من المقرر أن يستضيف البرلمان العراقي، في الأيام الأخيرة من فصل الصيف، وزير المالية لتقديم إيضاحات حول الوضع الذي يمر به الاقتصاد العراقي، حيث انخفضت الإيرادات الشهرية للنفط المصدر من 9 تريليونات دينار إلى 1.5 تريليون دينار، وفي المقابل، لا تزال النفقات الشهرية تزيد عن 9 تريليونات دينار. الخيار الوحيد المتاح للعراق الآن هو الاقتراض لتغطية النفقات الشهرية، ويأتي ذلك في وقت تجاوز فيه الدين الداخلي 106 تريليونات دينار، في حين أن الدين الخارجي غير معروف ما إذا كان 10 مليارات دولار أم 53 مليار دولار.
في الحقيقة، الفرق بين هذين الرقمين كبير ومصيري؛ فإذا كان الدين الخارجي 10 مليارات دولار، فإن السيطرة عليه ستكون سهلة ويمكن سداده في أقل من شهرين مع عودة الأوضاع في مضيق هرمز إلى طبيعتها. ولكن إذا كان 53 مليار دولار، أي ما يعادل 69 تريليون دينار، ومع إضافة 106 تريليونات دينار من الدين الداخلي، فإنه سيقترب من نسبة 85% من إجمالي حجم الاقتصاد، وبهذا، بحلول نهاية هذا العام، ستصل الديون إلى ما يعادل إجمالي الناتج المحلي للبلاد. وبهذا تتجه البلاد نحو مرحلة خطيرة لا تقتصر فقط على العجز والتضخم الذي قد يحدث في الأشهر المقبلة، بل تخلق أيضاً خطراً مباشراً على إفلاس الدولة وضعف عملتها وارتفاع أسعار المواد والسلع.
كذلك، يظهر فرق بسيط بين الدين الداخلي والخارجي، حيث يتجه الدين الداخلي أكثر نحو طباعة النقود وخفض الاحتياطي الأجنبي لتغطية النفقات والعجز، ولكن في المقابل، يُلزم الدين الخارجي العراق بمجموعة من الإجراءات الاقتصادية المشروطة ليتمكن من سداد ديونه وإجراء الإصلاحات اللازمة لتغطية نفقاته المستقبلية بأقل عجز ممكن.
في 8 أيار 2026، أي قبل 5 أيام من أداء الحكومة الجديدة اليمين الدستورية في البرلمان، نشرت وزارة المالية العراقية سلسلة من التقارير المدعومة بالبيانات حول أعمالها، كان أحدها مخصصاً للديون الداخلية والخارجية للعراق.
وفقاً للتقرير، بلغ إجمالي الديون 96 تريليون دينار داخلياً و10 مليارات دولار خارجياً (أي ما يعادل 109 تريليونات دينار عراقي وحوالي 84 مليار دولار أمريكي). لكن إحصاءات البنك المركزي في تقريره الأسبوعي (تحت عنوان "المؤشرات الاقتصادية العراقية") حتى نهاية آذار 2026، أشارت إلى 103 تريليونات دينار كديون داخلية و53.4 مليار دولار كديون خارجية. وهذا يعني أن الدين الخارجي في تقرير البنك المركزي يعادل خمسة أضعاف الرقم المذكور في تقرير وزارة المالية.
وهنا السؤال هو: لماذا سجّل في التقرير المالي بمبلغ 10 مليار دولار؟ هل الأرقام في العراق تكتب فقط بعد التلاعب بها أم أي الأرقام هو الصحيح في الواقع؟ لأن الفرق بينهما هو 40 مليار دولار (أي ما يقارب 52 تريليون دينار).
أرقام وزارة المالية للديون الداخلية والخارجية للعراق
أشار تقرير وزارة المالية العراقية إلى أنها تهدف إلى تقديم توضيح حتى نهاية نيسان 2026. وبخصوص الدين الداخلي، ذكر التقرير أن الحكومة اقترضت مبلغ 46.035 تريليون دينار خلال الفترة من عام 2023 حتى 30 نيسان 2026. وكان توزيع الدين حسب السنوات على النحو التالي: 7.6 تريليون دينار في عام 2023، و17.1 تريليون دينار في عام 2024، و10.8 تريليون دينار في عام 2025، و10.5 تريليون دينار في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026.
كما أوضح تقرير وزارة المالية، أن الحكومة تمكنت من سداد 19.9 تريليون دينار من ديونها، مما أدى إلى وصول إجمالي الدين الداخلي إلى 96.6 تريليون دينار. وأشار إلى أن جزءاً كبيراً من الدين الداخلي (يصل إلى 70 تريليون دينار) هو نتيجة تراكم ديون الحكومات السابقة بين عامي 2004 و 2022.
وفيما يتعلق بالدين الخارجي، أشار تقرير وزارة المالية، حتى نهاية نيسان 2026، إلى مبلغ 10.076 مليار دولار (ما يعادل 13.09 تريليون دينار)، وهو مجموع الفترة من عام 2023 إلى نيسان 2026؛ ومن هذا المبلغ، يخص 2.166 مليار دولار ديون الحكومات السابقة.
أرقام البنك المركزي بشأن ديون العراق الداخلية والخارجية
يصدر البنك المركزي العراقي، نشرتين أسبوعيتين بعنوان "المؤشرات المالية الرئيسية" و"التقرير الإحصائي الشهري"، يعرض فيهما مجمل الإحصاءات المالية والاقتصادية للعراق. وفقاً لبيانات البنك المركزي، بلغ الدين الداخلي حتى 31 أيار 2026 حوالي 103.18 تريليون دينار (تتكون من: 63.2 تريليون دينار لوزارة المالية، و8.8 تريليون دينار حوالات خزينة - Treasury Bills، و20.3 تريليون دينار قروض، و1.068 تريليون دينار سندات وأوراق مالية). وهذا يعني أن أرقام البنك المركزي للدين الداخلي تتطابق إلى حد كبير مع أرقام وزارة المالية.
الاختلاف الكبير الذي يثير الشكوك حول صحة الأرقام يتعلق بالدين الخارجي؛ حيث قدر تقرير البنك المركزي إجمالي الدين الخارجي حتى 31 آذار 2026 بمبلغ 53.46 مليار دولار. بل في العامين الماضيين (نهاية 2024 و2025)، بلغ إجمالي الدين الخارجي 54.6 و54.1 مليار دولار على التوالي. إذاً، لماذا تصرح وزارة المالية في مايو 2026 بأن الدين الخارجي يبلغ 10 مليارات دولار فقط؟
فارق 40 مليار دولار في شهر واحد
إن الفارق في أرقام البنك المركزي ووزارة المالية بشأن إجمالي الديون الخارجية يقتصر على شهر واحد فقط (من آذار إلى نيسان 2026). قد يبدو من التقرير أن العراق تمكن من سداد 40 مليار دولار من ديونه خلال هذا الشهر! لكن الواقع ليس كذلك، بل هو شيء مختلف تماماً: ففي الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، بلغ إجمالي إيرادات العراق 33.5 تريليون دينار فقط، بينما صرحت وزارة النفط (شركة تسويق النفط العراقية "سومو") بأن إجمالي إيرادات النفط المباع في شهري أيار وحزيران 2026، أي خلال شهرين وليس شهراً واحداً، بلغ 2.33 مليار دولار (وهو ما يعني متوسط سعر 72 دولاراً للبرميل الواحد، في حين كان السعر في السوق 91 دولاراً، ولم يتم بعد سداد مستحقات الشركات).
هذا الانخفاض في مبيعات النفط العراقي، بسبب الوضع الأمني في مضيق هرمز والتعقيدات التي أعقبت الحرب، دفع الشركات القادرة على نقل النفط عبر مضيق هرمز إلى طلب خصومات كبيرة على أسعار النفط في الأسواق العالمية من الدول المنتجة. وقد صرح المدير العام لشركة "سومو" بوضوح في الأيام الماضية بأن العراق يبيع بسعر اليوم، لكن وضع مضيق هرمز أدى إلى البيع بسعر يقل 20 دولاراً عن سعر السوق، كما أن بعض دول الخليج تبيع نفطها بأسعار أقل من ذلك بكثير.
تُظهر هذه الأرقام الصادرة عن "سومو" أن الحكومة ليست لديها القدرة على خفض الديون الخارجية من 53 مليار دولار إلى 10 مليارات دولار في شهر واحد. وقد نشرت وزارة المالية هذا التقرير في وقت كانت فيه تقارير البنك المركزي متاحة لديها (والتي تشير إلى أن الديون الخارجية تدور حول 53 مليار دولار منذ ثلاث سنوات).
الخاتمة
الجميع في العراق يتحدث الآن عن شح السيولة، وتوقف المشاريع، وخفض النفقات؛ لكن من البصرة إلى زاخو، ينتظر السوق الرواتب أكثر من الموظفين أنفسهم. إذا اقترض العراق قرضاً خارجياً بقيمة 10 مليارات دولار، فهل سيرتفع الدين الخارجي من 10 مليارات إلى 20 مليار دولار، أم سيرتفع من 53 ملياراً إلى 63 مليار دولار؟
كذلك، علينا أن ننتظر لنرى ما هو الحل الذي سيطرحه البرلمان العراقي –الذي تبلغ نفقاته السنوية 618 مليار دينار، يخصص 89.2% منها للرواتب– لهذا الوضع الاقتصادي في العراق.
في الختام، هل سيقدم البرلمان ووزارة المالية في هذه المرحلة حلولاً استراتيجية ومتنوعة ومحكمة تعتمد على البيانات، أم سيطلقان يد الحكومة وهذه الكابينة الوزارية لترقيع الوضع وتوزيع الرواتب الشهرية فوق كل اعتبار؟ فمن بين سكان هذا البلد البالغ عددهم 46 مليون نسمة، يتلقى أكثر من 10.2 مليون شخص رواتب. وإذا استثنينا من هم دون سن 18 عاماً، فإن واحداً من كل مواطنين عراقيين اثنين يتقاضى راتباً. لهذا السبب، الخبر الأول والأخير هو الرواتب. لسنوات، لم يكن هذا الأمر خبراً بفضل صادرات النفط وارتفاع أسعاره، ولكن اعتباراً من اليوم، فإن أي أزمة تخلق مشكلة للنفط ستجعل العناوين الرئيسية للأخبار هي وصول الرواتب وتوزيعها وتوفر الأموال اللازمة لها، حيث يتطلب الأمر 8.33 تريليون دينار شهرياً و100 تريليون دينار سنوياً.


.webp&w=3840&q=75)
