بعيداً عن غابة إضاءات الإعلام الموجَّه، وحفظ كلائش كلامية يُفهَم من
قائلها أنه يبيع التصريح بلا إمكانية تنفيذ لما يقوله عجزاً أو مخاتلة، وعزلاً
بموجب حقائق لِما صار عليه مشتهو السياسة بلا هدف عام مفيد وبلا جدوى وجود لهم وما
ينتج عنهم من تصرفات، فإن الأمور يحكم على صلاحها من المنجز: تحققاً ونوعاً، ولمن
وبكم وخلال كم؟
من المفيد بدءاً أن نذّكر أنفسنا والمعنيين أن السياسة والعمل فيها
داخل الحكم وخارجه امتحان لابد أن تُدرَك أهميته، وأن لا يؤديه إلا العارف
والمتمكن، وأن لا يصار لخلط الأمور، والدفاع عن الخطأ والخطيئة وتبريرهما بما يصدر
عن الآخرين من خطأ وخطيئة سياسية ورسمية من حيث المواقع في إدارة شؤون الحكم.
السياسة والعمل العام، وإن كانتا ليستا حكراً على فرد أو جماعة، إلا
إن ذلك لا يعني أبداً انعدام شروطٍ للنجاح موضوعية وذاتية؛ فالنجاح فيهما يتبعه
معرفة ذلك النجاح، وفيمَ تم، وماذا سيحقق؟ فهو نجاح ليس مثل أغلب سائد اليوم في
منطقة مصالح ضيّقة سرعان ما ستنقلب على أذرع فاعليها العاملين تحت رعاية من هم
مختبئون خلف عناوين لا يدين لها المجتمع بكل هذا الحجم من الإيذاء والنهب الذي كسر
أغلب الثوابت داخل الدولة.
حتى في دوائر العمل السياسية الكبرى في العالم، فإن الصواب هو الذي
يزن القرارات، حتى لو تأخر إدراك الصواب.
لم تكن مهمتنا سهلة أبداً، فقضيتنا بالأساس ليس هينة ولا سلسة؛ فهي
أمام عقول تناوبت الحكم في منطقتنا، مرت بمراحل من الصعوبة والتعقيد، مَردّ ذلك هو
ثوابت الفكر والسلوك الحاكم، والذي أفرد تقويماً بالجرائم المرتكبة بحقنا والتي
تمتد على امتداد السنة.
كانت مهمتنا تتلخص بالحفاظ على الأمة، وعلى التأثير في تقويم القرار
الحاكم، وعلى تلافي كل حصيلة المقترف بحقنا. والعمل في هذا المجال عمل صعب معقد،
لكننا نجحنا إلى حد كبير في تغيير ماض وحاضر ما كانا ليتغيّرا لولا تسديد الله
لخطواتنا التي امتدت مع تاريخ العراق السياسي مدار البحث، وأقصد المدة التي عملت
فيها حركتنا واشتغل فيها حزبنا وعلى مختلف أنظمة الحكم.
لولا وجود أجيال من الذين حفظوا بوصلة الإتجاه السليم للعراق لكان
خراب اليوم، على سعته، لكان أشد اتساعاً من هذا وأعمق وأكثر تعقيداً.
منجزنا الحزبي والقومي والوطني، وعلى مختلف مجالات الحياة العامة،
منجز مختلف عن المنجز السيء السابق أو الحالي أو الذي يؤسسون له من منجز سيء
مستقبلاً. منجزنا ثمنه باهظُ جداً، ومنجزُ آخرينّ سيء وثمنه باهظ تدفعه شعوبنا،
فتخسر شعوبنا ويربح آخرون ربحاً لا يطول وقته، أما منجزنا فنحن جميعاً دفعنا
أثمانه وتحقق منه على الواقع ما لا ينكره إلا من يكره إختلافه عنّا.
منجزنا لا يدركه ولا يعلمه إلا الذين لهم حواس عمل سليمة، الذين
يعرفون الوطنية خارج مدارس الوطنية المشوهة التي تتعامل بعنصرية وأحادية وعبث.
كانت الحاجة لوجودنا حقيقة واقعية، وتعاملنا مع تلبيتها بإخلاص وفهم
وقدرة. تلك مهمتنا، وقد لا تخلو من نقد ونقص، لكنها قاعدة كبيرة كانت واجبة الوضع
للبناء عليها بناءً منتجاً مفيداً.
أما الذين يتلقون إلهاماً من الماضي والمثال السَّيئَين، فهم والذين
سيكون عليهم الوقوف بوجه مشاريعهم سيكونان -مع الفارق في التوجه- أمام مهمة صعبة.
وعن خبرة نقولها: الوقوف بوجه التخريب أمر ليس سهلاً، ذلك أن منتج الخراب يحمل
عقلاً تم ربط مفاهيمه بشكل ومضمون لتقديم معادلات مغلوطة فقط.
عندما تشرق الشمس على كوردستان، فإن خيوطها تلوح مقابر شهداء وبيوت من
نالتهم حملات القتل، وتلوح مدارس وشوارع وقرى وجبالاً وبناءً وأناساً يعملون على
أخذ حقهم من حياة أذاهم فيها حكم تكررت جرائمه بحقهم وبحق غيرهم، وكذلك تطال الشمس
وتغيب على بقعة أنجزت لها حركتها التحررية ما أمكن وتعمل للأكثر والأبقى والأعم.
أما الذين يريدون استصحاب فكر الزعامة غير مستوفية الشرائط، ويعملون
بعقلية التفرد والتقاسم، فهم -إن جد الجد- فهاربون أو متوارون، لا يحملون تفسيراً
مقنعاً لتبدل أحوالهم عبر أخذ ما ليس لهم، ولا يشعرون بالمسؤولية الأخلاقية عمّا
زادوه من خراب. ومثل هؤلاء مهمتهم صعبة، فهم يعلمون حقيقتهم ويدارونها بمساحيق
تجميل لا تحسّن منهم شيئاً، ولا الأغلبية من شعوبنا راضيةُ عنهم؛ فمعادلات فوضاهم
أشبه بأفاعٍ تضرب متى شاءت ومن شاءت بسمومها، وهذا أيضاً يعني -من أساس ما يعني-
أن مهمة من سيقف لهم صعبة.
ما كنّا نخشى أن يقع من مصاعب، من صنع أيدٍ لا تكلف نفسها إلا همّ نفسها، صار
أقرب للوقوع، وصارت سلامة الحاضر والمستقبل -وفق هذا الإداء- أبعد من النوال.
صحارى السياسة بلا
دليل لعبورها، قرار بالهلاك.

