لم تكن التظاهرات التي اجتاحت فرنسا وامتدت إلى عدد من الدول الأوروبية مفاجأة من العدم، ولا يمكن اختزالها في وصف واحد: لا "ثورة" تنتظر أن تُصدَّر من الخارج، ولا "فوضى مهاجرين" تبرر القمع. إنها، في جوهرها، انفجار متأخر لأزمة اجتماعية واقتصادية متراكمة، تقاطعت معها شرارة محلية في المدارس الفرنسية، ثم سَرّعتْها وسائل التواصل وحاولت جهات مختلفة توجيه دلالتها السياسية.
مطالب مشروعة لا يجب تشويهها
من الخطأ التعامل مع هذه التظاهرات كأنها مجرد اضطراب أمني. فالمطالب الأساسية - تكلفة معيشة أقل، مدارس أفضل، سكن ميسور، أجور عادلة، وخدمات عامة لا تتراجع - مطالب مدنية مشروعة في أي ديمقراطية. كما أن حق التظاهر السلمي ليس "رفاهية" يمكن تعليقها عند أول أزمة، بل هو أحد أهم مؤشرات صحة النظام السياسي وقدرته على استقبال الغضب الشعبي قبل أن يتحول إلى انفجار.
المشكلة أن الحكومات الأوروبية تواجه معادلة صعبة: المطالب اجتماعية وملحّة، بينما هامشها المالي ضيق بسبب الديون، وتباطؤ النمو، وتزايد الإنفاق الدفاعي. وهنا يكمن جوهر الأزمة: لا ارتفاع الأسعار فحسب، بل شعور متزايد بأن الدولة لم تعد قادرة على حماية الطبقة الوسطى والشباب من التدهور التدريجي في مستوى الحياة.
العنف لا يمثل الاحتجاج
نعم، بعض الاحتجاجات انزلقت إلى أعمال عنف وإحراق ونهب، لكن من الخطأ جعل هذه الأعمال تمثل الحركة برمتها. فالمئات من الآلاف خرجوا سلماً، فيما استغلت جماعات هامشية وفوضوية ولصوصية الفوضى لمهاجمة المؤسسات والمرافق والشركات. وقد اتهمت السلطات الفرنسية جماعات من اليسار الراديكالي ومجموعات إجرامية بالوقوف وراء جزء من العنف، دون أن تقدم دليلاً رسمياً يربط المهاجرين أو المسلمين بهذه الأعمال.
وهنا تكمن المخاطرة الحقيقية: حين تختلط المطالب المشروعة بأعمال التخريب، يجد بعض صناع القرار فرصة لتحويل الملف من "أزمة عدالة اجتماعية" إلى "أزمة نظام عام". وهذه العملية قد تكون مقصودة أو غير مقصودة، لكن نتيجتها واحدة: إضعاف شرعية المتظاهرين، وتبرير التشديد الأمني، وتأجيل معالجة الأسباب.
خطر "التشيطين" الهوياتي
هناك محاولة واضحة من بعض الأوساط السياسية والإعلامية لربط الاحتجاجات بالمهاجرين أو بالمسلمين، وتحويلها إلى ملف هوية بدل ملف اقتصادي. لكن الوقائع الرسمية لم تدعم هذا الربط؛ إذ أكدت السلطات الفرنسية عدم وجود صلة مباشرة للمهاجرين بأعمال التخريب، فيما رفض الرئيس إيمانويل ماكرون وصف فرنسا بأنها "غزاها" مهاجرون أو إسلاميون.
هذا لا يعني غياب حضور شباب من أصول مهاجرة في بعض الاحتجاجات، خصوصاً في المدن الكبرى والضواحي الشعبية. لكن الحضور لا يعني القيادة، ولا يعني أن الهوية العرقية أو الدينية هي المحرك. فالمظالم التي أطلقت الاحتجاجات - المدارس، الغلاء، السكن، البطالة، الخدمات العامة - تمس فئات واسعة من المجتمع الأوروبي، وليست حكراً على فئة واحدة.
هل هي "ربيع أوروبي"؟
من الطبيعي أن تظهر مقارنات بين ما يجري في أوروبا والربيع العربي، خصوصاً أن كليهما بدأا بمطالب اجتماعية واقتصادية مشروعة. لكن المقارنة تحتاج إلى حذر: الربيع العربي استهدف أنظمة سلطوية مغلقة تفتقر إلى قنوات حقيقية للتداول السلمي للسلطة، أما الاحتجاجات الأوروبية فتحدث داخل أنظمة ديمقراطية قائمة، وإن كانت تعاني أزمة تمثيل وثقة.
الأدق أن نقول: لا يوجد "استيراد" للربيع العربي إلى أوروبا، لكن هناك محاولة لتصدير تسميته ورمزيته إليها، حيث يريد بعضٌ تضخيم الأحداث بوصفها "ربيعاً أوروبياً"، لخدمة أجندات سياسية أو إعلامية، بينما يسعى آخرون إلى تشويهها بوصفها "أزمة مهاجرين"، لتبرير القمع. وكلا المسارين يخدمان هدفاً واحداً: تحريف الطبيعة الحقيقية للاحتجاج.
درس العراق: الغضب مشروع، والاستغلال كارثي
لا يمكن فهم هذه اللحظة دون استحضار تجربة العراق في 2013. فقد انطلقت الاحتجاجات السنية من مظالم حقيقية: اعتقالات، ملاحقات، إقصاء سياسي، وغياب العدالة. لكن غياب الاستجابة الجادة، وتعقيد المشهد الأمني، وانقسام المؤسسات، فتح المجال أمام تنظيم القاعدة ثم داعش لركوب الموجة وتحويل الغضب الشعبي إلى تمرد مسلح وصل إلى كارثة 2014.
الدرس ليس أن كل احتجاج يقود إلى داعش، بل إن المطالب المشروعة تصبح خطرة عندما تُترك بلا معالجة. فالفراغ السياسي والأمني هو ما يسمح للقوى المتطرفة بتحويل الغضب إلى سلاح. وفي أوروبا اليوم، لا يوجد تنظيم مسلح يمتلك بنية داعش أو يسيطر على أراضٍ، لكن الخطر يبقى قائماً في شكل مختلف: تحويل الاحتجاج إلى صراع هوياتي أو أمني، بدل معالجة أسبابه الاقتصادية والاجتماعية.
ما يجري في أوروبا ليس "ربيعاً أوروبياً"، بالمعنى الحرفي، ولا "فوضى مهاجرين"، بالمعنى الذي يحاول بعضٌ فرضه. إنه احتجاج مشروع لمطالب اجتماعية واقتصادية حقيقية، تقاطع معه عنف هامشي، واستغله فاعلون سياسيون وإعلاميون من الداخل والخارج.
والخطر الأكبر ليس في التظاهرات نفسها، بل في الطريقة التي ستُدار بها: إن عولجت بصفتها مطالب مدنية تستحق الحوار والإصلاح، فقد تكون فرصة لتصحيح مسار الدول الأوروبية. أما إن حُوّلت إلى ملف أمني وهوياتي، فستدفع أوروبا ثمناً سياسياً وأخلاقياً كبيراً، وتفقد جزءاً من شرعيتها الديمقراطية التي تدّعي حمايتها.



