كل يوم يخرج علينا خبر جديد، مرة
يعلن عن ضبط عشرات المليارات، ومرة عن أموال مخبأة، ومرة عن عقارات، ثم يعود
القضاء ليكشف عن مليارات أخرى في القضية نفسها، وأخرها الإعلان عن ضبط 27 مليار
دينار إضافية في قضية عدنان الجميلي.
بصراحة لم يعد السؤال بالنسبة لي:
كم ملياراً ضبطت لحد الأن؟ السؤال الحقيقي هو: هل كان كل هذا الفساد يتحرك بعقل
شخص واحد؟.
من يعرف طبيعة مؤسسات الدولة
العراقية يدرك أن القرار لا يمر عبر شخص واحد وأن العقود لا تولد من فراغ وأن
الأموال لا تنتقل وحدها وأن شبكات الفساد لا تنشأ في ليلة واحدة هناك تواقيع،
ولجان، ومدققون، ورقابة، ومسؤولون أعلى وأدنى، وسلسلة طويلة من الأشخاص الذين
يملكون صلاحيات تمنع أو تسمح، لهذا يبدو من الطبيعي أن يتساءل الشارع: هل التحقيق
وصل فعلا إلى أصل المشكلة أم أنه وصل إلى شخص واحد بينما ما زالت بقية الخيوط في
الظل؟.
لا أدافع عن عدنان الجميلي ولا
أطالب بتخفيف المسؤولية عنه من تثبت إدانته ويجب أن يحاسب بلا رحمة، لأن المال
المسروق ليس مال حكومة بل مال شعب حرم من الخدمات والوظائف والمستشفيات والمدارس،
لكن العدالة لا تكتمل عندما تقف عند اسم واحد.
العدالة تبدأ عندما نعرف من كان
معه، ومن وفّر له الغطاء ومن وقع ومن صمت ومن استفاد ومن أغلق عينيه عندما كانت
الأموال تخرج من أبواب الدولة.
ولهذا أجد نفسي غير مقتنعة بأن
مليارات بهذا الحجم يمكن أن تكون قصة شخص واحد فقط، إذا كانت التحقيقات تكشف كل
يوم عن أموال جديدة فهذا يعني أن حجم الملف أكبر مما كنا نتصور وإذا كان الملف
أكبر فمن المنطقي أن تكون دائرة المسؤولية أكبر أيضاً.
العراقيون تعبوا من مشهد يتكرر
منذ سنوات في كل أزمة يظهر اسم كبير وتنشغل وسائل الإعلام أياما أو أسابيع، ثم
يختفي الحديث تدريجيا، بينما تبقى الأسئلة معلقة ولا يعرف الناس أين انتهت القضية
ولا من أدين ولا من أفرج عنه ولا أين ذهبت بقية الملفات، لهذا السبب لم يعد
المواطن يكتفي بالبيانات الرسمية بل يريد أن يرى النهاية، يريد أن يرى جميع
المتورطين أمام القضاء لا أن يرى شخصاً واحداً يتحمل وزر منظومة كاملة، فإذا كان
عدنان الجميلي هو المسؤول الوحيد فهذه كارثة أما إذا كان واحدا من شبكة أوسع
فالكارثة ستكون أكبر إذا توقفت التحقيقات عنده.
الدولة لا تستعيد هيبتها بإعلان
ضبط الأموال فقط بل عندما يشعر الجميع أن المنصب لا يحمي صاحبه وأن النفوذ لا
يشتري البراءة وأن القانون لا يفرق بين مسؤول صغير وأخر كبير.
وأقولها بصراحة.. لن يقنع العراقيين
حجم الأموال المضبوطة إذا بقيت الرؤوس الأكبر بعيدة عن المساءلة، فالفساد الذي
استنزف العراق لعقود لا يمكن أن يكون له وجه واحد، ولا اسم واحد ولا توقيع واحد،
والتاريخ يعلمنا أن سقوط شخص واحد لا يعني دائماً سقوط المنظومة، ولهذا يبقى
السؤال مفتوحاً ليس تشكيكاً بالقضاء بل دفاعاً عن حق الناس في معرفة الحقيقة كاملة:
هل نحن أمام بداية تفكيك أكبر شبكة فساد شهدها العراق، أم أمام نهاية ملف سيغلق
عند أول اسم كبير؟.


