بين القلق الأممي المزمن وغيبوبة الجامعة العربية، نحن نعلم جيداً أن مبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين هو أحد ركائز سياسة مصر الخارجية، ونحن نحترم ذلك ونقدره كثيراً، وانطلاقاً من هذا المبدأ أقول إننا لا نطلب عوناً من أحد، بل نطالب بموقف إنساني من عملية الإبادة الجماعية الممنهجة التي يتعرض لها الشعب العراقي منذ 2003، والتي أصبحت أكثر دموية وبشكل علني تتناقلها الفضائيات خلال انتفاضة تشرين 2019 المستمرة.
نحن لا نطلب منك ما هو ليس بمستطاع عندك يا فخامة الرئيس السيسي. لقد رفعت شعاراً وطنياً "تحيا مصر" وكنت وفياً مخلصاً له حين حققت إنجازات عظيمة على طريق الإصلاح والبناء في مصر، ورفعت شعاراً قومياً "مسافة السكة" لنجدة ونصرة الشعوب العربية، عذراً سيدي فخامة الرئيس هل كان مجرد كلام؟.
لا نطلب منك سوى الوفاء بوعدك للشعوب العربية (مسافة السكة) ليس من خلال العون أو التدخل، ولكن من خلال الدعوة إلى قمة عربية طارئة لإدانة العدوان الغاشم والمجرم الذي يتعرض له الشعب العراقي من قتل للمتظاهرين السلميين، فلربما ((تتمخض)) هذه القمة "إن تمت" عن طلب اجتماع عاجل للجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن لأجل إدانة هذا العدوان على الشعب العراقي الأعزل، واتخاذ السبل الكفيلة لوقفه والحد من انتهاكات حقوق الإنسان الوحشية في العراق.
من المؤكد أن مثل هذه القمة الطارئة لن تعقد، لسبب بسيط وهو استحالة الإجماع العربي بسبب غياب الموقف العربي الموحد منذ أمد طويل " فكل يبكي على ليلاه ويغرد بعيداً منفرداً عن السرب.
إن مجرد الدعوة هي موقف بحد ذاته، وهو يعني استنكار وشجب العدوان على المتظاهرين العزل، وهو موقف إنساني سيعزز من عزيمة الثوار وإصرارهم، ويبين لهم أن مصر شعباً وقيادةً متضامنون معهم، وهو موقف لن ينساه الثوار ولا العراقيون مستقبلاً.
هل هذا مطلب كبير وصعب تحقيقة من قبل أكبر دولة عربية تمتلك ثقلاً إقليمياً؟، يتذكر جيداً الرئيس السيسي أن مثل هذه التظاهرات السلمية التي خرج فيها الشعب المصري العظيم في ثورة 20 يونيو هي التي أوصلته إلى سدة الحكم في مصر، حين تعانقت إرادة الشعب مع موقف الجيش الوطني بمباركة إلهية. من خلال موقفكم الشجاع في التصدي لحكم الإخوان الذين حاولوا حكم مصر باسم الدين.
هل نسيت يا فخامة الرئيس أننا كنا من أقرب الشعوب إليكم خلال عقود مضت قبل غزو العراق في 2003؟، حين كانت ملايين الأسر المصرية تعيش على تحويلات أبنائها الذين كانوا يعملون في العراق طيلة تلكم العقود. لقد كان العراق مقصداً وسوق عمل كبير ومفتوح على مصراعيه للملايين من إخواننا المصريين، والذين عاشوا بيننا منعمين مكرمين وكأنهم في بلدهم الأم.
عذراً فخامة الرئيس السيسي، نحن لا نمن عليكم ولا نعيركم "حاشا وكلا" بسابق فضلنا، فالفضل هو لله وحده سبحانه. لقد كان وما زال المصريون إخواننا في العروبة والدين. لقد تمتع المصريون العاملون في العراق في زمن صدام حسين وحكم البعث بحقوق وامتيازات أكثر مما كان يتمتع به المواطن العراقي، ولك أن تسأل أي مصري كان يعمل في العراق عن ذلك في ذاك الزمان.
نحن نعلم أيضاً يا فخامة الرئيس أن مثل هذا الموقف الذي نطالبكم به وعلى رغم تفاهته وبساطته ربما سيسبب لكم من الحرج الكثير، فنحن نعلم أن لديكم مصالح اقتصادية وعقود واستثمارات مع النظام في العراق، ونعلم أن لديكم بضعة آلاف من الكوادر الفنية العاملة في قطاعي النفط والغاز في العراق، وأنت تعلم أن هذا التعاون الاقتصادي في مجمله لم يكن ليتم من دون موافقة النظام في إيران، وذلك من خلال التبعية السياسية للقرار في العراق، وأنت تفهم ذلك جيداً وتدركه بلا لبس لأنه ليس بحاجة إلى تفسير.
ولكن، فلتعلم سيادة الرئيس السيسي أنك تراهن على الطرف الخاسر في المعادلة، وأن الرهان على إرادة الشعب هي أفضل بكثير لمستقبل العلاقة بيننا من المصالح القريبة الآنية والزائلة بإذن الله وعزيمة الثوار الأبطال المتحدين لرصاص الغدر بصدورهم العارية، وأنت خير من يعلم إرادة الشعب حين يريد.
نحن كلنا أمل أن لا يكون شعاركم القومي العروبي "مسافة السكة" مجرد كلام، بل نتمنى أن تترجمه إلى قول وفعل من خلال موقف صريح وواضح يستنكر ويشجب ما يحدث للشعب العربي. إخوانكم في العراق، عسى أن يسمع العالم وكل من به صمم كالجمعية العامة للأمم المتحدة وأمينها القلق دوماً، ومجلس الأمن وجميع المنظمات الدولية والإنسانية، ومن قبلهم جميعاً منظمة العرب الجامعة الكسيحة والتي تعيش في غيبوبة منذ زمن طويل.
نحن نتمنى والكثير من التمنيات تبقى مجرد أمنيات، فهل ستصير تمنياتنا عليكم كشعار "مسافة السكة" مجرد كلام، ومجرد تمنيات، يا فخامة الرئيس.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



