يواجه العراق في الاونة الاخيرة موجة من المظاهرات والاحتجاجات تحمل عدة مطالب وتطالب باصلاحات جذرية في النظام السياسي العراقي, ورافقت هذه الاحتجاجات نداءات سواءا من الشارع او من بعض السياسيين انفسهم تطالب بتعديل الدستور العراقي, وحل الحكومة العراقية الحالية, وإجراء انتخابات مبكرة مع تغيير قانون الانتخابات.
بلا شك فإن هذه المظاهرات بغض النظر عن كل الانتقادات والاتهامات التي توجه اليها, انها نتاج تراكم الفساد والسوء المعيشي والنقص في أبسط متطلبات الحياة التي عجزت الحكومات العراقية المتتالية بعد 2003 من إيجاد حلول لها, الا أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل تكمن المشكلة في حل الحكومة الحالية وتغيير الدستور؟
لو فرضنا حل الحكومة الحالية وإجراء انتخابات مبكرة, ما الذي يمكن تغييره في حين ان الاحزاب والائتلافات التي تشارك فيها هي نفس الأحزاب ونفس الوجوه, إذا ما الذي يمكن أن يتغير؟ في الحقيقة اني ارى ان اعادة الانتخابات هي عبارة عن رمي العراق الى الوراء بسنين, بحيث نكون أمام فراغ سلطة تأخذ شهورا وربما أكثر حتى يتمكن الساسة من الاتفاق على قانون انتخابات, بعدها نحتاج إلى شهور أخرى حتى يتمكن الساسة من تحديد يوم للانتخابات, وبعدما يتم الاتفاق على تاريخ محدد سيكون على الاقل شهرين, ثم ياَتي يوم الانتخاب, ويذهب الشعب الى الصناديق ليختار نفس الوجوه, فبعد اتمام العملية كالعادة ستكون هناك اتهامات بتزوير العملية, بعدها ستحسم المحكمة الطعون وتفسد بعض الصناديق, وتحرق بعض الصناديق الاخرى "بحادث طبيعي" وبعد ان تحسم مسألة الانتخابات سيأتي شبحا الأكبر وهو تعيين المرشحين للرئاسات الثلاث وخاصة رئاسة الوزراء لتقوم نفس الأحزاب باختيار شخصا لهذا المنصب, اذا السؤال ما الذي تغير غير ضياع الوقت, وشلل المؤسسات الدستورية للدولة, والعطل في مرافق الخدمية؟؟؟
اما مساَلة تغيير الدستور فهي مساَلة طبيعية فليس هناك دستور للأبد, ولا يمكن لجيل الحاضر أن يقيد أجيال القادمة بنفس الدستور, الا ان هناك قيود ترد على مسالة تعديل الدستور, فهي قيود موضوعية وزمنية لابد ان يتم مراعاتها والا فان اي مساس بمواده خلافا للاجراءات المنصوص عليها تعد خرقا للدستور. فالقيود الموضوعية هي التي تمنع أي تعديل للدستور إلا بعد مرور الفترة الزمنية التي يحددها الدستور نفسه, وأما القيود الموضوعية فهي القيود التي تمنع تعديل بعض مواد الدستور ذات الاهمية ومن هذه المواد ما يتعلق بالحقوق والحريات الاساسية.
ولقد تظمن الدستور العراقي كلا القيدين الزمنية والموضوعية, حيث تنص الفقرة الثانية من المادة 126 على أنه "لا يجوز تعديل المبادئ الاساسية الواردة في الباب الاول والحقوق والحريات الواردة في الباب الثاني من الدستور، الا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين" وما عدا هذه المواضيع "لايجوز تعديلها إلا بعد موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة أيام". وفيما يتعلق بحقوق وامتيازات الأقاليم فقد نصت الفقرة الثالثة من نفس المادة على أنه "لايجوز اجراء اي تعديل على مواد الدستور من شأنه أن ينتقص من صلاحيات الاقاليم التي لاتكون داخلة ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية الا بموافقة السلطة التشريعية في الاقليم المعني وموافقة أغلبية سكانه باستفتاء عام".
الا ان الدستور اغفل الحقوق الأخرى للأقاليم من غير الاختصاصات حيث لم ينص على اية قيود تجاهها فعلى سبيل المثال المادة 140 التي تنص على بعض حقوق اقليم كردستان, اذا فما مصير هذه الحقوق وبالأخص ما ورد في المادة المذكورة, حيث أن دساتير الدول الفدرالية تضمن حق الاقاليم في اي تعديل لدساتيرها فعلى سبيل المثال تنص المادة الخامسة من الدستور الأمريكي على : "يقترح الكونغرس تعديلات على الدستور كلما رأى ثلثا كلا المجلسين ذلك ضروريا, أو يدعو بناءا على طلب المجالس التشريعية لثلثي الولايات إلى عقد مؤتمر لاقتراح تعديلات, وفي أي من الحالتين تكون التعديلات نافذة كجزء من الدستور عندما تبرمها المجالس التشريعية لثلاث ارباع الولايات والمؤتمرات في ثلاثة أرباع الولايات", وهذا ليس الا ضمانا لحقوق الاقاليم, الا ان السؤال الذي يطرح نفسه هنا اين كل هذه الضمانات في العراق حيث لا توجد فيه غير إقليم واحد وغياب تام لمجلس الأقاليم؟ وهل سيضمن القائمون على تعديل الدستور الحالي على الأقل الحقوق الموجودة في الدستور الحالي رغم عدم تطبيقها طوال كل هذه الفترة؟ ام سيصبح الإقليم الوحيد كبش فداء لتعديلات مزمعة؟ وهل ستؤثر المبادئ العامة في الدستور التي تنص على احترام حقوق جميع اطياف الشعب العراقي على أي تعديل للدستور؟ على اي حال الضمان الوحيد الذي يمكن أن يعطي أثره هو الفقرة الرابعة من المادة 142 للدستور التي تنص على أنه "يكون الاستفتاء على المواد المعدلة ناجحاً بموافقة أغلبية المصوتين، وإذا لم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات أو أكثر" مما يعني ان الاقليم يستطيع أن يستخدم هذه الورقة لرفض اي تعديل لا يرقى الى تطلعاته, الا انني لا ارى هذا الحل محبذا و من الاحرى ان يكون الحل توافقي بين جميع المكونات, حتى يتمتع الدستور بقوة اكبر.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



