تحاول المرجعية الشيعية الدينية جاهدةً في خطبتها الأخيرة، اللحاق بركب المتظاهرين بعد أن تجاوزوها بعيدًا وجعلوها وراء ظهورهم وهم في طريقهم لنيل حريتهم واسترجاعهم لوطنهم السليب. وبعد أن كانت هذه المرجعية في خطبها السابقة التي ألقاها نيابة عنها الصافي تارة، والكربلائي تارة أخرى، تحاول مسك العصا من الوسط وتساوي بين الضحية والجلاد وتنصح بضرورة وقف العنف المتبادل بين الأجهزة الحكومية وميليشياتها من جهة، وبين المتظاهرين على حد سواء، جاءت اليوم بخطاب مختلف اللهجة، يوحي للسامع بأنه شديد على النظام وأزلامه، ويعطي انطباعًا بأن المرجعية قد حسمت أمرها، بالوقوف مع المتظاهرين وحقهم في هدم هذه العملية السياسية الفاسدة واستبدالها بأخرى، تحفظ حق العراقيين بحياة حرة كريمة. لكن الحقيقة التي كانت ما بين سطور الخطبة غير ذلك، تؤكد فيها المرجعية بأنها لا زالت لم تتخلى عن هذا النظام ولا زالت تريد منه أن يغير شيئًا من سلوكه لكي يمتص الغضبة الجماهيرية الحالية ضدها، عسى أن ينجحوا بالاستمرار بالحكم على نفس نهجهم السابق.
لقد كانت المرجعية في خطبتها الأخيرة تريد أن تثبت للمتظاهرين بأنها معهم، في محاولة أخيرها منها للحفاظ على ما تبقى لها من تأثير على الشارع العراقي، بعد أن لفظها وتركها وراء ظهره، المرجعية بعد أن أنكشف دعمها لهذا النظام، تحاول أن تنفض الغبار الذي تراكم على كاهلها، وتريد من مقلديها دعم ذات الطبقة السياسية في مزاعم الإصلاح التي تتبناها، والسيستاني يعلم تمام العلم ما فعلت تلك الطبقة السياسية بحق الشعب العراقي، من تقسيم طائفي له، وإدخاله في حروب لا تنتهي، وسلَّطت عليه الفقر والجهل والمرض ودمرت اقتصاد البلاد، وجعلت أعزة أهله أذلة، ورهنت بلاده لدولة الجار السوء إيران.
تعتقد المرجعية إنها ستكون قادرة على إنقاذ ما تبقى من هذا النظام من السقوط، بتضحيات بسيطة كما يصورونها، لأنها تدرك أكثر من غيرها، إن سقوط هذا النظام الحتمي، سيجر خلفه سقوطًا لكل تلك المرجعيات في نظر الجماهير وقلوبهم، وتطوى صفحة الإسلام السياسي ذو النسخة الشيعية الموالية لإيران إلى غير رجعة، بعد أن فشلوا فشلا ذريعًا في إدارة البلاد، واختزال المواطنة بالولاء للمذهب والولاء للولي الفقيه الإيراني، رغم الإمكانيات الهائلة التي توفرت بين أيديهم.
لقد جاء الرد سريعًا من المتظاهرين ونخبهم المثقفة على ما جاء في خطبة المرجعية، ووجهوا كلامهم لها بأن الشعب الذي لم يخرج للتظاهر لرفض هذا النظام السياسي، بأمر من المرجعية، سوف لن يعود عن تظاهراته بأمر منها، والمرجعية التي تحاول الأن أن تكون جزء من الحل، هي في حقيقة أمرها جزء من المشكلة، بسبب دعمها لهذا النظام السياسي الفاسد والأحزاب العاملة فيه طيلة عمر هذا النظام منذ ستة عشر سنة.
واحدة من أهم الاعتراضات على ما جاء في تلك الخطبة، هو دعوتها لإقرار قانون انتخابي جديد يحقق العدالة في التنافس السياسي، وتشكيل مفوضية انتخابات نزيهة من غير القائمين عليها حاليًا، وهذا الكلام يصب تمامًا في خطط تلك الأحزاب وما اتقفت عليه مع عراب العملية السياسية الحالية المفوض السامي على العراق، الجنرال الإيراني قاسم سليماني، حينما اتفقوا على ذلك في طهران. ذلك لأن الفاسدين لا تكون مخرجاتهم إلا فاسدة، وأي قانون أو تبديل في وجوه في هذا النظام، ستكون الغاية الأساسية منه هو الحفاظ على البنية الأساسية له، والاستمرار في الطائفية التي ينتهجها، والبقاء على الولاء لإيران وتبعيته لها، إنما هي عملية تغير للثوب دون تغير للجوهر، وهذا مالا ترضاه الجماهير المنتفضة، ولم يخرجوا لهذا بالأصل.
السيستاني الذي يوحي بخطبته، بأنه نصير المتظاهرين والمحرومين من الشعب العراقي، هو بالأساس جزء أساسي من المشكلة، لقد كان هو من أفتى بنصرة هذا النظام وأحزابه، وأفتى بتأسيس مليشيات الحشد الشعبي التي عاثت بالأرض فسادًا، ودفع بالجماهير للتصويت للأحزاب الطائفية، وبنفس الوقت حينما انقلب إلى مصلح لحال الأمة، لم يفكر بإصدار ولو فتوى واحدة لإصلاح ما ارتكبه من خطايا بحق الشعب العراقي في فتاويه السابقة. ولم يجرء على الإفتاء بحل مليشيات الحشد الشعبي ذات الصيت السيئ، ولم يجرأ على الإفتاء بتجريم وتحريم قتل المتظاهرين، وتقديمهم القتلة لمحاكمات عادلة، ولم يجرء على تجريم وتحريم ما يحصل في تطهير طائفي لمناطق معينة من وطننا الحبيب، ولم يفتي بحرمة العمل بالدستور الحالي وضرورة استبداله بدستور مدني جديد. يا ترى، هل يجرأ على طرد من يلقي خطبه للناس ويتكلم باسمه من مكتبه؟ أحمد الصافي كان أحد أعضاء لجنة كتابة الدستور الذي أدخل العراق في السوء الذي هو فيه الان. وهل يستطيع أن يقوم بتجريد الصافي ما اكتسبه من المال العام من مصانع ومعامل كتطبيق أولي واثباتًا لمصداقيته بمحاربته للفساد؟
هذه أسئلة تدور في أذهان العراقيين والمتظاهرين، وعندما لا يجدون إجابة عنها من المرجعية، فمن حقهم أن يشككوا بمواقفها، ويتركونها وراء ظهورهم، العراقيون اليوم مُحصّنين من الخداع واساليب التخدير التي كانت تمارسها عليهم تلك المرجعية، فالشعب العراقي اليوم قد صحا من الغفلة التي كان فيها، وبدأت الحقائق واضحة أمامه. ولن تفرض عليه أية مرجعية دينية أو عشائرية أو سياسية، الرجوع على ما عزم عليه، من هدم لأركان هذا النظام بالكامل، وتأسيس نظام جديد على إنقاضه، لا يمت بصلة لطائفية تمزق مجتمعه، ولا فاسدين يهدرون ثرواته، نظامًا يضمن العدالة الاجتماعية للجميع، ويحقق الاستقلالية للوطن من التبعية لدول الجوار.
ونقول اخيرًا، لقد تجاوزتك الجماهير وبضاعتك أصبحت كاسدة، لا تجد أحدًا يتبضع منها، والمستقبل كل المستقبل لهؤلاء الشباب العراقيين، الذين يريدون بناء وطنهم من جديد، دون أن يكون لكم فيه تأثيركم المدمر.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.


.jpg&w=3840&q=75)
