القديمة
وهنا تبرز القضية التي لا يمكن
لأي قراءة جادة للسيادة العراقية أن تتجاوزها: إقليم كوردستان ليس هامشاً في
معادلة الأمن والسيادة العراقية، بل جزء دستوري من الدولة الاتحادية، وشريك أساسي
في تجربة مكافحة الإرهاب وحماية الأمن في العراق.
لقد كان الإقليم جزءاً رئيسياً من
الحرب على داعش، واستضاف قوات التحالف ومهام التدريب والاستطلاع والدعم، وكانت
قوات البيشمركة شريكاً أساسياً في العمليات ضد التنظيم. وحتى في المرحلة الأخيرة
من الانسحاب، كانت أربيل آخر المناطق العراقية التي بقي فيها الوجود العسكري
الأميركي، فيما أنهت ألمانيا في آب 2026 مهمتها العسكرية في الإقليم بعد سنوات من
التدريب والمشورة والدعم اللوجستي لقوات البيشمركة، لكن هنا يجب أن يكون مفهوم
السيادة دقيقاً جداً: تعزيز سيادة العراق لا يعني إعادة إنتاج مركزية بغداد التي
عرفها العراق قبل 2003، ولا يعني اختزال الدولة الاتحادية في مركز واحد يقرر عن
الأطراف.
هذا، وٳن الدستور العراقي بعد
2005 قد بنى نظاماً اتحادياً، ومن ثم فإن قوة العراق لا تأتي من إلغاء خصوصية
إقليم كوردستان، بل من تنظيمها داخل الدولة الاتحادية عبر المؤسسات والقانون
والتنسيق. والأهم أن أمن الإقليم لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره ملفاً أمنياً
منفصلاً عن أمن العراق، ولا أن يُستخدم أمن العراق ذريعة لتجريد الإقليم من
صلاحياته الدستورية. فالمطلوب هو تفاهم بغداد - أربيل على منظومة أمن وطني
اتحادية: تنسيق الحدود، تبادل المعلومات، حماية الأجواء، مكافحة الإرهاب، وتنظيم
العلاقة بين القوات الاتحادية والبيشمركة، مع احترام الاختصاصات الدستورية لكل
طرف. وقد أشار مسؤولون في وزارة البيشمركة إلى ضرورة إنشاء منظومة دفاعية مشتركة
بين بغداد وأربيل لحماية الأجواء باستخدام الرادارات والطائرات المسيّرة، فيما
تؤكد الترتيبات الأميركية أن انتهاء آلية عسكرية معينة لا يعني بالضرورة نهاية
التعاون مع إقليم كوردستان في التدريب وبناء القدرات.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة
من الطرفين: لا عودة إلى مركزية بغداد القديمة، ولا عودة إلى ازدواجية أمنية تضعف
الدولة الاتحادية. الطريق الصحيح هو دولة اتحادية قوية، يكون فيها العراق أقوى
بوجود إقليم قوي ومستقر، ويكون الإقليم أكثر أمناً داخل دولة اتحادية تحترم
الدستور. فالتجربة أثبتت أن إضعاف أربيل لا يقوي بغداد، كما أن تجاوز مؤسسات بغداد
لا يقوي أربيل؛ الذي يقوي الطرفين هو شراكة دستورية حقيقية.
الإعلام الدولي.. لماذا تراقب
العواصم 30 أيلول؟
بما ٲن العراق ليس دولة هامشية في
الحسابات الجيوسياسية. إنه يقع بين إيران وتركيا والخليج وسوريا، ويمتلك واحداً من
أكبر احتياطيات النفط في العالم، ويجاور مناطق صراع، ويضم شبكة من المصالح
الأميركية والإيرانية والعربية والتركية.
ولهذا فإن الانسحاب الأميركي لا
يُقرأ في واشنطن وحدها بوصفه حدثاً عراقياً؛ بل يُقرأ باعتباره جزءاً من إعادة
توزيع النفوذ في الشرق الأوسط. والصحافة الدولية تراقب سؤالين متناقضين: هل أصبح العراق قوياً بما يكفي لإدارة أمنه؟ وهل يمكن أن يؤدي خروج
القوات الأميركية إلى فراغ تستفيد منه قوى أخرى؟ وهذا هو بالضبط جوهر المعضلة
الجيوسياسية.
الواقعية السياسية.. من يملأ
الفراغ؟
وفق منطق الواقعية السياسية في
العلاقات الدولية، لا تبقى الفراغات الاستراتيجية فارغة طويلاً. إذا تراجع نفوذ قوة كبرى، ستسعى قوى أخرى إلى توسيع نفوذها. وهنا ينبغي أن يكون العراق حذراً. فالسيادة لا تعني استبدال نفوذ بنفوذ
آخر. كما لا ينبغي أن يتحول العراق من منطقة نفوذ أميركية إلى منطقة نفوذ إيرانية،
أو تركية، أو لأي قوة أخرى؛ بل المعادلة الأكثر ذكاءً هي أن يتحول العراق من ساحة
نفوذ إلى دولة توازن. أي: دولة تستطيع أن تتعامل مع واشنطن وطهران وأنقرة والعواصم
العربية والأوروبية في الوقت نفسه، دون أن تكون تابعاً لأي منها.
الاستقلال الاستراتيجي.. النموذج
الذي يحتاجه العراق
المفهوم الأكثر ملاءمة للعراق
ربما ليس "الانعزال"، بل الاستقلال الاستراتيجي. ومعناه أن تمتلك الدولة
قدرة كافية على اتخاذ قراراتها الأساسية، مع الاحتفاظ بعلاقات وشراكات دولية
واسعة. وهذا ما يمكن أن نسميه: السيادة مع الانفتاح.
فالعراق لا يحتاج إلى قطع علاقته
بالولايات المتحدة، ولا إلى قطع علاقته بإيران، ولا إلى الابتعاد عن أوروبا أو
الخليج؛ بل يحتاج إلى علاقة متوازنة مع الجميع. ٲي: الصداقة مع الجميع، والتبعية
لأحد. هذه الجملة يمكن أن تكون واحدة من أكثر الصيغ
اختصاراً لمشروع السياسة الخارجية العراقية بعد 30 أيلول.
الأمننة.. عندما تتحول السيادة
إلى قضية وجود
وفق نظرية الأمننة Securitization، لا تصبح قضية ما قضية أمنية فقط لأنها خطيرة؛ بل لأنها تُقدَّم
باعتبارها تهديداً وجودياً يتطلب إجراءات استثنائية. وفي العراق، تحولت قضايا الإرهاب والسلاح والوجود الأجنبي إلى قضايا
مرتبطة مباشرة ببقاء الدولة، لكن الخطر هنا أن تتحول "السيادة" إلى شعار
أمني فضفاض يُستخدم لتبرير كل شيء، لذلك فإن السيادة الديمقراطية يجب أن تبقى مقيدة
بالدستور والقانون وحقوق المواطن.
هذا، وٳن الدولة القوية ليست
الدولة التي تفعل كل شيء؛ بل الدولة التي تستطيع فعل ما يسمح به القانون ولا
يستطيع أحد منعها من تطبيقه.
من "الوجود الأجنبي"
إلى "الشراكة"
ٲن المشهد المقبل لا يعني
بالضرورة نهاية العلاقة مع واشنطن؛ بل إن الترتيبات الجديدة تتجه نحو علاقة مختلفة
بعد انتهاء المهمة العسكرية. وهذا مهم جداً؛ ذلك أن الدولة الذكية لا تقيس
استقلالها بعدد الاتفاقيات التي تلغيها، بل بقدرتها على إدارة الاتفاقيات من موقع
قوة ومصلحة وطنية.
فالولايات المتحدة يمكن أن تكون
شريكاً اقتصادياً وتكنولوجياً وأمنياً؛ بيد ٲن الشراكة تختلف عن الوجود العسكري
الدائم. وهنا تكمن إحدى أكبر الفرص التي يتيحها 30
أيلول: إعادة تعريف العلاقة العراقية - الأميركية بعيداً عن نموذج الحرب والوجود
العسكري.
لكن المنطقة لا تمنح العراق وقتاً
للراحة
المفارقة أن العراق يصل إلى هذه
اللحظة التاريخية في بيئة إقليمية شديدة التوتر. فالتصعيد الأميركي - الإيراني
الأخير شمل ضربات أميركية داخل إيران ورداً إيرانياً بالصواريخ والطائرات المسيّرة
على مواقع أميركية في العراق ودول أخرى في المنطقة، الأمر الذي يوضح أن العراق لا
يزال معرضاً لأن يكون جزءاً من تداعيات الصراع حتى عندما لا يكون طرفاً فيه.
وهنا يصبح مفهوم السيادة أكثر من
شعار. فالعراق مطالب بأن يقول لطهران وواشنطن في الوقت نفسه: لا تجعلوا أرضنا ساحة لحربكم، هذه هي السيادة الحقيقية، أن يستطيع العراق رفض الحرب عندما لا تكون حربه.
من ساحة صراع إلى دولة عازلة
للصراع
كان العراق لعقود طويلة جزءاً من
مشكلة المنطقة. واليوم يستطيع أن يصبح جزءاً من حلها. فموقعه الجغرافي يمنحه فرصة
نادرة. ٳذ يمكن أن يكون جسراً اقتصادياً بين الخليج وتركيا وإيران وأوروبا، وممرات
للتجارة والطاقة، ومساحة للحوار الإقليمي؛ لكن هذا يتطلب أولاً ألا يتحول إلى ساحة
عسكرية. فالدولة التي تستضيف صراعات الآخرين لا تستطيع أن تكون وسيطاً بينهم. أما
الدولة التي تفرض سيادتها على أراضيها، فيمكنها أن تتحول إلى مركز توازن إقليمي.
الإعلام العراقي أمام امتحان آخر
هناك بعد آخر للمسألة، يتعلق
بالإعلام. فالصحافة لا تصنع الأحداث فقط؛ إنها تصنع إطار تفسير الأحداث. وهنا تأتي نظرية التأطير الإعلامي Framing Theory. إذا قدم الإعلام 30 أيلول باعتباره مجرد
"طرد للأجانب"، فسيفهم الجمهور الحدث باعتباره انتصاراً عسكرياً. أما إذا قدمه باعتباره انتقالاً مؤسساتياً نحو احتكار الدولة للقوة،
وتنويع الاقتصاد، وحماية القرار السياسي، فسيفهم الجمهور أن الطريق أطول بكثير من
يوم الانسحاب.
وهذا هو التأطير الأكثر مهنية. فالصحافة الجادة لا تكتفي بأن تسأل: "من خرج؟" بل تسأل: من
سيحمي الحدود؟ من يسيطر على السلاح؟ من يحمي الأجواء؟ من يمول الدولة؟ من يصنع
القرار؟ ومن يمنع العراق من أن يصبح ساحة؟.
الأجندة الإعلامية.. ما الذي يجب
أن يكون في مقدمة النقاش؟
وفق نظرية Agenda Setting، لا يملك الإعلام دائماً القدرة على إخبار
الجمهور بما يفكر فيه، لكنه يستطيع بدرجة كبيرة التأثير في ما الذي يفكر فيه
الجمهور. ولهذا فإن النقاش الوطني حول 30 أيلول يجب ألا يتوقف عند مشهد خروج
الجنود. يجب أن تنتقل الأجندة إلى الملفات الأصعب: السلاح، الاقتصاد، الحدود، الأجواء، الأمن السيبراني، النفط، المؤسسات،
القضاء، السياسة الخارجية، والعلاقة بين بغداد وإقليم كوردستان؛ لأن هذه هي
الملفات التي ستحدد معنى السيادة بعد الاحتفال.
من الانسحاب إلى بناء الدولة
هناك فرق هائل بين انسحاب القوات
الأجنبية واكتمال بناء الدولة. فالانسحاب حدث يمكن تحديده بتاريخ. أما بناء الدولة
فهو عملية تمتد لسنوات. قد تنسحب القوات في يوم واحد، لكن بناء مؤسسة أمنية قوية
يحتاج سنوات. وقد تُعلن الدولة حصر السلاح، لكن تحقيقه يحتاج قانوناً وتنفيذاً
وقضاءً وإرادة سياسية. وقد تعلن الاستقلال الاقتصادي، لكن تنويع اقتصاد يعتمد
بنسبة 88% من إيراداته الحكومية على النفط يحتاج جيلاً من الإصلاحات. لهذا فإن 30 أيلول ينبغي أن يكون موعداً لبداية مشروع الدولة، لا خاتمة
للمشروع.
الإيجابية الأكبر: العراق لم يعد
عراق 2014
إذا أردنا أن نكون منصفين، فإن
العراق الذي يصل إلى 30 أيلول 2026 ليس عراق يونيو 2014. في 2014 كان داعش قد سيطر على مساحات واسعة من البلاد، وكانت الدولة
تواجه انهياراً أمنياً خطيراً. أما اليوم، فقد انتهت السيطرة الإقليمية للتنظيم،
وتحولت مهمته من السيطرة على المدن إلى تهديد إرهابي أقل قدرة على الإمساك بالأرض.
وهذا التحول الأمني هو الذي سمح
أصلاً بانتقال العراق من نموذج الاعتماد على التحالف في الحرب إلى نموذج تولي
القوات العراقية القيادة. إنها ليست نهاية الخطر، لكنها نقلة استراتيجية حقيقية.
الإيجابية الثانية: الدولة بدأت
تقيس المشكلة بالأرقام
في ملف السلاح مثلاً، لم تعد
المسألة مجرد بيانات سياسية. فهناك قاعدة بيانات لنحو 6 ملايين قطعة سلاح، وأكثر
من 500 ألف قطعة دخلت إجراءات التسجيل، وأُصدرت أكثر من 160 ألف إجازة، إلى جانب
إغلاق 71 مقراً وهمياً. قد تختلف القراءات السياسية لهذه الإجراءات، لكن من زاوية
بناء الدولة هناك تحول مهم: المشكلة أصبحت قابلة للقياس. وكل مشكلة تدخل مرحلة
القياس يمكن أن تدخل لاحقاً مرحلة الإدارة.
الإيجابية الثالثة: السيادة بدأت
تتحول إلى سياسة اقتصادية، إذا كانت السيادة الأمنية مرتبطة بالسلاح، فإن السيادة
الاقتصادية مرتبطة بتنويع مصادر الدخل. وهنا، لا يزال الطريق طويلاً، لكن إدراك
المشكلة بحد ذاته مهم.
ومن هنا، فالأرقام لا تجامل: 53% من
الناتج الحقيقي، و88% من الإيرادات الحكومية، و91% من صادرات السلع مرتبطة بالنفط. وبالتالي فإن أي استراتيجية عراقية للسيادة لا تضع التنويع الاقتصادي
في مركزها ستكون استراتيجية ناقصة.
الإيجابية الرابعة: فرصة لإعادة
تعريف العراق دولياً. العراق بعد 30 أيلول يستطيع أن يرسل رسالة مختلفة إلى العالم: لسنا دولة تحتاج دائماً إلى قوات أجنبية لحماية أمنها. لسنا دولة تريد الانغلاق. ولسنا دولة تريد أن تكون جزءاً من محور ضد محور. نحن دولة تريد الشراكة، ولكن على أساس السيادة والمصلحة الوطنية. وهذا قد يكون أحد أهم التحولات في صورة العراق الدولية.
لكن هناك فخاً خطيراً: وهم
السيادة أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول 30 أيلول إلى احتفال كبير، ثم تعود
الدولة إلى ممارسة السياسة القديمة. فالسيادة لا تتحقق بالأعلام، ولا بالمهرجانات،
ولا بخروج آخر جندي، ولا حتى بقوة الجيش وحدها. وٳنما السيادة تتحقق عندما تصبح الدولة قادرة على قول "لا"
لأي طرف، داخلياً كان أم خارجياً، عندما تتعارض مطالبه مع الدستور والمصلحة
الوطنية. وهذا هو الاختبار الحقيقي.
المواطن هو جهاز قياس السيادة
في النهاية، لا ينبغي أن تبقى
السيادة مفهوماً نخبوياً. فالمواطن هو جهاز القياس. وإذا شعر المواطن بالأمان، ووجد قانوناً عادلاً، وخدمات مستقرة، وفرص
عمل، واقتصاداً أكثر تنوعاً، ومؤسسات لا يستطيع أحد اختراقها، فسوف يشعر أن الدولة
موجودة.
أما إذا بقيت الدولة قوية في
البيانات وضعيفة في حياة الناس، فإن الحديث عن السيادة سيظل أقرب إلى الخطاب
السياسي منه إلى الحقيقة الاجتماعية.
وهنا تبرز مشكلة اجتماعية لا يمكن
تجاهلها: البنك الدولي يقدر أن الشباب بين 15 و29 عاماً يشكلون نحو 29% من سكان
العراق، بينما يظل خلق فرص العمل محدوداً والقطاع الخاص ضعيف القدرة على
الاستيعاب. ولذلك فإن السيادة التي لا تخلق مستقبلاً اقتصادياً لجيل شاب واسع ستظل
سيادة ناقصة في نظر المواطن.
السيادة الرقمية.. المعركة
القادمة
في عصر الذكاء الاصطناعي، لا
تستطيع الدولة أن تحصر سيادتها في الحدود الجغرافية. ذلك ٲن البيانات أصبحت مورداً
استراتيجياً، والذكاء الاصطناعي أصبح أداة قوة، والبنية الرقمية أصبحت جزءاً من
الأمن القومي.
ولهذا فإن العراق الذي يريد أن
يعلن اكتمال سيادته في 2026 يحتاج أيضاً إلى التفكير في سيادة البيانات، والأمن
السيبراني، والبنية الرقمية، وحماية المعلومات الحكومية، والقدرة الوطنية في
الذكاء الاصطناعي.
فإذا كان النفط هو ذهب القرن
العشرين العراقي، فقد تصبح البيانات إحدى ثروات القرن الحادي والعشرين.
من الدولة التابعة إلى الدولة
القادرة
ٳن السيادة في معناها الحديث ليست
رفض العالم. إنها القدرة على التعامل مع العالم. فالدولة القوية لا تقول: لا نحتاج
أحداً؛ بل تقول: نستطيع التعاون مع الجميع لأننا لسنا مضطرين إلى التبعية لأحد.
وهذا هو الفارق بين العزلة
والاستقلال. والعراق يمتلك المقومات التي تسمح له بأن يكون
دولة توازن إقليمي، لكن ذلك يتطلب قراراً سياسياً واضحاً، ومؤسسات قوية، واقتصاداً
متنوعاً، وسلاحاً تحت سلطة الدولة.
30 أيلول بداية الاختبار لا
نهايته
ربما تكون أفضل قراءة لهذا
التاريخ هي أنه نهاية مرحلة وبداية امتحان. نهاية مرحلة بدأت بالوجود العسكري الأجنبي. وبداية امتحان للدولة
العراقية. ومن هنا نتسائل العراق: هل تستطيع حماية حدودها؟ هل تستطيع حماية أجوائها؟ هل تستطيع ضبط
السلاح؟ هل تستطيع منع أراضيها من أن تستخدم في ضرب الآخرين؟ هل تستطيع أن تقول
لواشنطن "نعم" عندما تكون المصلحة العراقية تقتضي ذلك، و"لا"
عندما تتعارض معها؟ وهل تستطيع أن تقول الشيء نفسه لطهران وأنقرة والعواصم العربية
والأوروبية؟ وهل تستطيع بغداد وأربيل أن تبنيا معاً منظومة أمن اتحادية تحمي
العراق كله من دون أن تعيد إنتاج مركزية الماضي أو تترك فراغات أمنية يستغلها
الآخرون؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فالعراق يدخل فعلاً مرحلة جديدة.
وبقي ٲن نقول: حين يغادر الجندي ويبقى الوطن، ففي الصورة الأخيرة من هذا المشهد، قد
يغادر الجندي الأجنبي، وتغلق بوابة القاعدة، وتختفي الآليات من الطرق، وترفع
الأعلام العراقية، لكن التاريخ لا يتوقف هناك، لأن الجندي الذي يغادر يترك وراءه
سؤالاً أكبر من وجوده: من يحمي القرار بعده؟.
فإذا كان الجواب هو الدولة، فقد
بدأ العراق يستعيد سيادته. وإذا كان الجواب هو الدستور، فقد بدأ العراق يستعيد
دولته. وإذا كان الجواب هو القانون، فقد بدأ العراق يستعيد مستقبله.
أما إذا بقي السلاح موزعاً، والاقتصاد
مرتهناً للنفط، والسياسة عرضة للمحاور، والإعلام أسيراً للاستقطاب، والمؤسسات
ضعيفة أمام مراكز النفوذ، فإن خروج القوات الأجنبية لن يكون سوى تغيير في شكل
المشهد، لا في جوهره.
ولهذا لابد أن تكون السيادة
العراقية الجديدة سيادةً اتحادية لا مركزية، قوية في بغداد، مطمئنة في أربيل،
عادلة في البصرة، وآمنة في نينوى، ومتصلة بكل المحافظات والمكونات؛ فلا معنى
لسيادة تُعيد إنتاج مركزية الماضي، ولا معنى لاتحاد يضعف فيه المركز والأطراف معاً.
نعم، إن قوة بغداد لا ينبغي أن
تُبنى على حساب راحة أربيل، كما أن قوة أربيل لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها بديلاً
عن بغداد؛ بل إن العراق الجديد يحتاج إلى معادلة أكثر نضجاً: بغداد قوية بدستورها،
وأربيل قوية بحقوقها الدستورية، والاثنتان أقوى بشراكة حقيقية.
إنها لحظة تقول للعراقيين جميعاً: من الآن فصاعداً، لن يكون السؤال: لماذا يوجد الآخر في العراق؟ بل
سيكون السؤال الأصعب: ماذا فعلنا نحن كي تصبح الدولة أقوى من كل من
يريد أن يتحدث باسمها؟ وهنا فقط يصبح للسيادة معنى. فالسيادة لا تكتمل عندما يغادر آخر جندي أجنبي؛ السيادة تكتمل عندما
يشعر آخر مواطن عراقي أن الدولة هي الأقوى، وأن القانون هو الأعلى، وأن القرار
الذي يمس حياته ومستقبل بلاده يُصنع في العراق.


