مقدمة
في 24 آب 2026، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أنها "ستفرض عقوبات على العديد من الكيانات والأفراد والسفن"، كما صرحت وزارة الخزانة بأنها "ستدرج ما يقرب من 60 كياناً وفرداً وسفينة معروفة ضمن الممتلكات المحظورة". هذه المرحلة الجديدة من العقوبات، التي تُعرف بـ"الخنق الاقتصادي لإيران" وتدعو الولايات المتحدة الدول للمساعدة في إنجاحها، تثير العديد من التساؤلات. لكن ما يتعلق بالعراق يكتسب أهمية خاصة، حيث يستورد هذا البلد سنوياً ما قيمته بين 10 و12 مليار دولار من السلع والمنتجات النفطية والغاز الطبيعي من إيران.
من حيث التبادل التجاري، يُعد العراق رابع أكبر شريك تجاري لإيران وثاني أكبر مستورد للسلع والمنتجات النفطية منها. وفيما كانت الولايات المتحدة تستعد للإعلان عن هذه العقوبات، كان المسؤولون الإيرانيون في بغداد، حيث تمثلت مهمتهم الرئيسية في استعادة الديون ووضع آليات دفع جديدة لما يقرب من 4000 سلعة ومنتج يستوردها العراق وإقليم كوردستان من إيران.
تُطرح الآن أسئلة كثيرة حول مصير هذا التبادل التجاري بين طهران وبغداد وأربيل في ظل هذه المرحلة من العقوبات الأميركية، لكن أهمها سؤالان: هل ستسمح العقوبات الاقتصادية الأميركية الجديدة على إيران باستمرار التبادل التجاري بين طهران وبغداد وأربيل؟ وكيف ستتعامل الولايات المتحدة مع ديون إيران، وإرسال الدولار، ومسألة استيراد الغاز، أم أن بغداد وأربيل ستواجهان ضغوطاً جديدة ومختلفة؟
مصير شراكة تتراوح بين 10 و12 مليار دولار؟
تُظهر بيانات منظمة التجارة العالمية (WTO) لعام 2024 أن العراق الاتحادي سُجّل كرابع أكبر شريك تجاري للجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد الإمارات والصين وتركيا، حيث شكّل ما نسبته 20.9% من إجمالي الصادرات الإيرانية بقيمة بلغت 11.69 مليار دولار. في المقابل، كان التبادل في الاستيراد معاكساً، إذ لم يصدر العراق سوى كمية ضئيلة من السلع إلى إيران، مما يرفع حجم اعتماد بغداد على استيراد السلع والمنتجات النفطية وغير النفطية من طهران إلى مستوى مرتفع جداً.
وبما أن إجمالي حجم الصادرات الإيرانية في عام 2024 بلغ 56 مليار دولار، فقد شكلت الصين والعراق والإمارات أكثر من نصف هذا المبلغ؛ حيث بلغت قيمة السلع المصدرة إلى الصين 14.57 مليار دولار، وإلى العراق 11.69 مليار دولار، وإلى الإمارات 7.16 مليار دولار.
في المقابل، استوردت إيران في عام 2024 ما قيمته 68.55 مليار دولار من السلع والمنتجات المختلفة. على سبيل المثال، شكلت الإمارات 30.6% من الواردات بقيمة 21 مليار دولار، والصين 26% بقيمة 17.8 مليار دولار، وتركيا 16.3% بقيمة 11.16 مليار دولار، بينما لم يصدر العراق إلى إيران سوى ما نسبته 0.88% أو ما قيمته 602 مليون دولار من السلع.

ما هي السلع التي ترسلها إيران إلى العراق وإقليم كوردستان؟
صحيح أن الفارق وعدم التوازن في الميزان التجاري بين إيران والعراق الاتحادي كبير لدرجة لا يمكن مقارنتها، حيث إن أكثر من 95% من هذا التبادل التجاري يتمثل في إرسال إيران للسلع والمنتجات المختلفة إلى العراق؛ لكن الأهم من ذلك هو نوعية تلك السلع والمنتجات التي ترسلها إيران إلى العراق وإقليم كوردستان.
وفقاً لبيانات وزارة التجارة العراقية، كانت إيران في عام 2024 ثاني أكبر دولة مصدرة للسلع والمواد غير النفطية والمنتجات النفطية إلى العراق بعد الصين، حيث تم استيراد أكثر من 3970 سلعة ومادة مختلفة بقيمة 3.15 مليار دولار.
في عام 2024، كان الحديد الخام والصلب ومنتجاتهما الأكثر استيراداً بقيمة 405 ملايين دولار، تليها منتجات البلاستيك المختلفة بقيمة 306 ملايين دولار، والفواكه والخضروات والمكسرات المختلفة بقيمة 279 مليون دولار. كما صدرت إيران الحليب والبيض والعسل بقيمة 182 مليون دولار.
وتظهر بيانات وزارة التجارة العراقية أن العراق استورد في ذلك العام ما قيمته 79 مليون دولار من التفاح و89 مليون دولار من البطيخ من إيران. هذا الاعتماد العراقي على الاحتياجات اليومية يوضح كيف أصبح هذا البلد مرتبطاً باستيراد الضروريات الأساسية.
إلى جانب العراق الاتحادي، يواجه إقليم كوردستان نفس التحدي بسبب وجود منافذ حدودية دولية رسمية وغير رسمية مشتركة واعتماده المباشر على السلع والمنتجات الإيرانية. جزء كبير من الـ 4000 نوع من السلع والاحتياجات اليومية المستوردة من إيران يدخل إلى أسواق إقليم كوردستان. ولهذا السبب، فإن أي تشديد للوضع أو فرض آليات دفع جديدة من قبل واشنطن لن يضع بغداد وحدها تحت ضغط اقتصادي شديد، بل سيشمل أيضاً الأنشطة التجارية والمعاملات المالية لإقليم كوردستان مع طهران.

المصدر: وزارة التجارة العراقية، قسم بيانات استيراد وتصدير السلع، التقرير السنوي 2019 إلى 2024.
العقوبات الأميركية الجديدة.. النفط والمنتجات النفطية
وفقاً لبيان وزارة الخارجية الأميركية، فإن الهدف من العقوبات هو: "الكشف بشكل أكبر عن الأفراد والكيانات التي سهلت الهجمات على قوات التحالف والولايات المتحدة، وكذلك للحد من الإيرادات التي يستخدمها النظام الإيراني لمهاجمة جيرانه، ودعم الإرهاب في الخارج، وقمع شعبه بوحشية، وأخذ الاقتصاد العالمي كرهينة".
كما أعلنت وزارة الخزانة الأميركية في اليوم نفسه أنها "ستدرج ما يقرب من 60 كياناً وفرداً وسفينة معروفة ضمن الممتلكات المحظورة. هؤلاء الأفراد يسهلون شبكات الشراء غير القانونية، والأنشطة السيبرانية، وتوليد إيرادات المنتجات النفطية والبتروكيماوية للنظام الإيراني".
ما يكمن في جوهر كلتا العقوبتين الجديدتين هو مسألة السيطرة على صادرات النفط والمنتجات النفطية الإيرانية إلى الخارج؛ والتي تُظهر بيانات منظمة التجارة العالمية (WTO) ومرصد التعقيد الاقتصادي (OEC) أن الحصة الأكبر من صادرات إيران إلى العالم تتمثل في النفط والمنتجات النفطية.
في عام 2024، كان أكثر من 40% من صادرات إيران عبارة عن نفط ومنتجات معدنية ومواد كيماوية؛ حيث شكل الوقود المعدني ومنتجات المصافي ومواد القار المختلفة 34%، والمواد الكيماوية 7.13%.
إذا أخذنا الفارق بين أرقام منظمة التجارة العالمية وبيانات وزارة التجارة العراقية بعد استبعاد كمية السلع غير النفطية، فإن ثلث المبلغ أو ما يعادل 8 مليارات دولار من أصل 11.69 مليار دولار التي أرسلتها إيران إلى العراق في عام 2024، كان عبارة عن غاز طبيعي ومنتجات نفطية ومواد كيماوية.
حسب الحاجة، كان العراق يستورد سابقاً 50 مليون قدم مكعب من الغاز يومياً من إيران، لكن في بداية الشهر الماضي، قال أحمد تركي، المتحدث باسم وزارة الكهرباء العراقية: "يتم الآن استيراد 25 مليون متر مكعب من الغاز يومياً من إيران، وتودع الديون في المصرف العراقي للتجارة (TBI)". وفيما يتعلق بحجم الديون، اجتمع محافظ البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر همتي، في 19 آب 2026 في بغداد مع نظيره العراقي نزار ناصر حسين ورئيس الوزراء علي فالح الزيدي، لمناقشة آلية جديدة لسداد الديون التي تبلغ حوالي 11 مليار دولار، منها 7 مليارات في حساب للبنك المركزي الإيراني في المصرف العراقي للتجارة (TBI) و4 مليارات مستحقة لوزارة النفط الإيرانية لدى الحكومة العراقية ولم تُسدد بعد.
في الواقع، كان انخفاض الكمية إلى النصف هذا العام مرتبطاً بالظروف من الجانب الإيراني أكثر من الجانب العراقي؛ وذلك بعد أن لم يجدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، منذ آذار 2025، الإعفاء الذي مدته 120 يوماً للعراق لاستيراد الغاز الإيراني.
خاتمة
هذه المرحلة الجديدة من العقوبات الأميركية على إيران ليست كالسابق، حيث كانت تقتصر على ذكر أسماء شخصيات ومؤسسات وشركات، بل تدعو الدول والشركات إلى التعاون في "الخنق الاقتصادي" لإيران. وفي حين أن اثنتين من الدول الشريكة الرئيسية الأربع لإيران قد أعلنتا رسمياً حتى قبل هذه العقوبات عن تقليص تعاملاتهما التجارية معها، إلا أنه لا يزال من غير الواضح كيف ستتعامل الصين وتركيا، على الرغم من أن أي قرار منهما سيكون له تأثير كبير؛ فالصين هي الشريك التجاري الأول لإيران، ومن إجمالي التبادل التجاري لطهران مع العالم البالغ 124 مليار دولار في عام 2024، كان أكثر من 32 مليار دولار (أي ما يقرب من 25%) مع الصين.
في النهاية، فيما يتعلق بمسألة الغاز والعقوبات، إذا تغاضت الولايات المتحدة هذه المرة عن العراق، فكيف ستتعامل مع دين يبلغ 11 مليار دولار واستمرار تصدير المنتجات النفطية والسلع الأخرى من إيران إلى العراق؟ لأن أي انخفاض إضافي، مع الوضع الاقتصادي الحالي في العراق، سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار أكثر، وقد يتسبب في عدم استقرار في جميع أنحاء العراق الاتحادي. هذا الوضع المعقد، وتكييف وتنفيذ العقوبات الأميركية الجديدة، التي تأتي هذه المرة بعد حرب مباشرة، يضع مستقبل هذه الشراكة الاقتصادية أمام خطر كبير، ولمعرفة الإجابة الدقيقة على هذه الأسئلة، يتطلب الأمر انتظار الموقف الرسمي والعملي لواشنطن تجاه بغداد.

