في الأخير، دُق ناقوس خطر عودة داعش! وفي الأخير، اضطرت واشنطن وباريس لتهيئة جنودهما وتحريكهم على أرض كوردستان سوريا والدخول من جديد في الحرب ضد داعش، الكابوس الذي يزعم الأميركيون والأوروبيون، منذ 2017، أنه انتهى وذهب إلى الجحيم للأبد. في أفضل الأحوال، وحتى إن كان داعش في الجحيم، وهو ليس كذلك بل كان موجوداً هنا معنا، فإنه غادر الجحيم وجسده محترق وبدأ يهاجم في كل الاتجاهات.
في (7 كانون الأول 2017) وفي قصر الإليزيه بباريس، قال حيدر العبادي: لقد انتهى داعش إلى الأبد. في نفس اليوم، قلت عبر قناة فرانس 24، إن هذا ليس سوى قصة سياسي يبحث عن الفوز بمنصب رئيس الوزراء مرة أخرى. لنتخذ من العام 2021 وحده مثلاً، ونختبر حكاية إيداع داعش في قعر الجحيم عبر مواجهتها بالبيانات.
حسب معلومات المركز الفرنسي للبحوث حول العراق، نفذ داعش على مدى السنة الماضية 73 هجوماً في العراق. قُتل خلال هذه الهجمات 276 شخصاً، بينهم 231 عراقياً و45 فقط من عناصر داعش. كما أصيب 243 وتم خطف 318 آخرين. عندما ندرس توزيع الهجمات على أشهر السنة، نجد أن كانون الثاني شهد ثماني هجمات، وشهد كانون الأول 11 هجوماً، ما يعني تصاعداً في عدد الهجمات مع مرور الأيام. كما لا يخلو شهر من الأول حتى الثاني عشر من عدد من الهجمات نفذها داعش.
بدءاً من 20 من الشهر الحالي، وبعد شن داعش هجوماً فريداً من نوعه على سجن غويران في الحسكة وهروب مئات من الكوادر العليا لداعش منه، ومقتل وجرح المئات من الأشخاص ونزوح قرابة 45 ألف مواطن من الحسكة، ثم تدخل القوات الأميركية والفرنسية في معركة الحسكة، وبروز حالة توتر عامة في العراق مع خوف من عودة داعش إلى المدن الكبيرة، آن الأوان لنتساءل: من هو المسؤول الحقيقي عن صحوة داعش هذه وما هي أسباب عودة داعش وانبعاث داعش هذا؟ رغم أني لا أرى أنه مات قط.
1- الانسحاب الأميركي اللامسؤول
لا شك أن افتقار السياسة الأميركية في الشرق الأوسط إلى الثبات، وتغيراتها المتواصلة، بدءاً بانسحابها اللامسؤول في 2011، وعدم اكتراثها في 2018، وغياب مشروع مخطط له واقعي للشرق الأوسط منذ احتلالها العراق في 2003، من الأسباب المهمة التي تهيء الظروف الموضوعية لظهور وبقاء ونشاط التنظيمات الأصولية من قبيل داعش. أميركا موجودة هنا حالياً بدون أن تكون حاضرة! هذه السياسة تخلق مشاكل كبرى لاستقرار وأمن الشرق الأوسط بل لاستقرار وأمن الغرب أيضاً. كيف يمكن لواشنطن أن تنعم بأوضاع أمنية طبيعية بينما الشرق الأوسط يشتعل.
2- الاتحاد الأوروبي المهزوز
دول الاتحاد الأوروبي تعي تماماً أن أميركا تسلك طريقاً خاطئاً وأن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط تؤدي إلى نتائج كارثية، وأوروبا هي المنطقة المهمة الأولى عالمياً، التي ستواجه هذه النتائج مباشرة، لأن حدودها تتصل مباشرة بالشرق الأوسط. صحيح أن الاتحاد الأوروبي عامة، وفرنسا خاصة، تحاول انتهاج سياسة تختلف عن تلك الأميركية، وخير مثال على هذا هو قول الرئيس ماكرون في بغداد وفي أربيل: نحن نحترم أي قرار تتخذه أميركا، لكن فرنسا لن تسحب قواتها من العراق وكوردستان، ولن تكرر تجربة أفغانستان. المشكلة تكمن في أنه ليس للاتحاد الأوروبي جيش موحد والجيش الفرنسي لوحده لا يستطيع سد الفراغ الأميركي. لذا، فإن الاتحاد الأوروبي رغم إدراكه وشعوره بالمسؤولية، يبقى مهزوزاً في مواجهة داعش.
3- تركيا المتناقضات
منذ ظهور خلافة داعش وإلى الآن، تلعب تركيا الرئيس أردوغان دوراً متناقضاً ومتكاملاً وواضحاً وغامضاً في آن معاً. هذا يُعرف في الاصطلاح الاجتماعي السياسي، بالجمع بين المتناقضات. فتركيا على الصعيد الجيوسياسي حليفة للاتحاد الأوروبي، لكنها تفتح أبوابها في وجه كثير من التنظيمات الأصولية التي يمكن أن تكون تهديداً للاتحاد الأوروبي. هي حليفة لأميركا لكن يدها في يد روسيا أيضاً. حليفة لإقليم كوردستان لكنها أعلنت حرباً شعواء على الكيان الكوردي الذي تشكل في سوريا، في حين يراهن حلفاء تركيا (أميركا وأوروبا) على نفس تلك الإدارة الكوردية في الحرب ضد داعش. سياسة تركيا الرئيس أردوغان هذه تساعد وإن بصورة غير مباشرة على بقاء داعش حياً وإطالة عمره، لأن داعش في الأخير يمكن أن يستخدم كواحدة من أوراق الضغط.
4- إيران ما بعد "الجنرال"
صحيح أن لإيران تاريخاً طويلاً مع تقليد إدارة الدولة، ولعقلية الدولة سطوة تاريخية على نشاط وإنتاج السياسة في إيران، إلا أنه وبدون أي شك، كان لقتل الجنرال قاسم سليماني من قبل أميركا تأثير مباشر على طريقة الإدارة الإيرانية للشرق الأوسط. فقد كان الجنرال هو الفاعل السياسي الذي أنشأ تاريخاً يمتد أربعين سنة مع الكوادر العليا العراقية، كان يعرفهم واحداً فواحداً، وكما أخبرني سياسي عراقي كبير: حتى أنه كان يعرف عن ملابسنا الداخلية، والرغبات التي تدور في أذهاننا ولا نعبر عنها! خسارة الجنرال أرغمت إيران على مراجعة وإعادة بناء سياستها في الشرق الأوسط. صحيح أن الخطوط الرئيسة قد لا يطرأ عليها تغيير كبير، لكن من الصحيح أيضاً أنه يمكن أن تتغير أشياء كثيرة على الهامش. في ظل وضع كهذا، تشتت البيت الشيعي العراقي وبات مجمل العملية السياسية في العراق في مواجهة خطر كبير وهذا بلا شك تسهيل كبير ومهم لتكاثف داعش واستعادته لقواه.
5- دول الخليج تبحث عن مكانة
في خضم علاقات القوة المعقدة هذه، تبحث دول الخليج (الإمارات والسعودية وقطر) عن مكانة لها وتريد أن تضع بصمتها على طريقة إدارة ملفات الشرق الأوسط، بدءاً بأفغانستان قطر ووصولاً إلى يمن السعودية فعراق الإمارات. المعلومات التي استطعنا الحصول عليها، تقودنا باتجاه أن دول الخليج لم تعد تراهن على أميركا وحدها ولا ترسم سياساتها وستراتيجياتها على أساس المبادئ الأميركية وحدها. في ظل عقلية إدارة الدولة الجديدة هذه، تقوم هذه الدول بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، لكنها تبعث وفوداً رفيعة المستوى إلى طهران وتدعوها للمشاركة في الموائد الجديدة. تقيم أفضل العلاقات مع الكورد، وتبقي على تركيا كحليف ستراتيجي. تكوّن شبكة علاقات مع دمشق وبغداد، لكنها في نفس الوقت تكثّف من علاقاتها مع الفصائل التي لا دول لها. في ظل مثل هذه الستراتيجية وفي سبيل تغيير علاقات القوة، ليس لدول الخليج مشكلة حتى مع استخدام داعش كواحدة من الأوراق ووضعها في خدمة المكانة التي تبحث عنها.
الخاتمة
لو كنا نحن متأكدين من أن كل واحد من الفاعلين الذين أشرنا إليهم في أعلاه، له دور فاعل ومهم في تكوين وبقاء واستقواء وتمدد داعش، فإنني أرى أن علينا أن نكون متأكدين أكثر من أن الذي يجعل من داعش، وبدرجات عالية للغاية، كما رأيناه والذي نراه الآن ومن الممكن جداً أن يرافقنا في المستقبل، هو الكارثة التي ألمّت بالسنة في العراق وسوريا.
يوجد ضمن حدود هاتين الدولتين ملايين من السنة، فهم يشكلون غالبية السكان في سوريا وعلى الأقل عشرين بالمائة من سكان العراق، يعيشون على الهامش ويعانون الحرمان، بل واجهوا المذابح في بعض الأحيان.
بدون القاعدة الجماهيرية المؤلفة من سنة العراق وسوريا، لن يكون داعش غير جماعة إرهابية صغيرة، فبهذه القاعدة الجماهيرية المضطَهَدة يمتلك داعش كل فرص البقاء والاستقواء والتمدد.
الباحثون حقاً عن حلول، عليهم قبل كل شيء أن يبحثوا عن العوامل التي هيأت الظروف لنظام الاضطهاد والإقصاء الجماعيين لسنة العراق وسوريا. بدون هذا، سيكون إرسال داعش إلى قعر الجحيم ضرباً من المستحيل.
مدير المركز الفرنسي للبحوث حول العراق



