استقبلت النُخب الكوردستانية والعراقية، برعاية الرئيس مسعود البارزاني رفات 100 من شهداء الانفال، وهي واحدة من أفظع الجرائم التي ارتكبها النظام العراقي السابق والتي من المحال نسيانها، فجرائم القتل الجماعي لا تغتفر ولا تنسى ولا تسقط بالتقادم، إنما يندى لها جبين الإنسانية العالمية، فبكل بساطة وبرودة دمٍ دُفن 8 الاف مواطن بريء من البارزانيين.
ومع عدم التئام جرحهم، حطت رحلة إعادة رفات مئة آخرين من البارزانيين من صحارى جنوب العراق، لتستقبلهم منطقة بارزان مركز الروح القومية الكوردستانية الأصيلة التي لم تحِد عن مطلبها ونضالها وعنفوانها منذ قرنٍ كامل، فبات من الطبيعي جداً القول: صحيح أن التاريخ الكوردستاني مليء بالحركات التحررية ونضالات الأحزاب والثورات، منها ما انتهت واندثرت لعوامل كثيرة ذاتية وموضوعية، ومنها ما لاتزال موجودة، لكن المطلب القومي البحت المُجرد من الإيماءات والشعارات، بقيت ملازمة لنضالات البارزانيين دون سواهم، ولنا في الأحداث التي عصفت بالكورد خلال آخر عقدٍ خير دليل، وكأن بلسان حال البارزانيين ومناصريهم والشرفاء يقول أن المائة مرتبطة بالبارزانيين، مائة عامٍ من النضال والتضحيات والقرابين، مائة رفات جديدة من المؤنفلين، مائة عامٍ من دسائس الساسة العراقيين، مائة عامٍ من الثبات على الحق الكوردستاني.
شكلت إبادة البارزانيين النقطة الفصل للنظام العراقي الاسبق في حكم كوردستان وإخضاعه لسياسات التعريب والمحق والسحق. هكذا كان خيال البعث العراقي الذي أدرك أن لا حل للبعث مع كوردستان والكُورد دون موافقة البارزانيين. فاشتغل على محورين متلازمين: إرضائهم وعدّم قبول أي لجنة كوردستانية لا تحتوي على ممثل للبارزاني الخالد، ومن بعده نجله الزعيم مسعود البارزاني، وإتباع كل أشكال القمع والتنكيل والقتل العمد. ولا تزال الصور والانطباعات محفورة في ذاكرتي أثناء زيارتي إلى منطقة بارزان برفقة وفدٍ من أتحاد الطلبة والشباب الديمقراطي الكوردستاني - روج افا، في منتصف أيلول 2013، والحديث إلى المشرفين على المزار وقرى بارزان، حيث آلاف النساء الأرامل والأمهات الثكالى، لا يزلن فخورات بتضحيات أبنائهم وأزواجهن، صامدات أمام كل الشدائد بكل فخر وشموخ.
منذ عقودٍ خلت، حمل الكُورد في العراق شعاراً واضحاً: العمل لأجل الوفاء والعرفان لتضحيات الشهداء والمؤنفلين، وإن نجحوا إلى اشواطٍ بعيدة في خلق بنية تحتية وفلسفة عمرانية وحكومة بقاعدة ومشاركة سياسية عريضة، لكنهم لا يزالون يتعرضون للإنكار والتهميش، وبل إن العنف المصاحب لكل سياسات النظام البائد من تسخير كل مفاصل الدولة العراقية من إعلام وعسكرة وتربية وتعليم للقصاص من الكورد وحقوقهم، وحولت كل أشكال القتل والانتقام إلى أبرز وافضل أشكال "المواطنة والوطنية" التي تغنى بها البعث منذ استلامه للسلطة، والمؤسف أنه لا تزال تجد لها مرتعاً في نفوس النُخب الزبانية التي حولت العراق إلى مزرعة خاصة، وخلقوا كارتيلات للسلطة هدّفها القتل العام، لكن هذه المرة لكل العراقيين وليس للكورد فقط، لدرجة أن القتل ورفض الأخر أصبحت ثقافة شوفينية متجذرة في عمق العمل السياسي والأمني والعسكري لقطاعات عسكرية وأمنية منفلتة عن سلطة ومؤسسات الحكومة العراقية، فألغوا الدولة وخلقوا حكومة هشّة ضعيفة.
عشرات الالاف من البارزانيين المؤنفلين لم يرتبكوا أي ذنب سوى إنهم بارزانيين، وهل من جريمة ابشع من أن يُقتل المرءُ لهويّته أو لغته أو أصله أو مسقط رأسه، فكيف وأن المؤنفلين حملوا كل تلك الحقوق الطبيعية التي لم ترق للبعثيين ونظامه، وما حصل للكورد في العراق لا يقل جريمة وعنصرية عما حصل على يد البولبوتيين والفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
المشهد المهيب لاستقبال رفاة المؤنفلين يحمل الخيال الكوردي ليحلق بعيداً، ويتخيل العالم دون تلك اللحظات، ويستعيض عنها بما تنشده الإنسانية من عيش مشترك وسلم أهلي، لولا صور القتل واستمرار حصار الإقليم وقصفه من دول الجوار وشعور الغبطة الذي ينتاب قسم ليس بالقليل من ساسة العراق.
مشهد الرئيس بارزاني، الثمانيني الذي ينحني أمام رفات الأطفال والنساء، يشد الأجيال والنشء للتأمل في تواضع وسمو أخلاق البارزانيين، ولحظة التأمل والسير بين تلك الرفات يرسخ لدى المشاهد والمتابع، إصراره على قيادة السفينة الكوردية إلى بر الأمان بخطى ثابتة وإصرار على ثوابت ومنطلقات الكوردايتي، جامعاً في تكوينه النفسي والسياسي والثقافي محاور الحياة الريفية والحضرية، حاملاً بندقية الانتفاضة الجبلية وعقل السياسي المتزن. وقل ما يُمكن لشخص ما أن يجمع في سلوكياته تناقضات العيش في أكثر من كنفٍ، خاصة مع ما عاصره من توترات إيديولوجية حادة عصفت بكامل الشرق الأوسط، والتي هزّت أعتى العروش وأقوى الشخصيات الرئاسية على مختلف مشاربهم الفكرية وانتماءاتهم القومية والسياسية.
يقود البارزاني دفة الكورد صوب بر الأمان وسلخهم عن أي صراعات مذهبية على أمل أن لا تعاد تجارب الكيمياوي والأنفال مجدداً، بالرغم من أن بني قومه وعائلته وعشيرته، بل وتجربته الشخصية منذ الطفولة، قلما وجدت فسحة للاستراحة من صخب ورتم السياسة من جهة، ومن جهة ثانية من حياة التوتر والمنافي والسجون والانتفاضات المسلحة.
استقبال رفاة 100 بريئ دُفنوا في صحارى العراق، بعلم كوردستان وشماخ البارزانيين وقوات البيشمركة، وسط حضور لافت للنخب الرئاسية والسياسية العراقية العربية والتركمانية والمسيحية، حملت رسالة مزدوجة: أن هذا الثالوث حمى إقليم كوردستان، والثانية: أهلاً وسهلاً بكم في بيتكم دون دماء أو تكرار للماضي والقتل العمد.



