الانتخابات عبارة عن تحديث الثقل الشعبي للأحزاب السياسية عن طريق تقييم مدى التزام الأحزاب في الفترة الماضية بالوعود الانتخابية ومستوى تحقيق تطلعات الناخبين، بمعنى آخر هو اختبار للأحزاب عن طريق تقييم سجل أعمالهم من انجاز وفشل.
فبالرغم من أن هذه القاعدة غير مطلقة وغير شاملة خاصة في البلدان المقسمة طائفيا كالعراق، حيث يكون الثقل الانتخابي والأصوات مقسمة مسبقا - ولو نسبيا - على أسس قومية ومذهبية ودينية وليس على أسس البرامج الانتخابية، الا ان هذا لا يعني بالضرورة سلب قيمة الانتخابات أو التقليل من شأنها.
اما اقليم كوردستان فالوضع مختلف تماما عن باقي اجزاء العراق؛ فليست هناك مشاكل طائفية، بل هناك تعدد حزبي أي تنافس على أسس سياسية مع بعض التأثيرات القبلية والدينية، ولم يكن الإقليم بمنأى عن المشاكل والتغييرات، خاصة في الآونة الأخيرة حيث شهد تطورات كبيرة على الصعيد الداخلي لبعض أحزابه والتي من المنتظر أن يكون لها تأثيرات ملموسة على القاعدة الشعبية للأحزاب السياسية، وبالتالي إحداث تغييرات في النتائج الانتخابية وموازين القوة.
هناك عدة أحزاب سياسية على ساحة الإقليم أبرزها: الديمقراطي، والوطني، والتغيير، الحركات الاسلامية، والجيل الجديد.
(الحزب الديمقراطي الكوردستاني) بزعامة البارزاني يأتي في الصدارة ويعتبر من الأحزاب التي تتمتع بنوع من الثبات، بل الإحتفاظ بازدياد مستمر - وان كان معتدلا - في الأصوات؛ والاحزاب الاسلامية المتمثلة بالاتحاد الإسلامي، وجماعة العدل الكوردستانية - بعد أن كانت "الجماعة الاسلامية" - هما الآخران يتمتعان بنوع من الثبات النسبي في القاعدة الجماهيرية وان كان هناك تأرجح في الأصوات بينهم من حين لآخر.
ويبقى التذبذب الأكبر بين (الاتحاد الوطني الكوردستاني) و(حركة التغيير) المنشقة عن الأول منذ سنين، حيث كانت ضربة قاسية تلقاها الاتحاد. وحملت الحركة راية التغيير والإصلاح في بدايات نشأتها وجذبت أصوات معارضة سواء من الشارع أو من النخبة، وحصلت على اصوات اكثر من الاتحاد الوطني، واحتلت المرتبة الثانية على الإقليم بعد الحزب الديمقراطي، الا إن الإستمرار لن يكن من نصيبها، وبدأت تتلاشى شعبيتها تدريجيا ولاسيما بعد رحيل زعيمها، أما الآن فإنها تتجه نحو انخفاض حاد، خاصة بعد مشاركتها الحكومة وتغيير نهجها المعارض، وتخلت عن وجوه كانت معروفة بمعارضتها الشديدة لسياسات حكومة الإقليم، ولم تكتف بذلك، بل قررت خوض الانتخابات في قائمة مشتركة مع الاتحاد! أي العودة الى النقطة التي بدأت منها؛ والتي ربما ستكون لها عواقب وخيمة على مستقبل الحزب.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو مصير هذه الأصوات والى من ستذهب؟
ومن جانب آخر، فإن (الاتحاد الوطني) يواجه معضلة كبيرة ويمر بأصعب أوقاته في ظل صراع محتدم وعراك سياسي بين العائلتين الحاكمة للحزب، والتي أدت إلى استبعاد (عائلة شيخ جنكي)، الأمر الذي يمكن ان يؤدي الى انخفاض كبير في شعبية الحزب ما لم تحل المشكلة قبل الانتخابات، ولا اتصور ان تكون هناك أية حلول قبل الانتخابات؛ لأن ما حدث كان هو نفسه قرار الحل والنتيجة التي اريد بها؛ الا أنه مع ذلك لا أتصور أن يكون هناك أي تصعيد إضافي، بل سيتم إبقاء الوضع على ماعليه الى مابعد الانتخابات مع نوع من التهدئة للأمور لهضم استياء الشعبي داخل الحزب، وعدم نفورها من التصويت للحزب، او ربما التصويت لأحزاب اخرى؛ لأنه لا يخفى علينا ان اي تصعيد في هذه المسألة سيكون لها عواقب وخيمة على نتائج الانتخابات، وهذا ما يدركه الاتحاد جيدا ولا يغامر به.
اذن.. الى اين والى من ستذهب هذه الأصوات؟
للإجابة على السؤالين، نحن أمام فئتين مفترضتين من (الأصوات الساخطة): الأصوات الساخطة الاولى كانت لحركة التغيير والتي تتضمن أصوات معارضة بشدة لسياسة الحكومة، والفئة الثانية التي تعود إلى الصراع الحالي بين قادة الاتحاد والتي تتضمن الأصوات (الأكثر راديكالية) داخل الحزب - إن صح التعبير - خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع الديمقراطي.
الى من تذهب هذه الأصوات؟
أصوات (التغيير) كما أشرنا إليه آنفا هي بشكل عام تتضمن الأصوات المعارضة لسياسة الحكومة، فهي تلاشت بمرور الزمن، وماتبقى منها لاتملك الخيار غير التوجه صوب الأحزاب المعارضة الاخرى كـ (الإسلاميين) و(الجيل الجديد).
أما الأصوات المعارضة داخل الاتحاد نتيجة للنزاع القائم فهي أمام ثلاثة خيارات: أما إن تشارك في الانتخابات وتصوت لشخصيات قريبة منها داخل الحزب، كون النزاع حصل بعد تسمية المرشحين - وهذا أبعد الاحتمالات - وإما ان تقاطع الانتخابات، أو تصوت لأحزاب سياسية أخرى؛ والجيل الجديد والأطراف الإسلامية هي الأقرب حظا لنيل تلك الأصوات.
وفقا لما تقدم فإن الحزب الديمقراطي سيحتفظ بالصدارة؛ والاتحاد الوطني والتغيير سيكونان الأكثر تضررا من هذه الانتخابات، وإذا لم تحصل حركة التغيير على ثقل انتخابي ملموس فهذا ربما يؤدي بها الى الاندماج النهائي مع الاتحاد، أو اعادة النظر في سياساتها وحساباتها من جديد، ولم شمل أعضائها الساخطين، وهو أمر صعب المنال؛ أما الجيل الجديد فهو الأكثر استفادة من الوضع تليه الأحزاب الإسلامية.
وأخيرا، يمكننا القول أن الانتخابات ستحسم كثيرا ما عجزت المفاوضات، والقوة، والإعلام، والتصريحات السياسية عن حسمه، فهي كلمة الشارع وحكمه الأخير الذي طالما انتظره الجميع ليروا موقف الشارع والرأي العام حيال كل هذه الأحداث. وأن نتائج الانتخابات ستفرض على الأحزاب نوع السياسة والبرنامج المستقبلي، وسيكون لها أيضا تأثيرات كبيرة على مجرى هذه التطورات والتغييرات وإلى ما ستؤول اليه.



