في 25 حلقة، نفتح باباً على طريقٍ
غامضٍ عبرته أموالٌ ضخمة بين بغداد وأربيل؛ ذهبٌ ودولاراتٌ وأصولٌ تتبدّل ملامحها. كل حلقة تزيح ستاراً، وكل خيطٍ يقود إلى خيطٍ أخطر: أين ذهب المال؟ ومن
رسم طريقه؟ هنا لا تنتهي الحكاية عند المضبوطات؛ فخلف كل رقمٍ ظلٌّ، وخلف كل ظلٍّ
اسم. رحلةٌ من أثر المال إلى خريطة الشبكة... والسؤال
الذي يزداد ثقلاً: إلى أين ستقود الخيوط؟
عندما تتجاوز الجريمة حدود
الجغرافية
لم تعد مكافحة الفساد في العراق
قضيةً تنتهي عند ضبط موظف، أو مصادرة مبلغ مالي في مكان محدد؛ فالقضايا الكبرى
تكشف، مرة بعد أخرى، أن الجريمة المالية تتحرك بطريقة مختلفة عن خرائط الإدارة
وحدودها. المال يستطيع أن ينتقل، والأصول تستطيع أن تتبدل من نقد إلى ذهب، ومن ذهب
إلى عقار، ومن عقار إلى مركبة أو شركة أو حساب، والأشخاص يستطيعون التحرك بين
المحافظات والمناطق. ولهذا فإن السؤال الأهم لم يعد فقط: أين وقعت الجريمة؟ بل
أصبح أكثر عمقاً: أين تحركت الأموال بعد وقوعها، ومن يستطيع الوصول إليها؟ ومن هنا
تحديداً تظهر أهمية التنسيق الأمني والقضائي بين بغداد وإقليم كوردستان؛ لأن
العدالة، إذا بقيت أسيرة الجغرافية، قد تصل متأخرة إلى مالٍ سبقها في عبور الحدود
الإدارية.
قضية الجميلي.. رقم جديد يفتح
ملفاً أكبر
أحدث تطورات قضية وكيل وزارة
النفط لشؤون التصفية، عدنان الجميلي، حملت أرقاماً ثقيلة الدلالة؛ إذ أعلن قاضي
تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية، ضياء جعفر، في 16 آب 2026، أنه
بالتنسيق مع إقليم كوردستان تم ضبط 20 مليوناً و340 ألف دولار أميركي، و200 مليون
دينار عراقي، واسترداد 60 كيلوغراماً من الذهب، فضلاً عن ضبط 7 سيارات، وذلك في
قضية الجميلي والأطراف المتورطة معه.
هذه الأرقام لا تكمن أهميتها في
حجمها المالي فقط، وإنما في طبيعة العملية نفسها؛ فنحن أمام دولار، ودينار، وذهب،
وسيارات؛ أي أمام ثروة اتخذت أكثر من شكل، وأصول تحتاج كل واحدة منها إلى مسار
مختلف في التعقب والتحقق والحجز والاسترداد. وهنا يصبح التنسيق أكثر من مجرد اتصال
بين مؤسستين؛ إنه محاولة لجمع خيوط المال المتناثر في شبكة واحدة تقود في نهايتها
إلى الحقيقة.
(358) كيلوغراماً من الذهب.. الرقم الذي يغيّر قراءة القضية
لكن العملية الجديدة لا تأتي
منفصلة عن تطورات سابقة. ففي 13 تموز أعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي استرداد 375
كيلوغراماً من الذهب في يوم واحد ضمن التحقيقات، بينها 358 كيلوغراماً جرى
استردادها بالتنسيق مع إقليم كوردستان في قضية الجميلي، فيما كانت 17 كيلوغراماً
مرتبطة بقضية تحقيقية أخرى. كما أعلن القضاء أن الذهب المسترد سُلّم إلى مدير عام
دائرة الإصدار والخزينة في البنك المركزي ومعاونه.
وهنا يصبح الرقم أكثر من مجرد
إحصائية؛ فـ358 كيلوغراماً من الذهب تعني أن التنسيق بين المؤسسات الاتحادية
ومؤسسات الإقليم أفضى، وفق الإعلان القضائي، إلى الوصول إلى أصل مادي ضخم ذي قيمة
عالية، ثم إدخاله في المسار الرسمي للدولة. وهذه ليست صورة عابرة في ملف فساد؛ إنها
صورة عن قدرة الدولة، عندما تتكامل مؤسساتها، على تعقب المال حتى بعد أن يغيّر
شكله ومكانه.
التنسيق الذي يمكن قياسه لا الذي
يُقال عنه
في السياسة قد يكون الحديث عن
التعاون عاماً وفضفاضاً، وقد تختبئ خلفه عبارات البروتوكول والمجاملات الرسمية؛
لكن في مكافحة الفساد يمكن قياس التعاون بنتائجه. عندما ينتج التنسيق عن استرداد
358 كيلوغراماً من الذهب، ثم تظهر عملية جديدة تشمل 20 مليوناً و340 ألف دولار،
و200 مليون دينار، و60 كيلوغراماً من الذهب، و7 سيارات، فإننا أمام نتائج قابلة
للرصد والقياس، وفق البيانات القضائية المعلنة.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية
للتنسيق: أنه ينتقل من مستوى البيانات السياسية إلى مستوى الأثر الأمني والقضائي
والمالي المباشر. فالتعاون لا يصبح ذا معنى لأنه قيل في مؤتمر صحفي، وإنما لأنه
يستطيع أن يغيّر نتيجة التحقيق على الأرض، وأن ينقل المال من منطقة الظل إلى عهدة
الدولة.
لماذا يصبح الإقليم مهماً في هذه
المعادلة؟
لأن مكافحة الجريمة لا تتوقف عند
حدود المؤسسات الاتحادية، ولا ينبغي أن تتحول الحدود الإدارية إلى جدران تعترض
طريق العدالة. فإذا وجدت أصول مرتبطة بقضية اتحادية داخل إقليم كوردستان، أو احتاجت
السلطات إلى معلومات أو إجراءات أو تعاون لتنفيذ قرار قضائي، فإن نجاح العملية
يتوقف على قدرة المؤسسات على العمل معاً. وبالعكس، فإن الإقليم نفسه يستفيد من
وجود قناة مؤسساتية واضحة مع بغداد عندما تكون هناك قضايا أو مطلوبون أو أموال
تتطلب إجراءات اتحادية.
وبذلك لا يصبح التعاون بين
الطرفين استثناءً سياسياً، بل ضرورة أمنية تفرضها طبيعة الجريمة نفسها؛ فالجريمة
لا تسأل أين تبدأ صلاحية هذه المؤسسة وأين تنتهي صلاحية تلك، وإنما تبحث عن أضعف
نقطة في منظومة الدولة.
الفساد لا يعترف بالحدود الإدارية
هذه ربما أهم قاعدة يمكن
استخلاصها من القضية: الفساد لا يعترف بالحدود الإدارية، ولذلك لا ينبغي أن تتوقف
العدالة عندها. فإذا استطاع المال أن ينتقل من مدينة إلى أخرى
خلال ساعات، أو أن يتحول من الدولار إلى الذهب، أو من المال إلى أصل مسجل باسم شخص
آخر، فإن المؤسسات التي تعمل بصورة منفردة ستكون دائماً أبطأ من حركة الأموال.
ولهذا فإن التنسيق الأمني ليس
ترفاً إدارياً؛ إنه محاولة لجعل سرعة الدولة في تعقب المال مساوية، أو على الأقل
قريبة، من سرعة انتقال المال غير المشروع. وكلما تأخرت المعلومة، اتسعت المسافة
بين الجريمة واكتشافها؛ وكلما تسارعت قنوات التعاون، ضاقت
المسافة بين المال ومصيره القانوني.
من ملاحقة الأشخاص إلى ملاحقة
الأصول
التحول الأهم في قضايا الفساد
الكبرى هو أن التحقيق لم يعد يقتصر على سؤال: "من فعل؟"، بل يمتد إلى
سؤال أكثر تعقيداً: "أين ذهبت المتحصلات؟".
فالمال غير المشروع قد يتحول إلى
ذهب أو سيارات أو عقارات أو شركات أو أصول أخرى. وكلما تغير شكل المال، احتاجت
الدولة إلى مؤسسة جديدة أو قاعدة بيانات جديدة أو إجراء قانوني جديد.
وهنا تصبح العملية الأمنية شبكة
متكاملة: معلومة، ثم تحقق، ثم أمر قضائي، ثم تنفيذ، ثم ضبط، ثم حفظ، ثم استرداد.
وهذا هو الفارق بين دولة تطارد
الأشخاص ودولة تطارد الجريمة نفسها؛ لأن الشخص قد يختفي، لكن الأثر المالي يترك
دائماً خيطاً يمكن تتبعه إذا امتلكت الدولة الأدوات اللازمة.
التنسيق الحقيقي يبدأ قبل عملية
الضبط
قد يبدو للمشاهد أن التنسيق يبدأ
لحظة وصول الأجهزة إلى مكان الأموال، لكن تلك ليست إلا الحلقة الأخيرة. التنسيق
الحقيقي يبدأ قبل ذلك بكثير: بتبادل المعلومات، والتحقق من هوية الأشخاص، وتتبع
الملكيات، وتحديد أماكن الأصول، وربط المعلومات الأمنية بالبيانات المالية
والقضائية.
ثم يأتي القرار القضائي ثم
التنفيذ
ولهذا فإن نجاح العملية النهائية
هو في الحقيقة نتيجة سلسلة طويلة من عمليات التنسيق التي لا تظهر كلها أمام
الكاميرا. وما يصل إلى الجمهور في صورة سبائك ذهب أو أكياس أموال أو سيارات
مصادرة، قد يكون وراءه عمل استخباري وقضائي ومعلوماتي طويل، لا تختصره لحظة
المصادرة.
القضاء في قلب المعادلة
وهنا يجب التأكيد على نقطة
أساسية: الحديث عن التنسيق الأمني لا يعني تجاوز القضاء أو استبداله. على العكس،
القيمة الحقيقية للتنسيق هي أن تتحرك الأجهزة المختلفة ضمن مسار قضائي قانوني.
وفي قضية الجميلي، جاءت الإعلانات
المتعلقة بالضبط والاسترداد من قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية،
بينما أكد القضاء في عملية تموز أن الذهب المسترد بالتنسيق مع إقليم كوردستان جرى
تسليمه إلى دائرة الإصدار والخزينة في البنك المركزي.
وهذا مهم؛ لأن قوة الدولة في
مكافحة الفساد لا تقاس بالضبط وحده، وإنما بقدرتها على تحويل الضبط إلى دليل
قضائي، وإجراء قانوني، وأصل مسترد يدخل إلى المسار الرسمي للدولة. فالعدالة لا
تكتمل عندما تعثر الدولة على المال، بل عندما تستطيع أن تثبت مصدره وصلته بالجريمة
وتعيده إلى مكانه القانوني.
لا ينبغي التعامل مع الأرقام
كحصيلة نهائية
هناك نقطة استقصائية مهمة ينبغي
الانتباه إليها: لا يصح جمع كل الأرقام التي ظهرت في مراحل مختلفة والقول إنها
«الحصيلة النهائية» للقضية، ما لم يعلن القضاء ذلك صراحة.
ففي 13 تموز أعلن القضاء استرداد
358 كيلوغراماً من الذهب بالتنسيق مع إقليم كوردستان، وفي 16 آب أعلن استرداد 60
كيلوغراماً أخرى ضمن التطورات الجديدة. لكن لا ينبغي حسابهما تلقائياً على أنهما
418 كيلوغراماً مستقلة إلا بعد التأكد من أن الكمية الجديدة لا تتداخل مع الكمية
السابقة أو أنها تمثل ضبطاً جديداً مستقلاً.
وهذا بالذات من علامات المقال
الاستقصائي المحترف: لا تجمع الأرقام لمجرد أنها تبدو مثيرة؛ تحقق أولاً من عدم
وجود تداخل بينها. فالرقم في الصحافة ليس زينة، وإنما شهادة، وكل رقم يحتاج إلى
مكانه وزمنه ومصدره.
التنسيق لا يقتصر على قضية فساد
واحدة
الأهمية الأوسع هي أن التعاون
الأمني بين بغداد وأربيل لا ينبغي أن يُقرأ من خلال ملف الجميلي وحده. فقضية
الجميلي تقدم نموذجاً واضحاً للتعاون القضائي في استرداد الأصول، لكنها تأتي ضمن
حاجة أوسع إلى تعاون مؤسساتي في الملفات التي تتجاوز حدود منطقة واحدة، سواء تعلق
الأمر بالفساد أو الجريمة المنظمة أو التهريب أو المطلوبين.
ومن هنا فإن قيمة التجربة الحالية
لا تكمن في القضية وحدها، وإنما في السؤال الذي تفتحه: إذا استطاعت المؤسسات أن
تتعاون في ملف بهذا الحجم، فلماذا لا يتحول هذا التعاون إلى قاعدة ثابتة في
الملفات الأخرى؟
عندما يصبح تبادل المعلومات
سلاحاً أمنياً
في عالم الجريمة الحديثة، قد تكون
المعلومة أهم من القوة العددية. معرفة مكان شخص مطلوب، أو مكان أصل مالي، أو هوية
مالك حقيقي، أو ارتباط شركة أو عقار بشخص محل تحقيق، قد تختصر أسابيع أو أشهر من
العمل.
ولهذا فإن التنسيق بين بغداد
وأربيل يجب أن يتجه مستقبلاً إلى بناء قنوات أسرع لتبادل المعلومات، وليس فقط إلى
التعاون عند وقوع القضية.
فالقوة هنا ليست في كثرة الأجهزة،
بل في قدرة هذه الأجهزة على ربط المعلومات بعضها ببعض؛ لأن المعلومة المنعزلة قد
تكون مجرد جزء غامض من الصورة، أما عندما تتصل بالمعلومة المالية والقضائية
والأمنية، فإنها قد تتحول إلى دليل يقود إلى أصل أو شخص أو شبكة.
من ضبط المال إلى ملاحقة الشبكة
والأسماء الكبيرة
إذا كانت قضية الجميلي قد كشفت عن
قدرة بغداد وأربيل على الوصول إلى أموال وأصول موزعة بين أكثر من مساحة جغرافية،
فإن الدرس الأهم لا ينبغي أن ينتهي بانتهاء القضية. فالتنسيق الناجح لا تكمن قيمته
في أنه أنقذ عملية واحدة، وإنما في قدرته على أن يتحول إلى قاعدة عمل مستمرة؛ لأن
الجريمة المنظمة والفساد الكبير لا يعملان بمنطق الملف الواحد، بل بمنطق الشبكات
والعلاقات والأصول المتحركة.
وما ظهر حتى الآن من أرقام ــ من
358 كيلوغراماً من الذهب التي أعلن القضاء استردادها بالتنسيق مع إقليم كوردستان
في تموز، إلى 60 كيلوغراماً أخرى أعلن القضاء استردادها في التطورات الجديدة ــ
يضع أمام المؤسستين سؤالاً أكبر من القضية نفسها: كم من الملفات الأخرى يمكن أن
تكشف عنها آلية التنسيق إذا أصبحت أكثر انتظاماً وسرعة وتبادلاً للمعلومات؟.
فالمطلوب ليس أن يكون التنسيق
حاضراً عندما تصل القضية إلى أعلى درجات الخطورة، وإنما أن يصبح موجوداً منذ
اللحظة الأولى التي تظهر فيها أول إشارة إلى حركة مال مشبوه أو أصل غير مبرر أو
شخص مطلوب.
من "لا ملاذ آمناً" إلى
سياسة عملية
في مكافحة الفساد، لا تكفي
الشعارات مهما كانت قوية. ففكرة «لا ملاذ آمناً» لا تصبح حقيقة إلا عندما تستطيع
الدولة أن تجعل المال المنهوب مكشوفاً أمام أدواتها أينما تحرك داخل أراضيها، وأن
تطارد آثاره عندما ينتقل إلى شكل آخر أو مكان آخر.
ومن هنا فإن التعاون بين بغداد
وأربيل يمكن أن يكون جزءاً من فلسفة أوسع: إذا كان المطلوب في مكان، تتحرك العدالة
للوصول إليه؛ وإذا كان المال في مكان آخر، تتحرك المؤسسات لتعقبه؛ وإذا تحول المال
إلى أصل، تتعقب الدولة الأصل نفسه.
وهنا يصبح التنسيق بين بغداد
وأربيل جزءاً من فلسفة أوسع: لا ملاذ جغرافي للمال العام المسروق.
القضاء أمام امتحان الأسماء
الكبيرة
لكن هنا تبدأ المرحلة الأكثر
حساسية، لأن قيمة أي حملة لمكافحة الفساد لا تقاس فقط بما تضبطه من أموال، وإنما
بمدى قدرتها على الوصول إلى الحلقة الأعلى من منظومة المسؤولية، أياً كان اسمها أو
موقعها أو نفوذها، إذا قادت الأدلة إليها.
فحين تتراكم أمام القضاء أموال
بعشرات الملايين من الدولارات، ومئات الكيلوغرامات من الذهب، وعقارات ومركبات
وأصول أخرى، يصبح السؤال الطبيعي للرأي العام: هل هذه الثروة، إذا ثبتت صلتها
بالجريمة قضائياً، نتاج تصرفات فردية معزولة، أم أنها تكشف شبكة أوسع من المستفيدين
والمتواطئين والوسطاء؟.
وهنا تحديداً ينبغي للقضاء
العراقي أن يتابع الأسماء الكبيرة قبل الصغيرة، والرؤوس قبل الأطراف، ومسارات
القرار قبل مسارات المال، من دون أن يتحول ذلك إلى إدانة إعلامية مسبقة أو مساس
بقرينة البراءة. فالقضاء وحده، لا الإعلام ولا التسريبات، هو الجهة التي تستطيع أن
تحدد أين تنتهي المسؤولية الفردية وأين تبدأ الشبكة.
لأن ما ظهر حتى الآن قد لا يكون
إلا الجزء المرئي من جبل أكبر؛ وما خفي أعظم، إذا كانت وراء هذه الأموال شبكة أوسع
مما تكشفه المضبوطات حتى الآن.
الاختبار الأكبر ليس ضبط الأموال
بل استردادها
قد يكون ضبط 20 مليوناً و340 ألف
دولار أو 60 كيلوغراماً من الذهب خبراً كبيراً، لكنه ليس نهاية القصة. فالاختبار
الحقيقي يبدأ بعد الضبط: هل تثبت الصلة القانونية بين الأصل والجريمة؟ هل تتم
المحافظة عليه؟ هل يصدر القرار القضائي المناسب؟ هل يعاد المال إلى الجهة الرسمية؟
وهل تتمكن الدولة من الوصول إلى بقية المتحصلات؟.
ولهذا فإن نجاح التنسيق يجب أن
يقاس في النهاية بـ نسبة المال المسترد فعلياً، وليس فقط بقيمة الأموال المضبوطة
إعلامياً.
فالذهب الذي يُضبط في لحظة ما ليس
هو النهاية؛ إنه بداية مرحلة أخرى من العمل القضائي والمالي: إثبات الملكية،
وإثبات الصلة بالجريمة، وتثبيت الحجز، واستكمال الإجراءات، ثم استرداد المال
للدولة وفق القانون.
من سؤال: أين المال؟ إلى سؤال: من
صنع القرار؟
وهنا ينبغي أن ينتقل التحقيق
العراقي إلى مستوى أكثر عمقاً: فالعثور على المال هو نصف الحكاية، أما النصف الآخر
فهو معرفة كيف تكوّن، ومن مرّره، ومن سهّل حركته، ومن استفاد منه، ومن امتلك
القدرة على حماية مساره أو تعطيل الرقابة عليه.
ولذلك فإن التحقيقات الكبرى لا
ينبغي أن تتوقف عند خزنة أو منزل أو مركبة أو حساب، بل تتجه إلى سلسلة القرار
كاملة؛ من حلقات التعاقد والتنفيذ والإحالة إلى الوسطاء والشركات والحسابات
والأصول والمالكين الحقيقيين.
وفي هذه النقطة تحديداً يمكن
للتنسيق بين بغداد وأربيل أن يتحول من تعاون في استرداد الموجود إلى تعاون في كشف
الشبكة التي أنتجت الموجود؛ لأن استرداد الذهب والدولارات والسيارات مهم، لكن
الأهم أن تُستعاد قدرة الدولة على معرفة الطريق الذي سلكه المال العام منذ لحظة
خروجه من الخزينة إلى لحظة ظهوره في صورة أصل خاص.
من ملاحقة الأشخاص إلى ملاحقة
الأصول
وهنا يعود التحول الأهم في مفهوم
مكافحة الفساد: لم تعد القضية أن تصل الدولة إلى الشخص فقط، بل أن تصل إلى الأثر
المالي الذي تركه الشخص.
فالشخص قد ينكر، وقد يغير مكان
إقامته، وقد يختبئ خلف أسماء أو شركات أو وسطاء؛ أما المال، مهما حاول صاحبه أن
يغير ملامحه، فيترك سلسلة من الآثار. من حساب إلى حساب، ومن شراء إلى تسجيل، ومن
نقد إلى ذهب، ومن ذهب إلى أصل آخر.
ولهذا فإن الدولة الحديثة لا
تطارد الجريمة بأدوات أمنية فقط، بل تحتاج إلى تلاقي الأمن والقضاء والمال
والمعلومات. وفي العراق، يمكن للتنسيق بين بغداد وأربيل أن يكون أحد المفاتيح
المهمة لبناء هذه المنظومة.
قضية الجميلي كاختبار لنموذج جديد
من هذه الزاوية يمكن قراءة قضية
الجميلي باعتبارها اختباراً لنموذج عراقي جديد في مكافحة الفساد: القضاء يحدد
المسار، والأجهزة الأمنية تنفذ، والمؤسسات المالية تتعامل مع الأصول، وبغداد
وأربيل تتبادلان المعلومات والإجراءات عندما تتجاوز القضية حدود مؤسسة أو منطقة
واحدة.
وقد أظهرت واقعة تموز بوضوح أن
التنسيق لم ينته عند العثور على الذهب؛ فقد أعلن القضاء أن الكميات المستردة
سُلّمت إلى دائرة الإصدار والخزينة في البنك المركزي، ضمن الجهود الرامية إلى
استكمال التحقيق واسترداد الأموال المنقولة وغير المنقولة المتحصلة من الجريمة.
وإذا نجح هذا النموذج، فإنه يمكن
أن يتحول إلى آلية قابلة للتطبيق على ملفات أخرى، بدلاً من أن تبقى كل قضية بحاجة
إلى ترتيبات خاصة أو اتصالات استثنائية.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد
الأرقام
لهذا فإن المشهد العراقي اليوم لا
يحتاج إلى الاحتفال بالأرقام بقدر ما يحتاج إلى تحويلها إلى مؤشرات لنجاح الدولة.
عشرات الملايين من الدولارات
ومئات الكيلوغرامات من الذهب ليست مجرد أرقام مثيرة للدهشة؛ إنها أسئلة معلقة: كم
منها ثبتت علاقته بالجريمة؟ كم استُرد فعلياً؟ كم ما زال قيد التتبع؟ كم من
المتورطين تم الوصول إليه؟ وهل ستصل التحقيقات إلى جميع المستفيدين، أم ستنتهي عند
الحلقة التي ظهرت أولاً؟.
وإذا كانت قضية الجميلي قد أظهرت
أن التنسيق بين بغداد وأربيل قادر على عبور الحواجز الجغرافية في سبيل استرداد
الأصول، فإن الخطوة التالية يجب أن تكون عبور الحواجز داخل شبكة النفوذ نفسها؛ فلا
حصانة سياسية أمام القضاء، ولا جغرافية تحمي المال العام، ولا اسم كبير ينبغي أن
يكون أكبر من قدرة الدولة على مساءلته إذا توافرت الأدلة القانونية.
التنسيق لا ينبغي أن يبقى حالة
مؤقتة
إذا كانت النتائج التي أعلنتها
السلطة القضائية قد كشفت قيمة التنسيق بين المؤسسات الاتحادية ومؤسسات إقليم
كوردستان، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون أكثر تنظيماً: قواعد بيانات مترابطة،
قنوات اتصال واضحة، آليات سريعة لتنفيذ الأوامر القضائية، وتعقب مشترك للأصول
والأموال والمطلوبين.
فالتنسيق الحقيقي ليس أن تتعاون
المؤسسات عندما تكون القضية قد أصبحت خبراً أول، وإنما أن تعمل معاً قبل أن تتحول
الأموال إلى جبل من التعقيدات القانونية والمالية. وكلما بدأ التنسيق في مرحلة
مبكرة، أصبحت فرص الاسترداد أكبر، وأصبح المجال أضيق أمام إخفاء الأصول أو نقلها
أو تغيير ملكيتها.
وهنا تحديداً ينبغي أن تتحول
تجربة بغداد وأربيل من نجاح في قضية إلى خبرة مؤسساتية قابلة للتكرار.
من التنسيق الأمني إلى الثقة
المؤسسية
هناك بعد آخر لا يقل أهمية:
التنسيق الأمني والقضائي يمكن أن يتحول إلى أداة لبناء الثقة بين بغداد وأربيل.
فالخلافات السياسية بين الطرفين
معروفة، وهناك ملفات معقدة تتعلق بالنفط والموازنة والصلاحيات وغيرها. لكن حماية
المال العام وملاحقة الفساد ليست قضية يفترض أن تكون موضع خلاف سياسي.
بل يمكن أن تصبح مساحة مشتركة
تقول فيها المؤسسات للطرفين: يمكن أن نختلف سياسياً، لكننا نستطيع أن نتعاون عندما
يتعلق الأمر بحقوق المواطن والمال العام.
وهذا ربما أحد أكثر الأبعاد أهمية
في القضية؛ لأن التعاون الذي يبدأ في غرفة تحقيق أو في تنفيذ أمر قضائي يمكن، إذا
تكرس مؤسسياً، أن يبني شيئاً أكبر: ثقافة تعاون اتحادية لا تلغي الاختلاف، لكنها
تمنع الاختلاف من أن يتحول إلى ثغرة يستغلها الفساد.
لا ينبغي أن يتحول التعاون إلى
اتهام سياسي
ومن المهم هنا الحفاظ على
التوازن. وجود تعاون بين بغداد وأربيل في قضية فساد لا يعني اتهام الإقليم أو
مؤسساته بالقضية، كما أن تنفيذ إجراءات داخل الإقليم لا يعني أن الإقليم أصبح
طرفاً في الجريمة.
العكس هو الصحيح: حين تتعاون
مؤسسات الإقليم مع القضاء الاتحادي للوصول إلى الأموال أو المطلوبين، فهذا يعني أن
المؤسسات تعمل ضمن منظومة إنفاذ القانون.
وهذه نقطة ينبغي أن تكون واضحة في
الخطاب الإعلامي حتى لا يتحول ملف مكافحة الفساد إلى صراع سياسي بين المركز
والإقليم.
فالقضية هنا ليست من انتصر على
من؛ بغداد أم أربيل. القضية أن الدولة انتصرت عندما تمكنت مؤسساتها من العمل معاً
للوصول إلى المال العام.
حين يصبح التنسيق بنية تحتية
للعدالة
في النهاية، ليست القضية في 20
مليوناً و340 ألف دولار، ولا في 200 مليون دينار، ولا في 60 كيلوغراماً من الذهب،
ولا في 7 سيارات، ولا حتى في 358 كيلوغراماً من الذهب التي أعلن القضاء سابقاً
استردادها بالتنسيق مع إقليم كوردستان؛ فهذه الأرقام مهمة لأنها تكشف حجم ما يمكن
أن تصل إليه الدولة عندما تتكامل المعلومات والإجراءات، لكنها لا ينبغي أن تتحول
إلى حصيلة حسابية واحدة قبل أن يوضح القضاء صراحة طبيعة العلاقة بين الكميات
المضبوطة في المراحل المختلفة.
والقضية الأعمق هي أن الجريمة المالية
الحديثة أصبحت عابرة للحدود الإدارية، ولذلك يجب أن تصبح العدالة كذلك.
فإذا كان المال يستطيع أن ينتقل
من مكان إلى آخر، فإن المعلومة يجب أن تنتقل أسرع منه؛ وإذا كان الفاسد يستطيع أن
يخفي المال في صورة ذهب أو عقار أو سيارة، فيجب أن تمتلك الدولة القدرة على تتبع
الأصل لا الشخص فقط؛ وإذا كانت المؤسسات موزعة بين المركز والإقليم، فيجب ألا
تتحول الحدود الإدارية بينها إلى ثغرة يستغلها الفساد.
لقد أعطت قضية الجميلي حتى الآن
دليلاً عملياً على أن التنسيق بين بغداد وأربيل يمكن أن ينتج أرقاماً ونتائج
ملموسة. لكن التحدي الحقيقي يبدأ من هنا: هل نستطيع تحويل هذا التنسيق من نجاح في
قضية كبيرة إلى منظومة دائمة، لها قواعد بيانات مشتركة، ومسارات قضائية واضحة،
ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وهدف نهائي واحد: أن يعرف المال العام أن الدولة قادرة
على الوصول إليه، أينما ذهب؟
ففي النهاية، الفساد قد يتحرك بين
الجغرافية، لكن العدالة يجب ألا تتأخر عنه.
وبقي ٲن نقول حين تتوحد خريطة
الأمن مع خريطة المال، تصبح الدولة أقرب إلى الحقيقة، ويصبح الفساد أبعد عن الملاذ.
ومن هنا، وبلغة الاستقصاء، فٳن ما
بعد الذهب والدولار؛ ولربما تكون اللحظة قد حانت للانتقال من مرحلة ضبط المال إلى
مرحلة كشف منظومة المال؛ ومن ملاحقة من يحمل الأموال إلى ملاحقة من صنع الطريق
إليها؛ ومن إعلان المضبوطات إلى إعلان النتائج القضائية الكاملة. فالقضية ليست أن
الدولة عثرت على الذهب والدولارات، بل أن تثبت أن قدرتها على الوصول إلى المال
تستطيع أن تصل أيضاً إلى من يقف خلفه، إذا قادت الأدلة إلى ذلك. ولهذا فإن السؤال
الأكثر إلحاحاً أمام القضاء العراقي لا ينبغي أن يكون فقط: كم ضبطنا؟ وإنما أيضاً:
من أين جاءت الأموال؟ كيف تحركت؟ من سهّل انتقالها؟ من استفاد منها؟ وإلى أي مستوى
ستصل التحقيقات إذا قادت الأدلة إلى أسماء أكبر؟.
هنا تحديداً يصبح القضاء أمام
امتحانه الحقيقي: أن يتتبع الأسماء الكبيرة قبل الصغيرة، والرؤوس قبل الأطراف،
ومسارات القرار قبل مسارات المال، مع الحفاظ الكامل على قرينة البراءة وعدم تحويل
الاشتباه إلى إدانة إعلامية. وما خفي قد يكون أعظم، لا بوصفه حقيقة مسبقة، وإنما
بوصفه سؤالاً مفتوحاً لا يغلقه إلا التحقيق القضائي المكتمل. وإذا كان التنسيق بين
بغداد وأربيل قد أثبت، وفق ما أعلنه القضاء، أنه قادر على الوصول إلى أصول ضخمة
عبر الحدود الإدارية، فإن سقف النجاح المقبل يجب أن يكون أعلى: أن يتحول التنسيق
إلى بنية تحتية دائمة للعدالة، وأن يصبح المال العام بلا ملاذ، وأن تصبح الجغرافية
بلا حصانة، وأن يكون الاسم ــ مهما كبر ــ أصغر من سلطة القانون. عندها فقط لن
تكون قضية الجميلي مجرد قضية فساد كبيرة، بل لحظة يمكن أن تؤسس لقاعدة عراقية
جديدة: حين تتوحد خريطة الأمن مع خريطة المال، تصبح الدولة أقرب إلى الحقيقة،
ويصبح الفساد أبعد عن الملاذ.



