أكثر التعريفات بساطة عن اللغة تقول إنها "نسق من الإشارات والرموز، تُشكِّل أداة من أدوات المعرفة. وتُعتبر اللغة أهم وسائل التفاهم والاحتكاك بين أفراد المجتمع في جميع ميادين الحياة". وهذا يعني أن كل المجتمعات الإنسانية كانت وما زالت لها لغات منذ ما قبل وما بعد وجود الإنسان العاقل. اللغة وجدت لتتفاهم عبرها المجتمعات.
وأنا أستغرب من أسباب إثارة موضوع منع تدريس اللغة الكوردية في العراق، خاصة في المناطق التي تقع خارج إدارة إقليم كوردستان؟ حيث "تواجه عملية تدريس اللغة الكوردية في العراق تحديات بنوية وتنفيذية متعددة، رغم إقرارها دستورياً كلغة رسمية إلى جانب العربية في المادة الرابعة من الدستور العراقي".
الموضوع ذاته ينطبق على الحكومة السورية في المناطق الكوردية، حيث يطالب أهالي وطلاب مدينة قامشلو في روجافا كوردستان (كوردستان سوريا)، بالاعتراف الرسمي باللغة الكوردية بوصفها لغة تدريس في الدستور السوري الجديد، وطالبوا خلال احتجاجات بضمان مكانة اللغة الكوردية وحمايتها، ومؤكدين أن تخصيص ثلاث حصص أسبوعياً لا يلبي حقهم في التعليم بلغتهم الأم.
علينا أن نعرف أن عدد لغات العالم المعترف بها، يُقدر بحوالي 7,159 لغة حية وفقاً لأحدث بيانات مرجع إثنولوجي (Ethnologue) المتخصص في رصد لغات العالم وتوثيقها، وأن في إنجلترا وحدها يُتحدث بأكثر من 300 لغة، وتُعد الإنجليزية اللغة الرسمية الأولى والأكثر انتشاراً بين السكان، بينما تتنوع باقي اللغات بين لغات محلية وأخرى جلبتها الجاليات المهاجرة الكبيرة من مختلف أنحاء العالم، وخاصة في المدن الكبرى، مثل لندن. أما الدستور الهندي، فيعترف بـ 22 لغة رسمية، لكن التقديرات تُشير إلى وجود أكثر من 780 إلى 1,700 لغة ولهجة، يتم التحدث بها في مختلف أنحاء البلاد.
هذه البلدان ودول أخرى مشهورة بتنوع عدد اللغات فيها، لم تستشعر أية مخاطر على تاريخها وحاضرها ومستقبلها، بل تفتخر بهذا التنوع الثقافي، فلماذا علينا أن نعتبر، في العراق، اللغة الكوردية تشكل خطراً على اللغة العربية مع أن عدد المتحدثين باللغة الكوردية، الكورمانجية والسورانية، في العراق يبلغ 8 ملايين شخص، ويبلغ إجمالي المتحدثين بالكوردية في العالم ما بين 30 مليون إلى 40 مليون شخص حول العالم، موزعين بشكل رئيس في مناطق كوردستان التاريخية (تركيا، العراق، إيران، وسوريا)، وفي بلدان الشتات حول العالم.
نحن، في العراق، علينا أن نتباهى بهذا التنوع اللغوي الذي يُعد مصدر إغناء حضاري لثقافتنا بدلاً من أن نشعر به تهديداً لوجودنا.


