لم تكن زيارة نيجيرفان بارزاني الأخيرة إلى بغداد مجرد محطة بروتوكولية عابرة في سجل العلاقات بين أربيل والمركز، بل كانت إعلاناً ضمنياً عن حقيقة باتت لا تحتمل التجاهل: أن استقرار العراق السياسي، في لحظته الراهنة الحرجة، بات مرهوناً إلى حد بعيد بقدرة رئيس الإقليم على لعب دور الضامن الذي يجمع أطرافاً متنافرة حول طاولة واحدة.
حين يتحول الضيف إلى شريك في القرار
المشهد يستحق التوقف: رئيس إقليم كوردستان يشارك، جنباً إلى جنب مع رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ورئيس مجلس القضاء الأعلى، في اجتماع يقرر مصير ملف بالغ الحساسية كحصر السلاح بيد الدولة، ثم ينفرد بلقاء خاص مع رئيس الحكومة. هذه ليست صورة "إقليم يطالب مركزاً"، بل صورة فاعل سياسي تجاوز موقعه الجغرافي والإداري ليصبح طرفاً أصيلاً في هندسة القرار الوطني العراقي بأكمله، لا في ملفات كوردستان فحسب.
والأخطر من ذلك أن هذا الحضور يأتي في توقيت لا مجال فيه للمجاملة: اعتداءات مسلحة تستهدف القوات العراقية، وفراغ حكومي يطول أمده، ومهلة زمنية صارمة لحصر السلاح تنتهي نهاية أيلول المقبل، بعدها يصبح كل سلاح خارج سلطة الدولة "جريمة" بنص بيان الائتلاف نفسه. في خضم هذا الاحتقان، لم يكن حضور بارزاني رفاهية دبلوماسية، بل كان حاجة سياسية استحضرتها بغداد نفسها.
لغة الشراكة كأداة نفوذ ناعم
تصريحات نيجيرفان بارزاني عن "استمرار الحوار والتنسيق بين جميع الأطراف الوطنية" لا ينبغي أن تُقرأ كخطاب مجاملة روتيني، بل كاستراتيجية محكمة: هي لغة تمنح بارزاني موقع الحكم لا الخصم، وتضعه فوق الاصطفافات الحزبية والطائفية التي تستنزف الطبقة السياسية العراقية. بينما تتصارع القوى الوطنية على تقاسم السلطة وتشكيل الحكومة، يظهر رئيس الإقليم بصورة الطرف الوحيد القادر على التحدث مع الجميع دون أن يخسر أحداً.
وحين يؤكد رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، من جهته، أن الملفات العالقة ستُعالج "على وفق الدستور والقانون"، فإن هذا الإقرار الصريح -الموجّه بالضرورة إلى بارزاني وحكومته- هو اعتراف مبطن بأن بغداد لا تملك ترف تجاهل أربيل في أي معادلة توازن سياسي مقبلة.
الموقف من السلاح: اختبار المصداقية الحقيقي
الأهم من البروتوكول هو المضمون: دعم نيجيرفان بارزاني الصريح لمبدأ حصر السلاح بيد الدولة يحمل ثقلاً يتجاوز كوردستان ذاتها. فحين يقف رئيس إقليم له تجربته الخاصة والمعقدة مع ملف القوات الأمنية والسلاح خلف مبدأ الحصرية الاتحادية، فإنه يسحب من الفصائل المسلحة خارج إطار الدولة أي غطاء "فيدرالي" أو "قومي" قد تحاول التذرع به، ويحول موقفه إلى ورقة ضغط أخلاقية وسياسية بحجم يتجاوز حجم إقليمه الجغرافي.
خلاصة بلا مجاملة
الحقيقة التي يجب قولها بوضوح: العراق اليوم لا يُدار فقط من بغداد، بل يُدار عبر شبكة توازنات لا يمكن لأي طرف فيها، مهما بلغ حجمه، أن يتجاوز الآخر. ونيجيرفان بارزاني، بذكائه السياسي المتراكم عبر عقدين من إدارة ملف معقد كإقليم كوردستان، يدرك هذه المعادلة أكثر من كثيرين، ويوظفها ببراعة: فهو ليس مجرد شريك في السلطة، بل صار -بحكم الأمر الواقع- أحد ضمانات استمرار الدولة العراقية نفسها في شكلها الحالي. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل ستكون بغداد على قدر هذه الشراكة حين يحين وقت الاستحقاقات الفعلية، لا مجرد البيانات الختامية؟
*باحث في شؤون الدراسات والثقافات الشرق أوسطية.


.webp&w=3840&q=75)
