تفصح كل الوقائع التي حلت بنا منذ بداية هذا القرن أننا في أزمة وعي مزدوجة، فنحن لا نعرف سبب هذا الارتكاس المرير الذي نتقلب في أتونه!
وللأسف نعالج الارتكاس بانتكاس أكبر فنجعل من المشكلة مشاكل ومن الجهل جهالات.
لقد شاع في حياتنا عجز وفقدان العزم وتوجس وقطع أي صلات تاريخية ورحمانية وإنسانية ومصالحية بين أكبر قوميتين تقريباً في الشرق الأوسط العرب والكورد.
كما تم تحويل الدين إلى مشجب عند العلماني لتعليق كل الرهق الذي تعيشه بلادنا، ولتبرير التسلط العلماني على هوية المجتمع ودياناته، وقومياته، بينما ينظر المتدين الدرويش إلى الإسلام وكأنه أسطورة تسقط على الناس من السماء حرية وكرامة وأمناً ورفاهية بمجرد عبادات قاصرة فسرت على أضيق الوجوه.
وتطورت القومية لتتحول إلى ديانة بفعل التجهيل السياسي، وليتم من ثم مصادمة القومية بالدين، وحرق كل المجتمع بقومياته ودياناته، بعد توحيش المضامين.
الديانة صارت طائفة والقومية باتت ديناً وكل حزب بما لديهم فرحون.
كثيراً ما أردد في محاضراتي وندواتي السياسة العالمية انتقلت من جنون البقر إلى تجنين البشر.
مهمة صعبة...
تكمن قيمتها في شخوصها وعبرها أكثر من أحداثها وصورها.
رواية بطلها فريق إعلامي مزيج من عرب وكورد، صفت نواياهم وعلت همتهم وهم يبحثون عن الحقيقة في عالم يعشق الكذب والختل.
الجغرافيا: كردستان العراق والعراق.
الهدف: البحث عن الحقيقة.
أبطال الرواية: الزاويتي، خنفر.
ولكن:
- ما هو الجديد في هذا الكتاب؟
- لماذا الرجوع إلى ذلك الزمن؟
لا أبالغ إذا قلت: إن بعض ما جاء بين دفتي هذا الكتاب أبكاني، فالمآسي تتكرر والعلة واحدة وجذر البلاء واحد، فلو تجاوزنا فكرة الرصد الواقعي والسرد الشفاف لأحداث حصلت وباتت من التاريخ وهي أحداث جسام حيث يراق الدم ويهدر بلا أي ثمن، لو تجاوزنا ذلك كله لما كان بمقدورنا أن نتخطى روح الزاويتي الصافية، والذي كان يتحدث بوضوح: إن العراق بعربه وكورده ضحايا لقاتل واحد: الاستبداد.
حيث دمر الطغيان السياسي النفس والنفيس، ومزق أي لحمة ولغة توافقية بين الشرائح المجتمعية، بل أطر الوعي على التسيب واللامسؤولية ولذلك لا ينبغي لوم العراق في مآلاته الراهنة حيث كل البلاد خضعت لعصا السلطة وليس لقوانين تحكم.
إنه لو عاش المجتمع أي مجتمع بأخلاق وثورة، ولم يتم بلورة ذلك في قوانين، لانقلب المجتمع على أخلاقه وثورته، ويكفي أن أسوق تفسير الفيلسوف الألماني العظيم "هيجل" لتحول الثورة الفرنسية إلي إرهاب فهو يرى أن سبب هذا أنها رفعت شعارات أخلاقية جميلة ونبيلة عن العدالة والمساواة والحرية والإخاء...إلخ، لكنها ظلت مفاهيم أخلاقية ذاتية، لم تتحول إلى قوانين تحكم وتطبق، فكانت النتيجة الإرهاب لأن المفاهيم الأخلاقية ظلت في دائرة المجردات مجرد شعارات مرفوعة بلا مضمون! وفي حالة الثورات تجدهم يكثرون من المفاهيم الأخلاقية فتراهم يتحدثون عن "الثقة" و"الطهارة" و"النقاء الثوري" و"العيب"...إلخ، وتتحول هذه المفاهيم بسرعة وببساطة إلى أضدادها ما لم تتحول إلى قوانين! ولكن المبدأ الذي نسير عليه وهو ما فعله المفكر والاقتصادي الفرنسي "فرانسوا كيناي" عندما سئل: ماذا تفعل لو كنت ملكاً؟
- لا أفعل شيئاً!
ومن الذي يحكم؟!
- القوانين! فينبغي أن تكون القوانين هي الركيزة الأساسية في المجتمع وليست المفاهيم الأخلاقية.
إن الثورة مهما كانت نبيلة تتحول إلى عمل غير أخلاقي إذا لم تضبط بقوانين فمابالك بمجتمع يضبط على الإرهاق والعنت والمشقة والتركيع والتجويع والتطويع! وهي سياسة البعث وصدام الذي سلم بلاده إلى خراب ودمار.
لم يتوقف الزاويتي عند مجرد الرواية لما دار في تلك الأيام العصيبة، بل تعدى ذلك إلى الدراية فنقد التحيز الإعلامي حيث يؤكد على التلازم الأخلاقي بين الحرف وبين المعنى والواجب يقول الزاويتي:
"عندما تصبح الصحافة مجرد مهنة أي: الصحافة للصحافة، وهذا هو الغالب في الصحافة العالمية وخاصة الغربية، تكون هي قد فقدت أسمى شيء في هذه العملية وهي "المصداقية" أو ما يسمى بالمصطلح الإسلامي "الرسالة"."
بدا الزاويتي على دراية بما رسخه الحزب الحاكم في المجتمع العراقي حيث ساد اللاقانون وذهب العراق بعيداً عن روحه وفقد المواطن الولاء للوطن وبين ذلك لزميله خنفر عندما كان يعول الأخير على مقاومة الشعب العراقي فرد الأستاذ أحمد:
"لن يقاوم الشعب. فهذه ليست حربه فلم يعد يشعر أن الجيش لحماية بلده بل للتورط بمعارك لا ناقة فيها ولا جمل".
رحم الله شيخنا الإمام عبد الرحمن الكواكبي الذي قال: "المستبد إنسان، والإنسان أكثر ما يألف الغنم والكلاب، فالمستبد يود أن تكون رعيته كالغنم ذلاً وطاعة وكالكلاب تذللاً وتملقاً. وعلى الرعية أن تكون كالخيل إن خُدمت خَدمت وإن ضُربت شَرست، بل عليها أن تعرف مقامها هل خلقت خادمة للمستبد؟ أم هي جاءت به ليخدمها فاستخدمها؟ والرعية العاقلة تقيّد وحش الاستبداد بزمام تستميت دون بقائه في يدها لتأمن من بطشه، فإن شمخ هزت به الزمام، وإن صال ربطته".
نقد كاتبنا النخبة الحاكمة المستبدة والمتسيدة بالإكراه، وبيّن جبنها، ونقد العقل الديني والقومي، أيضاً وأظهر أن عقلية المستبد تتحكم.
بل وضع الحالة الاعلامية عامة والكوردية خاصة تحت المجهر فقال: كانت مشكلتنا في المنطقة الكوردية هي إدارة الإعلام من قبل الأحزاب، وبذلك تصبح الآلة الإعلامية ناطقة باسم الحزب كما تصبح الآلة الإعلامية في دول الشرق الأوسط بوقاً للدولة والنظام الحاكم، لذا ينحصر الخطاب الإعلامي بين المدح والذم، وقد يكون بعيداً عن الأسلوب والدبلوماسية، فنقيم الخطاب الإعلامي إما معي، أو ضدي! كان لنا إعلام متعدد حزبياً، ولكن لم يكن لدينا إعلام مستقل، وبذلك لم نملك إعلاماً حراً!
وكثيراً ما أسأل نفسي لماذا نحن في دورة رديئة نكرر الوقوع في ذات الحفرة هل السبب هو الدين أم القومية أم السياسة؟
لقد وقع الدين والتاريخ والإنسان والمستقبل ومصائر المجتمعات بيد جهلة قتلة مزقوا كل حياة وكرهوا الناس بالدين والوطن والقومية وأفقدوا الثقة بكل شيء جميل حتى لو كان دينه.
خيار وحيد عمقته الحكومات وهو الركون للقوى الخارجية وجلد المواطن داخلياً والذي بموجبه لم تتم أي تنمية للوطن بل حرقت كل خير في مجتمعاتنا، وتواطأ على الشر الكثيرون من القوميين والمتدينين والعلمانيين ممن رفض أن يؤمن بأن الدم سبيل الجاهل والظلم أخلاق القتلة.
يقول الأستاذ الزاويتي: "مشكلة العمل السياسي، في منطقة الشرق الأوسط هو الرهان على الغير أكثر من الرهان على الذات! سواء من قبل الأحزاب أو الجماعات أو حتى الحكومات، ودائماً كان هذا الرهان هو الذي يقتل المشروع السياسي لأية قوة بغض النظر عن نوعيتها، لهذا نرى بعض الدول تطفو إلى السطح بسهولة، وأخرى تهبط، وبعض الحكومات تقام وأخرى تزال، ناهيك عن الأحزاب والجماعات والتي تتغير بين كل عقد وآخر".
ويقول في موضع آخر: "وإذا كانت القوة المحلية تلتزم بالعهود والمواثيق فإن القوة الإقليمية في غنى عن هذه الالتزامات".
ويشرح في موضع رأيه: "لهذا تبقى القاعدة الربانية "لَا يُكَلِّفُ ٱللهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا" من أهم منطلقات تثبيت المسيرة سواء للأفراد أو الجماعات أو الحكومات وإلى الحضارات والإمبراطوريات، فالاستقواء يجب أن يكون من قبل الذات لا الغير، وإذا كان من الذات عندها تحتفظ القوة بمسيرتها عند أي طرف كان، وأن يكون الإنسان أو "الجماعة" بمستواه الحقيقي للقوة المستمدة من ذاته، أفضل من أن يبدو بمستوى أقوى بالاعتماد على الآخر، بل وحتى إذا كان ضعيفاً، فالاكتفاء بضعف ذاتي موجود أولى من قوة مستمدة غير أصيلة! لأن الضعيف الأصلي قد يتقوى ذاتياً بمرور الأيام".
وطبعاً هذه المعادلة هي من أصعب المعادلات في مسيرة الجماعات، إسلامييّها وغير إسلامييّها فكثيراً ما وقعت في مطبات معادلات الغير وخاصة الإقليمية، وبذلك تعرض مصيرها لخطر التبدل في موقف الآخر، فالاكتفاء بالذات أولى من الاعتماد على الآخر وهذا لا يتنافى مع الاستفادة من الغير بشرط الحذر من الوقوع في الفخاخ، وكذلك عدم عرض مصير الجماعة إلى معادلات لا تملك الجماعة زمامها، فأن تبقى الجماعة خارج الحكومة وهي تسير سيرها الصحيح أفضل من المشاركة مقابل تنازلات مبدئية، وإذا كانت تشارك مشاركة رمزية أفضل من المشاركة الفعالة على حساب المستقبل، وإذا كان مشروعها السياسي لم يكتمل، من الأفضل أن يكتمل ثم يباشر العمل في الساحة، وهكذا يكون تقرير ما يسمى بالمصير قراراً ذاتياً.
مع خنفر والجزيرة
يعمد الكاتب الأديب الروائي الإعلامي أحمد الزاويتي لاستنطاق الذاكرة عن صور وعبر ويسجل نجاحاً لمراسل الجزيرة والمدير العالم السابق لشبكة الجزيرة وضاح خنفر في ساحة حرب ونجاة من فتن وديناصورات سياسية تحرق كل شيء، بيد أن الرجل بين في أكثر من مكان أخلاق الصحافة التي التزم بها حيث يبين: "عندما يصاب الصحفي بشيء من التأثر في الحالتين: سواء في المعاتبة، أو المجاملة. أي أن يتراجع أو يخاف بسبب العتاب أو ما قد يصل بالعتاب إلى مراتب أخرى أخطر. أو أن يفرح لمجاملة المجامل، عندها ستصاب مهنة الصحافة عند الصحفي بشيء من الخلل، في الحالتين".
يروي الأستاذ أحمد الزاويتي مدير مكتب الجزيرة في كوردستان العراق الأربعين يوماً بما يحكي خفايا الواقع السياسي.
مهمة صعبة... في كوردستان تغطية ميدانية مليئة بالصدق والشفافية والوضوح وتضع المخفي في خانة المكشوف ويلتزم الراوي الزاويتي التجرد والانحياز إلى قضايا الناس العادلة لا إلى الممول.
فالرجل حيث يكون الله والخير يممم وجهه في رحلة ترسم خارطة طريق نجاح على رجل إعلامي عربي هو وضاح خنفر الذي حمل كاميرا على كتفه والتزم بأخلاق مهنية وشرف وصدق وشجاعة وذكاء، وكذلك ساهم في إيصال الخبر عبر قناة تحدت الكبار: قناة الجزيرة.
الكتاب يحكي قصة نجاح وتميز، وحديث عن رأس حربة إعلامية غيّرت الموازين، وربما كونت مزاجاً ثقافياً عاماً.
شهد الإعلام تطوراً كبيراً وبات سلاحاً فعالاً تستثمره الحكومات والمعارضة في حرب السيطرة على الرأي العام، وأتيح للمشاهد
أن يختار ما يريده من قنوات ترفيهية وإخبارية.
وفي مجال الإعلام العربي بل والعالمي شكلت الجزيرة رقماً صعباً أفقدت الكثيرين خيار تجاوزها.
تأسست قناة الجزيرة يوم 1 تشرين الثاني عام 1996 كأول إعلام يخرج على تلفزيون البلد الحاكم واستطاعت هذه القناة أن تطرق بيوت الملايين وتكسب ثقة وقلوب الناس، واحتقان وعقوبة بعض السلطات أيضاً وكذلك شن طيف واسع من المثقفين الموالين أو المعارضين للسلطات على الجزيرة حرباً.
ما من أحد اليوم إلا ويدعي أنه يؤمن بالديمقراطية ولكن عند الممارسة نجد الكثيرين يضيقون ذرعاً بنتائج الديمقراطية، كان أثر ظهور الجزيرة غير اعتيادي فهي تحمل شعار "الرأي والرأي الآخر" رسالة إعلامية تمثل الحالة الديمقراطية وفي ذات الوقت عملاً استفزازياً في بلاد حكمت من قبل سلطات رفعت شعار "نافق أو وافق أو فارق" وهو ما يفسر لنا ضيق الكثيرين من الجزيرة.
إنك مهما اختلفت مع قناة الجزيرة إلا أنك لن تستطيع أن تنكر حضورها وأنها كانت تمثل حالة أرق للحكام ولسان صدق للشعوب في زمن الخرس الرسمي..
الجزيرة كانت كسحر ينكره البعض ويشجبه آخرون لكنهم في النهاية يطربون به ويتأثرون بصوته وصورته.
شيئان اليوم في زمن التحولات يملآن نفسي روعة ومحبة واحتراماً للزاويتي:
الأمر الأول:
أقرأ هذا الكتاب الوفي من كوردي لعربي بقي مخلصاً له وكتبه بعد استقالة خنفر من الجزيرة عربون وفاء لا ورقة تملق لتؤكد أن نسيج العلاقات بين العربي والكوردي أصيلة رغم قهر السياسيين والتلاعب بالجميع.
الأمر الثاني:
اعتراف الزاويتي بمهنية وحرفية الأستاذ خنفر وإنصافه، حيث يقول الزاويتي: "لقد تم وبوجودي حوارات عديدة وعندما كان يحتدم النقاش والحوار على الأكراد كشعب وإثارة الكثير من الأشياء ضده، كان وضاح وزميله يدافعان عن هذا الشعب".
هناك خوف موروث في ذهن الإنسان الكوردي، يجعله هارباً من الموت، باحثاً عن الحياة هذا ما قاله الكوردي لصديقه العربي: بحار من الدموع لن تطفئ نار قلب أم فقدت ابنها في الحرب.
فهل سيتواصل العرب والكورد لبناء مستقبل يزيل الخوف، ويحقق الأمل، ويقيم العلاقة على أساس التكامل لا التفاضل؟
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



