تسلمت حكومة علي فالح الزيدي مهامها في ظل ظروف اقتصادية صعبة، حيث يواجه العراق أزمة مالية خانقة نتيجة تأخر إقرار الموازنة العامة وتراجع الإيرادات النفطية، إذ أن هذه الحكومة وضعت الإصلاح الاقتصادي في صدارة أولوياتها، وأعلنت منذ البداية أن هدفها هو بناء اقتصاد متنوع ومستدام يخفف من الاعتماد المفرط على النفط، ويعزز دور القطاع الخاص في التنمية.
من أبرز ما ركزت عليه حكومة الزيدي هو مكافحة الفساد، إذ اعتبرت أن الفساد الإداري والمالي يمثل العائق الأكبر أمام أي إصلاح اقتصادي حقيقي، لذلك تعهدت بحماية المال العام وتفعيل الرقابة على المؤسسات الحكومية، إلى جانب إطلاق برامج إصلاحية تستهدف إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، كما أولت اهتماماً خاصاً بالشباب، معلنة أن توفير فرص العمل لهم عبر مشاريع إنتاجية وتنموية سيكون من أولوياتها، وذلك لتقليص نسب البطالة المرتفعة التي تشكل تهديداً للاستقرار الاجتماعي والسياسي.
في الوقت نفسه، واجهت الحكومة تحديات كبيرة، أبرزها أزمة الموازنة التي أدت إلى تعطيل مشاريع حيوية وتجميد التعيينات، ما أثار موجة احتجاجات واسعة في بغداد ومدن أخرى، بالإضافة الى توقف تصدير النفط في بعض الفترات فرض واقعاً مالياً صعباً على الدولة، وأدى إلى تأخر دفع مستحقات الفلاحين والعمال، وهو ما انعكس في احتجاجات تطالب بصرف القروض الزراعية والمستحقات المالية المتأخرة.
لمواجهة هذه التحديات، أعلنت حكومة الزيدي عن خطوات عملية، منها التواصل مع صندوق النقد الدولي للحصول على دعم مالي يساعد في تجاوز الأزمة، والعمل على إصلاح التعليم والصحة عبر تطوير المناهج وتأهيل المدارس والجامعات وتحسين الخدمات الطبية كما سعت إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية والإقليمية والدولية، على أساس المصالح المشتركة، بهدف جذب الاستثمارات وتوسيع قاعدة التعاون الاقتصادي.
من الناحية السياسية، يمكن القول إن حكومة الزيدي تمتلك رؤية واضحة للإصلاح، فهي تركز على مكافحة الفساد، وإشراك القطاع الخاص، وتحسين البنى التحتية والخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والطرق والإسكان، ولكن في المقابل، تواجه نقاط ضعف لا يمكن تجاهلها، مثل الاعتماد الكبير على النفط، وتأخر إقرار الموازنة، والضغط الشعبي المتزايد، إضافة إلى الحاجة الملحة لتمويل خارجي.
أن الفرص المتاحة أمام الحكومة تتمثل في إمكانية تنويع الاقتصاد عبر الاستثمار في الزراعة والسياحة والصناعة، واستغلال الطاقات الوطنية بشكل أفضل، فيما أن المخاطر تتمثل في استمرار الاحتجاجات إذا لم تتحقق الوعود سريعاً، فضلاً عن التحديات الإقليمية التي قد تؤثر على الاستقرار الاقتصادي.
تُظهر تجربة حكومة الزيدي أن الإصلاح الاقتصادي في العراق لا يمكن النظر إليه بمعزل عن السياق السياسي والاجتماعي فالموازنة العامة ليست مجرد أداة مالية، بل هي انعكاس للتوازن بين القوى السياسية والاقتصادية، وأي تأخير في إقرارها يعكس هشاشة البنية المؤسسية. من منظور أكاديمي، يمكن القول إن الحكومة تواجه معضلة "الدولة الريعية"، حيث يعتمد الاقتصاد بشكل شبه كامل على النفط، ما يجعل الإيرادات عرضة للتقلبات العالمية ويضعف قدرة الدولة على التخطيط طويل الأمد.
إضافة إلى ذلك، فإن التركيز على مكافحة الفساد يمثل محاولة لتجاوز ما يسميه علماء السياسة "العقد الاجتماعي المأزوم"، إذ أن فقدان الثقة بين المواطن والدولة يعرقل أي مشروع إصلاحي. لذلك، فإن نجاح الحكومة في هذا المجال لا يرتبط فقط بسن القوانين، بل بقدرتها على بناء مؤسسات قوية وشفافة، وهو ما يتطلب وقتاً وإرادة سياسية مستمرة.
من زاوية العلاقات الدولية، فإن حكومة الزيدي تسعى إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع الدول العربية والإقليمية يمكن تفسيره في إطار نظرية "الاعتماد المتبادل"، حيث يصبح الانفتاح الاقتصادي وسيلة لتقليل المخاطر وتعزيز الاستقرار، غير أن هذا الانفتاح يحتاج إلى رؤية استراتيجية واضحة، توازن بين المصالح الوطنية والالتزامات الخارجية.
يمكن القول إن حكومة الزيدي تقف أمام اختبار مزدوج، داخلي يتمثل في بناء مؤسسات قوية قادرة على إدارة الموارد بكفاءة، وخارجي يتمثل في التعامل مع تقلبات السوق العالمية والضغوط الإقليمية، ومن منظور أكاديمي، فأن نجاح هذه الحكومة يعتمد على قدرتها على الانتقال من نموذج الدولة الريعية إلى نموذج الدولة التنموية، وهو تحول يتطلب إصلاحات هيكلية عميقة، واستثماراً طويل الأمد في الإنسان والبنية التحتية والمؤسسات.
في المحصلة، حكومة الزيدي أمام اختبار صعب بين الوعود الإصلاحية الطموحة والواقع الاقتصادي المثقل بالأزمات فنجاحها يعتمد على سرعة إقرار الموازنة، مكافحة الفساد بجدية، وتوفير فرص عمل ملموسة للشباب، فإذا تمكنت من ترجمة سياساتها إلى نتائج عملية، فإنها ستكسب ثقة الشارع وتحقق نقلة نوعية في الاقتصاد العراقي، وأما إذا بقيت الوعود حبراً على ورق، فإنها ستواجه ضغطاً شعبياً وسياسياً قد يهدد استقرارها ويضع مستقبلها على المحك.


