كل الأنظمة التي تشق طريقها نحو الاستبداد
تبدأ بالإعلام؛ لأنها تدرك أن السيطرة على العقول لا تقل أهمية عن السيطرة على
المؤسسات. وحين تتحول الدولة إلى مسرح للدعاية السياسية والتسقيط، يتراجع الأعلام
الحر، ويصبح الحياد آنذاك الى مغامرة، وتتحول الحقيقة إلى ضحية لصراع المصالح
والنفوذ.
فالأنظمة المستبدة لا تنظر إلى
الإعلام بوصفه مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل باعتباره أداة لا تقل أهمية عن الأجهزة
الأمنية في توجيه الرأي العام، وتجميل صورة السلطة، وإسكات الأصوات الناقدة.
يشهد العراق اليوم ما يمكن وصفه
بـ (موت السياسة) إذ تتراجع الطموحات، وتضيق آفاق المستقبل، ويشعر المواطن بأن
الكفاءة والثقافة والإبداع لم تعد كافية لضمان مكانه في دولة تتقدم فيها المصالح و
النفوذ على التنمية والتقدم .
وبالتوازي مع موت السياسة، نشهد (موت
الإعلام) ذلك الإعلام الذي يفترض أن يكون عين المجتمع على السلطة، وصوت المظلومين،
وحارس الحقيقة. لكنه، في بعض مساحاته، تحول إلى أداة للدعاية والتضليل وتصفية
الحسابات، وفقد جزءاً كبيراً من دوره الرقابي والأخلاقي.
لقد مرّ هذا الانحدار بمراحل
متتابعة: بدأت بالدعاية السياسية، ثم تراجعت الحدود بين الحقيقة والكذب على
الهواء، وصولًا إلى مرحلة أصبح فيها بعض العاملين في المجال الإعلامي يتعاملون مع
التملق والارتزاق وكأنهما جزء طبيعي من المهنة.
والمفارقة أن بعض من رفعوا شعارات
النزاهة والإصلاح ومكافحة الفساد باتوا يواجهون تساؤلات وانتقادات بشأن تناقض
الخطاب مع السلوك. وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بما يقوله الإعلامي أمام الكاميرا،
بل بما يمثله خارجها، وبمدى التزامه بالمبادئ التي يطالب الآخرين باحترامها.
ومن أخطر مظاهر تراجع الإعلام أن
يتحول بعض الإعلاميين إلى أدوات في صراعات القوى السياسية أو إلى وسطاء يخدمون
مصالح جهات نافذة، بدلًا من أن يكونوا مستقلين عنها.
وفي البيئات التي تضعف فيها
المؤسسات الرقابية، قد تنشأ علاقات غير شفافة بين بعض العاملين في الإعلام وأصحاب
النفوذ السياسي أو الأمني أو الاقتصادي. وعندئذ يصبح الإعلام، بدلاً من أن يكشف
شبكات المصالح جزءاً من المشهد الذي ينبغي عليه مراقبته.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما
تتقاطع المصالح الإعلامية مع مصالح رجال أعمال تحيط بهم اتهامات بالفساد أو
باستغلال النفوذ، فتُستخدم المنابر الإعلامية لتلميع الصور، أو مهاجمة الخصوم، أو
توجيه الرأي العام وفقاً لحسابات لا علاقة لها بالمصلحة العامة.
وفي مثل هذه البيئة، يصبح النفوذ
أهم من المعرفة، والعلاقات أهم من الكفاءة، والقدرة على المناورة أهم من
الاستقلالية. ويتحول بعض الإعلاميين إلى لاعبين في سوق المصالح، يغيّرون مواقفهم
بتغيّر الحكومات، ويبدّلون خطاباتهم بتبدّل موازين القوى، من دون مراجعة واضحة أو
اعتراف بالتناقض.
إن المشكلة ليست في اختلاف
المواقف السياسية، فهذا حق مشروع، بل في التخلي عن المبادئ المهنية مقابل المكاسب،
وفي تحويل الإعلام إلى أداة للابتزاز والتضليل بدلاً من أن يكون وسيلة لكشف
الحقائق. وحين نرى تفاوتاً كبيراً بين الدخل المعلن لبعض الشخصيات الإعلامية وما
يُتداول عن حجم ثرواتها، فمن حق المجتمع أن يطالب بالشفافية، وأن يسأل عن مصادر
الأموال، خصوصاً عندما تترافق هذه التساؤلات مع اتهامات موثقة أو شبهات تستحق
التحقيق.
فليس من المنطقي أن تتحول الشهرة
الإعلامية إلى حصانة من المساءلة، ولا أن يصبح الظهور المتكرر على الشاشات بديلاً
عن الكفاءة المهنية أو دليلاً على النزاهة.
وقد يتحول بعض المحللين
السياسيين، الذين لم يكن لهم حضور اقتصادي يُذكر في السابق، إلى أصحاب ثروات كبيرة
خلال فترات قصيرة. وهذا وحده لا يثبت ارتكاب مخالفة، لكنه يطرح أسئلة مشروعة عندما
تغيب الشفافية أو تظهر مؤشرات على استغلال النفوذ أو تضارب المصالح.
إن السؤال الحقيقي ليس: لماذا
أصبح هذا الإعلامي ثرياً؟ بل: هل مصادر ثروته مشروعة وواضحة؟ وهل توجد آليات
مستقلة للتحقق والمساءلة؟ وهل يخضع الجميع للقانون، أم أن بعض أصحاب النفوذ يعيشون
فوق مستوى المحاسبة؟
إن أخطر ما يصيب المهنة ليس الخطأ
في نقل معلومة، فالأخطاء يمكن تصحيحها، بل انهيار الضمير المهني الذي يجعل الكذب
ممارسة متكررة، والتضليل وسيلة للكسب، والنفاق طريقًا إلى النفوذ.
وحين يصبح الإعلامي مستعداً
للدفاع عن موقف اليوم ومناقضته غداً، تبعاً لمصالحه، فإن الجمهور لا يفقد ثقته
بشخص واحد فحسب، بل قد يفقد ثقته بالمؤسسة الإعلامية وبالمهنة كلها.
وما يزيد المشهد سوءاً هو ضعف
المساءلة المهنية والقانونية، حين تكون موجودة، أو انتقائيتها حين تُطبَّق على
البعض دون غيرهم. فالإعلامي الذي يتمتع بنفوذ سياسي أو مالي قد يعتقد أنه محصّن من
العواقب، حتى عندما يتجاوز الحدود المهنية والأخلاقية على الهواء.
وفي الأنظمة البوليسية، يمكن أن
يتحول بعض الإعلاميين والإعلاميات إلى أدوات لخدمة الأجهزة الأمنية أو تبرير
سياساتها، فتتراجع المسافة الضرورية بين الصحافة والسلطة، وتصبح الشاشة امتدادًا
لمنظومة النفوذ بدلًا من أن تكون مساحة مستقلة لمراقبتها.
تعبّر المقولة الاقتصادية
المعروفة (العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة) عن جانب من هذه المعضلة؛ فعندما
تكافئ البيئة الإعلامية التملق والتضليل، وتهمّش الصدق والاستقلالية، يجد الإعلامي
المهني نفسه في مواجهة منظومة لا تمنحه الفرصة نفسها التي تمنحها لأصحاب المصالح.
وعندها يبرز سؤال مؤلم: من يستطيع
أن يعمل في بيئة يصبح فيها الصدق عبئًا، والنقد مخاطرة، والاستقلالية سببًا
للتهميش؟.
ومن يستطيع أن يرفع صوته وسط
أصوات الدعاية، حين تتقدم المصالح على الحقيقة، ويصبح صاحب الرأي المستقل غريبًا
في مهنة يُفترض أن تقوم على حرية الرأي؟
إن انحدار الإعلام لا يحدث لأن
جميع الإعلاميين فقدوا ضمائرهم، بل لأن البيئة التي تكافئ السلوك السيئ وتضعف فرص
العمل المهني قد تدفع الأصوات المستقلة إلى الانسحاب، وتمنح أصحاب المصالح مساحة
أوسع للظهور والتأثير.
وهكذا تتراجع الكفاءة، وتضعف
المعرفة، وتتقدم الشهرة على الخبرة، ويصبح النفاق السياسي، لدى بعضهم، أكثر جدوى
من التحليل الرصين.
إن تطور البروباغندا لا يعني تطور
الإعلام. فقد تتقدم وسائل التأثير والتلاعب بالعقول، وتتطور أدوات صناعة الرأي
العام، بينما تتراجع الحقيقة والمعرفة والمهنية.
وعندما يختفي النقد، لا يعود
الإعلام قادراً على أداء وظيفته الأساسية؛ لأن النقد ليس عداوة للسلطة، بل ضرورة
لحمايتها من أخطائها، ولحماية المجتمع من الفساد والتضليل.
أما حين تتحول البرامج إلى ساحات
للمجاملة والمزايدات، ويصبح الحوار مباراة في النفاق السياسي، فإن الإعلام يبتعد
عن جوهره، ويتحول من مساحة لفهم الواقع إلى وسيلة لصناعة واقع زائف.
إن المجتمع الذي يفقد إعلامه
المستقل يفقد إحدى أهم أدواته في الرقابة والمساءلة، ويصبح أكثر عرضة لتوجيه الوعي
وفقاً لمصالح القوى الأكثر نفوذاً.
إن أزمة الإعلام في العراق ليست
أزمة شاشات أو برامج أو أسماء، بل أزمة استقلالية وضمير ومساءلة. وهي جزء من أزمة
سياسية ومؤسساتية أوسع، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع النفوذ السياسي،
وتتراجع فيها الثقة بين المواطن والمؤسسات.
هل نسير نحو دولة تحترم الحقيقة،
وتضمن حرية النقد، وتحاسب من يستغل موقعه لتحقيق مصالح خاصة؟ أم نتجه نحو ما يمكن
تسميته بـ (جمهوريات الخوف) حيث لا تنتج منظومة الاستبداد سوى الصمت والنفاق، وحيث
يصبح الولاء أقوى من القانون، والمصلحة أعلى من الحقيقة .!
أن موت. الأعلام يبدأ عندما يبقى
الميكروفون مفتوحاً وتُغلق العقول، وعندما تستمر البرامج في البث بينما تغيب
الحقيقة عن مضمونها.
ويبدأ أيضاً عندما يصبح الإعلامي
خادماً للنفوذ بدلاً من أن يكون رقيباً عليه، وعندما يتحول الجمهور من متلقٍ يبحث
عن الحقيقة إلى ضحية تتقاذفها حملات التضليل والتسقيط.
إن استعادة الإعلام تبدأ باستعادة
استقلاليته، وحماية الصحفيين، وترسيخ أخلاقيات المهنة، وضمان المساءلة العادلة،
وكشف تضارب المصالح، ورفض تحويل المنابر الإعلامية إلى أدوات للابتزاز أو الدعاية.
فالإعلام الذي يخاف من السلطة لا
يستطيع حماية المجتمع، والإعلام الذي يخضع للمال لا يستطيع أن يكون مستقلاً،
والإعلام الذي يتخلى عن النقد يفقد مبرر وجوده.
وحين يموت الإعلام، لا تموت
الحقيقة وحدها؛ بل يصبح الصمت أكثر أماناً من الكلام، والنفاق أكثر ربحاً من
الصدق، والخوف أكثر حضوراً من الحرية.



