تشهد المدن العراقية مظاهرات هائلة تطالب بإصلاحات جذرية وجوهرية، وتغييرات في العملية السياسية منها حكومة تكنوقراط بعيدة عن محاصصات الحزبية. لم تمر سنتين على آخر عملية انتخابية، وفي تطور لم يسبق له مثيل، اطاح الشارع العراقي بحكومة منتخبة واخرى مكلفة لم ترى النور، مما يوحي ولو نسبيا بتغير شاسع في الواقع السياسي للبلد، حيث لم تعد الكلمة الاولى للأحزاب التقليدية ولا القرار محصورا بمنطقة الخضراء، بل بالاحرى فرضت الشوارع كلمتها وأصبحت عنصرا مؤثرا في صنع القرار وتوجيه الاحداث.
والأكثر لفتا للانتباه هو عدم تجرأ اية شخصية سياسية مؤثرة في شأن العراقي ان ترشح نفسها لهذه الفترة خلافا لما هو سائد حيث كانت الشخصيات السياسية تتنافس وتتعارك لهذا المنصب، كل هذا نتيجة الضغوطات من الساحات الاعتصام والرسالة التي تحملها والمتمثلة برفض الوجوه القديمة والمطالبة بأشخاص لم يكونوا جزءا من العملية السياسية.
فبالرغم من كل هذا التطور, إلا أنه من غير السهل التنبؤ بنتائج ملموسة, وبناء الآمال, في حين يسود الواقع السياسي الغموض في ظل الفراغ السياسي والإنفلات الأمني, فليس من السهل تحديد من يمثل الشارع, ولا اختيار الشخص المناسب بشكل يرضي الجميع في ظل التعددية الحزبية الهائلة والتكتل الشديد داخل الأحزاب والقوى السياسية والائتلافات نفسها.
وفي نهاية المطاف ربما يحتم الاتفاق على شخصية لقيادة المرحلة الحالية، وعقدة رئیس الوزراء لیست الوحیدة وحسب بل حتی رئیس الجمهوریة الذي القى الدستور على عاتقه القيام بمقام رئيس مجلس الوزراء عند خلو المنصب لأي سبب كان، لم يسلم من النزاع و هناك من يحسب رئیس الجمهوریة الحالي على أمريكا ولا يرغب به كبديل دستوري للرئیس الوزراء.
و التدخلات الخارجية هي الاخرى أصبحت عبأ على العملية السياسية والمرحلة الراهنة فلا يمكن لأي حكومة أن ترى النور بدون موافقة ومباركة خارجية, ولذلك يجب أن يحظى الشخص المكلف على رضا الشارع, والمكونات السياسية, والدول التي لها كلمة في الشأن العراقي، فياترى هل ولد هذا الشخص من أمه ام لا؟؟؟.
الواقع يشير بوجود صعوبات تواجه فكرة حكومة التكنوقراط فالأحداث الأخيرة أظهرت ولو نسبياً انه لايمكن ان تقوم حكومة تكنوقراط في ظل تمسك الأحزاب السياسية بحصصهم داخل أية حكومة, والسبب يعود إلى أزمة الثقة بين الاطراف السياسية, وهناك شكوك من كون الوزراء تكنوقراط أم لا, ومن جانب آخر حتى لو انتخبت حكومة تكنوقراط فأنها ستكون تحت تأثيرات الأحزاب الكبيرة بسبب ضعف الوزراء كونهم لا ينتمون لأحزاب سياسية وعدم وجود من يدعمهم.
ومن جهة أخرى فإن واقع العملية السياسية في ظل التعددية القومية والدينية والطائفية, أثبت وجود غموض وصعوبة في تشكيل أية حكومة بدون محاصصة مما يعني أنه حتى حكومة التكنوقراط لابد أن تمثل جميع الأطياف القومية, الدينية, والطائفية, وهذا امر يتسم ببعض من الصعوبة والتعقيد, وهذا ما شهدناه في حكومة علاوي المستقيلة. ولاننسى ان هذه الحكومة ليست حكومة دائمة وإنما يقتصر دورها بإدارة المرحلة الحالية وإجراء انتخابات مبكرة بعد تعديل القانون الانتخابي, إذا فإن دورها يبقى محصورا وفاعليتها محدودة. ولكن رغم كل ذلك فإننا لا ننكر دور حكومة تكنوقراط تقوم على أسس موضوعية في إرساء نوع من الاستقرار في جميع النواحي واعادة بناء الثقة بين الفرد والحاكم.
ما بعد تشكيل حكومة الانتقالية
لو افترضنا اتفاق الجميع على شخصية سياسية, وتم تشكيل حكومة تكنوقراط, وقامت الحكومة بتغيير قانون الانتخابات وإجراء انتخابات تشريعية, فما الذي يتغير وماذا سيحصل؟ هل سيخرج العراق من أزمته ويلتحق برفاقه؟ هل ستحل مشاكل البلد السياسية, الامنية, الادارية, الاقتصادية...الخ؟ هل يتخلى المتظاهرون عن الساحات ويلمون خيامهم؟ و ماذا سيكون شكل الحكومة القادمة؟ ومن سيكون أصحابها؟ وما هي الأحزاب التي تشكلها؟
بلا شك, حتى لو تم تخطي هذه المرحلة, وتم إجراء انتخابات وتشكيل حكومة, فلن يصل البلد الى بر الأمان, لأن عملية السياسية أصبحت في دائرة مغلقة تدور في نفس الاتجاه وبنفس الخطى ونفس الوجوه ونفس العقلية, فلا نتصور أن تأتي أحزاب جديدة وجوههم كالبدر, تحمل عصا سحرية تغير الظروف في ليلة وضحاها, وتكون وطنية لا تتلقى أوامر من الخارج, همها الوحيد خدمة الشعب وحماية الوطن! اذا فما جدوى تشكيل حكومة الجديدة و ما جدوى اجراء الانتخابات مبكرة؟
بلا شك فلا جدوى من كل هذه الخطوات بدون تغيير جذري في منظومة السياسية والقانونية, وهجر الأساليب التقليدية في إدارة البلد, وعليه يجب على أصحاب الثقل السياسي في البلد ولا ضير ان تشاركهم دول اخرى ان يفكروا بجدية في حلول اخرى, غير تقليدية, و جذرية تنقذ ماتبقى من البلد وتعطي آمالا للمواطن الذي قاسى أشد أنواع المشاكل في أبسط متطلبات الحياة, وهذا لن يحدث بدون ارادة جدية وصادقة تسعى الى التغيير والإصلاح. وهذا ليس فقط لأجل المواطن وحسب بل لأجل مكانتهم وثقلهم السياسي الذي أصبح على المحك كما يظهر جليا في ساحات الاعتصام.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية



