اليوم 1988/8/8، الموقع: في أحد مواضع القاطع الأوسط من جبهة الحرب العراقية الإيرانية.. الشمس تتهيأ للمغيب، كنت في زيارة، بصفتي مراسلاً حربياً، لأحد الأفواج التابعة للواء الرابع الخاص، والذي يقع فوق تل حجري محاذٍ لسلسلة تلال هي الأخرى حجرية، لكنها أكثر ارتفاعاً منه، بحيث تشكل ساتراً طبيعياً للفوج تقيه قنابل الهاون الإيرانية.
أصغيت بدقة للفراغ الذي يؤثث الفضاء والمساحات الفاصلة بين موقع الفوج والقوات الإيرانية على الجهة الشرقية. إنه فراغ وصمت الأرض الحرام، فالجبهة، بل غالبية جبهات القتال، تشهد شبه هدنة بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598، الصادر في 20 تموز عام 1987، وكان العراقيون والإيرانيون على حد سواء منشغلين بمتابعة النقاشات بين القيادتين العراقية والإيرانية غير المباشرة، وعن طريق الأمم المتحدة، حول هذا القرار الملزم، وفيما إذا كانت إيران ستوافق عليه أم لا لوضع حد لأقسى حرب تشهدها المنطقة، بدأت عام 1988 ولا نعرف سيناريو نهايتها بعد.
كنا، الملازم أول جواد حميد، ما زلت أتذكر اسمه، وهو ينحدر من مدينة الحلة بمحافظة بابل، وخريج كلية العلوم السياسية بجامعة بغداد، نجلس خارج موضعه ونراقب المساحات الجرداء التي تمتد تحتنا وحولنا.. باغتني بسؤال حول توقعاتي بالموقف الإيراني من هذا القرار. قلت له: أنت درست 4 سنوات علوم سياسية وأعتقد ستكون توقعاتك أكثر دقة مما أتوقعه أنا. صمت وقال: "ثمان سنوات وأنا أرتدي الخاكي ومن موقع إلى موقع في جبهات القتال، هل تعتقد تبقت أية معلومات من العلوم السياسية التي درستها؟".
كانت طاولة لعبة البينغ بونغ (كرة الطاولة) قريبة منا، وبدت كالحة وخشبها شبه متشقق وفقدت لونها الأخضر تقريباً، طلبت منه أن نلعب كرة المنضدة ونتحدث، سأل: لماذا كرة المنضدة؟ قلت: ألا ترى أن الحرب هي لعبة كرة المنضدة.. هم الكبار يلعبون ويفوزون ويخسرون.. قال بصوت خفيض: "إي والله لعبوا بينا طوبة"، ثم نهضنا لنلعب وقال: أنا أفضل من يلعب كرة المنضدة بالفوج وفزت على الجميع، ابتسمت وقلت له مازحاً: الجنود يخسرون أمامك لأنك ضابط ولا يريدون إزعاجك أو ربما تعاقبهم إذا فاز أحدهم عليك، سألني ما هو رهان الفائز، قلت: إذا فزت أنا بـ3 أشواط أو شوطين ضد شوط فإيران ستوافق على القرار، هذا اعتقادي، وإذا فزت أنت فهذا يعني أنها سترفض القرار، كنا نلعب بحماس ونتحدث، قال: إيران لن توافق سواء خسرت أم ربحت اللعبة، قلت: لم يتبق أمام إيران أي خيار سوى الموافقة على القرار.. كل الطرق مسدودة أمامها والعالم ضاغط عليها بقوة وخسائرها تفوق تحملها.
فزت في الشوط الأول، وتحجج بأني أشغله بالحديث كي أسجل عليه النقاط، وبالفعل كانت هذه خطتي، لأننا توقفنا عن الحديث في الشوط الثاني ففاز علي بفارق 3 نقاط.. كان ضياء الشمس يخفت تدريجياً والشمس تسحب عباءتها لتختفي هناك في الجهة الغربية البعيدة.. قبل أن أنهي الشوط الثالث بفوزي خرج جندي متحمس من موضعه وصاح بكل ما في روحه من صوت: "وكفت الحرب".
.jpg&w=3840&q=75)
.jpg&w=3840&q=75)
.jpg&w=3840&q=75)
