كاك يورغن...
كنا بناء على رغبته نناديه بهذا الاسم، كان كاك يورغن صديقاً طيب القلب كبيراً. درس التاريخ والعلوم السياسية خلال الفترة 1961-1966 في جامعة هايدلبيرغ بألمانيا. عمل في الصحافة الإذاعية والتلفزيونية حتى تقاعده. كان من الذين يريدون استكشاف ما هو موجود خارج إطار ثقافتهم ولغتهم وفكرهم، والاطلاع عليه واختباره.
كان كاك يورغن من أطفال أيام الحرب، الحرب العالمية الثانية. أمضى طفولته في أيام ملأى بالكوارث والفواجع والمظالم. كان يقول عن طفولته: "كنا ننتقل من مكان إلى آخر باستمرار، لنختبئ، وكان أسوأ الأمور أن نصل إلى المحطات الأكثر إيلاماً عندما كان يعجز الوالدان عن إشباع بطوننا. لذا كنا مضطرين للعمل خدماً في الحقول وبيوت المزارعين لقاء الحصول على اللقمة فقط".
كان يقول عن تلك الأيام: "كانت أسوأ أيامنا. تشغيل الأطفال جريمة"، ولكنه أمضى طفولته في الأيام التي كانت تلك الجريمة ترتكب فيها بكثرة.
بعد أن انتهت الحرب، استطاع يورغن هوبة، بدعم ومساعدة من أحد أعمامه بدء الدراسة في مدينة أوسنابروغ. ثم أكمل دراسته الثانوية في مدينة مانهايم، ودراسته الجامعية في مدينة هايدلبيرغ. بعد أن أكمل الدراسة، بدأ العمل في جريدة (مانهايمر مورغن) ثم عمل طوال عشرين عاماً في مؤسسة (إس دي إر) الإعلامية في جنوب ألمانيا.
التعرف على الكورد وقضيتهم..
في العام 1985 وعند تأسيس مشروع إعلامي جديد، انتقل يورغن هوبة إلى مدينة دورتموند. حيث تولى هناك المسؤولية عن مشروع إنشاء إذاعة دورتموند الدولية. كان يورغن يقول إنهم بعد البحث تبين لهم أن هناك الكثير من اللاجئين والأجانب يعيشون في ذلك الإقليم الألماني، وهؤلاء بحاجة إلى تلقي المعلومات بلغتهم ليكونوا مطلعين على مجريات الأحداث، سواء في مجال السياسة أو في مختلف مجالات الحياة. هناك قرر هوبة وزملاؤه أن يقدم مشروعهم خدماته الإعلامية بثماني لغات.
في حوار لنا مع كاك يورغن، بداره في 2012، تحدث لنا عن تلك الأيام وتعرفه على الكورد واستيائه من العنصرية التركية التي تستهدف الكورد.
قال كاك يورغن: "من خلال اجتماعاتي ولقاءاتي تبين لي أن قسماً كبيراً وهاماً من سكان تركيا كورد، يتحدثون الكوردية ويفكرون بالكوردية".
يروي يورغن هوبة القصة مع ابتسامة حلوة ترتسم على شفتيه: "في واحد من الاجتماعات وبعد عرض مقدمة عن الكورد وكوردستان، قلت بنية صافية وببساطة: هذا يعني أنه يجب أن يكون لدينا برنامج باللغة الكوردية أيضاً. ما أن أطلقت هذا المقترح حتى بدأت ضجة وارتفعت الأصوات. كان الأتراك المشاركون في الاجتماع صحفيين ومثقفين، لكنهم انبروا لي وهاجموني وقالوا: هذا يعني أنك تريد معاداة تركيا، تريد أن تجزئ بلدنا وتقدم برنامجاً بلغة (لا وجود لها)".
في ذلك اليوم، ولما عاد هوبة إلى بيته، وجد البيت محاصراً بقوات الشرطة، فسألته زوجته: ماذا حصل؟ ما الذي اقترفته؟ هاتف الدار يرن باستمرار ويهينوننا من خلال الاتصالات الهاتفية ويهددوننا بالقتل!".
يواصل يورغن الحديث، ليقول: "بعد ذلك الحادث، زادت معرفتي بالمعضلة القاتلة التي تواجه الكورد والقدر الأسود الذي تورطوا فيه".
يتحدث كاك يورغن من خلال مقابلة تلفزيونية عن هذا الحادث بالتفصيل، كما يتحدث عن قيام قوات الأمن في مدينة دورتموند من إفشال هجوم للمتعصبين الأتراك عليه وعلى عائلته. لكنه رغم تلك الهجمات والتهديدات، لم يكف عن محاولاته إلى أن تأسس القسم الكوردي في إذاعة (في دي إر) في العام 1987 والذي مازال يبث حتى اليوم.
بعد ذلك، أصبح يورغن هوبة معروفاً عند الكورد وعند الأتراك، لكن بصورتين مختلفتين تماماً. كان المتشددون العنصريون المتطرفون يعدونه مثيراً للفتنة عدواً، بينما كان الكورد وعشاق الحرية يعدونه صوتاً ولحناً جميلاً بين الشرق والغرب، عرفوه كصوت مسموع ينادي فقط إلى المحبة والتفاهم والتعايش بين البشر والثقافات.
زار يورغن هوبة إقليم كوردستان للمرة الأولى في العام 1996، وتواصلت زياراته لتصل إلى ست عشرة زيارة. كانت له مشاركة وحضور في لقاءات القيادات الكوردية وصولاً إلى المشاركة في افتتاح برلمان كوردستان (الموحد) في العام 2002. نقل بحيادية وبروحية المدافع الشجاع عن حقوق المضطهدين صوت وأحوال الكورد إلى الشعب والمراكز الألمانية الهامة.
عزيزنا يورغن، لقد آلمنا فراقك، أيها الغالي العطوف.
عزيزنا يورغن، كم هو سعيد من عاش شجاعاً طاهراً مثلك، وحزن كل هؤلاء الأصدقاء من ألمانيا إلى كوردستان لرحيلك.
ستبقى حياً في قلوبنا وسنفتقدك، كاك يورغن.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



.jpg&w=3840&q=75)