تعرضت اربيل المدينة الجميلة البهية من جديد الى هجمات صاروخية، هجمات تتكرر من حين لآخر، وكالعادة فانها لاتخلف ضحايا بشرية ولا مادية تذكر.
هجمات ليست لها أهداف على الأرض بقدر ما تحمل من رسالات سياسية وأمنية، ألا أن ما يميز هذا الهجوم هو حجم ونوعية الضربات التي كانت أكبر من سابقاتها وأكثر منها دقة وقوة، والاهم من كل ذلك والأكثر لفتا للانتباه هو إزالة القناع والجرأة على تبنيها بشكل رسمي من قبل إيران، وهذا تطور لم يسبق له مثيل ويجب أن يأخذ على محمل الجد ولا يتهاون به، خاصة في هذا التوقيت المشحون بنزاع وتوتر دولي لم يشهده العالم منذ الحرب العالمية الثانية.
قبل الشروع بالمقصود لابد ان نعلم بان هذه الهجمات ليست شأنا داخليا وحسب، بل هي ذو أبعاد داخلية ودولية، وتعطي أكثر من دلالة ويجب دراسة الموضوع من زوايا عدة. الأبعاد الداخلية تتعلق بالوضع العراقي، فهو الآخر يعيش في مأزق سياسي صعب، ومرت على الانتخابات البرلمانية عدة شهور ولم يتمكن من تشكيل الحكومة الجديدة وسط اصرار صدري على حكومة اغلبية وطنية ورفض قوى شيعية هذا التوجه، وجهود ايرانية كثيرة لثني الصدر على تشكيل حكومة الاغلبية؛ جهود باءت بالفشل، وهذا ما ازعج الايرانيين، وتم اتهام اربيل بتقسيم البيت الشيعي.
إيران لا ترضى ببيت شيعي مقسم، وهي تريد ضمان أكثر مشاركة شيعية في الحكومة، ولا تقبل أي تهميش لقوى شيعية أكثر ولاء لها؛ لذلك فهي تريد ايصال رسالة الى القوى الكوردية بأن هناك بعض الخطوط الحمراء لا يمكن انتهاكها، واي انتهاك سيكون له عواقب وخيمة، وهذا ما أكده الصدر فورا عقب الهجوم، حينما دعا في تغريدة له الكورد بالصبر الى ان تشكل حكومة الاغلبية، وهذه دلالة على أن هذه الهجمات ليس الا رسالة تهديد لثني اربيل من تقاربها مع الصدر لتشكيل الحكومة الأغلبية.
أما الأبعاد الدولية، فإن هذه الهجمات ليست بمنأى عن ما يحدث على الصعيد الدولي، فالعالم يشهد حرب ساخنة بين دولتين بوكالة عن معظم الدول، ويترقب وسط حالة من الذعر اصطدام محتمل بين أكبر قوى نووية عالمية مما ينذر باشتعال حرب كارثية، لا يسلم منها الكبير ولا الصغير ولا البعيد ولا القريب، إذا فالعراق الذي كان ولازال ميدان لتصفية الحسابات لن يكن بمأمن عن كل هذه الأحداث، وان ايران ترى من هذا الهجوم فرصة ومن ثم رسالة، فهي ترى من انشغال الولايات المتحدة والغرب بالصراع الروسي - الأوكراني فرصة لبسط نفوذها وزيادة تهديداتها في العراق، وتريد أن توصل رسالة مؤداها أن المصالح الامريكية ليست بعيدة ولا صعبة المنال.
ومن جانب آخر فإنه ليس من المستبعد ان تقوم ايران بفتح جبهات جديدة ضد الولايات المتحدة وحلفائها لكي تشتت تركيزهم على أوكرانيا، بل أكثر من ذلك تريد أن ترسل اشارات للغرب - وكالة عن روسيا وعن طريق خلط الأوراق وقلب المعادلات - بأن حلفائهم ومصالحهم لن يكونوا بمأمن إذا ما استمرت في دعمها لاوكرانيا او ارادت أن تخطو خطوات أكبر تجاه أوكرانيا.
ولا اتصور ان تكون هذه آخر الهجمات؛ بل الرسالة واضحة - حتى القناع لم يعد ضروريا - وهذه سمات العالم الجديد بعد احداث اوكرانيا، فالقانون في وقت الأزمات يصبح في وضع يرثى له، ولم يعد النظام العالمي ولا القانون الدولي في المستوى المطلوب، ولا يملكون القوة الكافية لاستيعاب هذه المشاكل.



