تكتسب الشهادة الشخصية أهميتها التاريخية عندما تُقرأ في سياقها السياسي والاجتماعي، ولاسيما حين تتصل بتجربة السجن والرقابة على المعرفة والكتاب. ومن هذا المنطلق، فإن واقعة عشتها في سجن الموصل سنة 1984 تتعلق بكتاب "تفهيم القرآن" للمفكر الباكستاني أبي الأعلى المودودي، ثم احتجاز النسخة لدى المخابرات العراقية، ووصول استمارة أمنية إليّ طُلب مني توقيعها، تمثل واقعة صغيرة في ظاهرها، لكنها تتيح قراءة أوسع لطبيعة العلاقة بين السلطة والكتاب والفكر الديني في العراق خلال تلك المرحلة.
ومن المهم منذ البداية تصحيح تفصيل جوهري في هذه الشهادة: إن كتاب "تفهيم القرآن" لم يصل إليّ قط، ولم أستلمه ولم أقرأه داخل السجن. وإنما كان أحد النزلاء الباكستانيين السابقين في سجن الموصل قد أرسل إليّ نسخة منه، ثم احتُجز الكتاب لدى المخابرات العراقية قبل أن يصل إلى يدي. أما الذي وصل إليّ فعلًا فهو استمارة أرسلتها المخابرات العراقية وطُلب مني توقيعها وإعادتها. ولذلك فإن قيمة الواقعة لا تكمن في أنني قرأت الكتاب في السجن، وإنما في أن كتابًا إسلاميًا كان في طريقه إليّ، ثم أصبح موضوعًا لإجراء أمني، بينما وجدت نفسي شخصيًا أمام استمارة صادرة عن جهاز المخابرات.
كان العراق في ظل نظام البعث، بعد وصول الحزب إلى السلطة سنة 1968 قد شهد توسعًا في السيطرة على وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية والفكرية. وتشير دراسة Iraq: A Country Study الصادرة عن قسم البحوث الفدرالية في مكتبة الكونغرس إلى خضوع الكتب والصحف وسائر المطبوعات للرقابة، وإلى مراقبة المواد المنشورة ومدى انسجامها مع الخط السياسي والثقافي الرسمي. وكانت وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية جزءًا من منظومة أوسع للسيطرة السياسية والفكرية.
وتساعد هذه البيئة العامة على فهم السياق الذي وقعت فيه تجربتي في سجن الموصل سنة 1984.
فالكتاب لم يكن يعيش دائمًا في فضاء مستقل تمامًا عن السلطة، وإنما كان تداول بعض الكتب والأفكار يتم في ظل منظومة واسعة من الرقابة والحذر، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بالكتابات الدينية أو السياسية التي لا تنسجم بالضرورة مع الخطاب الرسمي.
في ذلك السياق، كان كتاب «تفهيم القرآن» لأبي الأعلى المودودي حاضرًا في الواقعة التي عشتها. والمودودي، المولود في 25 أيلول 1903 والمتوفى في 22 أيلول 1979. كان من أبرز المفكرين الإسلاميين في القرن العشرين، ومؤسس الجماعة الإسلامية سنة 1941 ومؤلف «تفهيم القرآن»، وهو تفسير واسع يتضمن إلى جانب التفسير رؤية فكرية واجتماعية للإسلام.
لكن الكتاب نفسه لم يدخل إلى السجن ولم يصل إلى يدي. فقد كان أحد النزلاء الباكستانيين السابقين في سجن الموصل، وكان يعمل في سد الموصل، قد أرسل إليّ نسخة من «تفهيم القرآن». وكانت النسخة، بحسب ما بقي في ذاكرتي، في أربعة مجلدات، ذات حلّة قشيبة وأنيقة، وكان معها قلم من نوع "باركر 54". وهذه التفاصيل المادية بقيت عالقة في ذاكرتي؛ لأنها جعلت الكتاب يبدو شيئًا مميزًا، وليس مجرد مطبوع عادي.
غير أن تلك النسخة لم تصل إليّ. فقد احتُجزت لدى رئاسة المخابرات العراقية، وأصبح الكتاب نفسه في عهدة الجهاز الأمني قبل أن أتمكن من استلامه أو الاطلاع عليه. ومن ثم فإنني لا أستطيع القول إنني قرأت «تفهيم القرآن» في سجن الموصل أو إن الكتاب كان بين يدي داخل السجن؛ والصحيح تاريخيًا في شهادتي أن الكتاب كان مرسلًا إليّ، ثم احتُجز لدى المخابرات، ولم يصل إليّ قط.
وهنا اكتسبت الواقعة بعدًا آخر؛ إذ لم يتوقف الأمر عند احتجاز الكتاب، وإنما وصلت إليّ بعد ذلك استمارة من المخابرات العراقية، وأنا ما زلت في سجن الموصل، وطُلب مني توقيعها وإعادتها إليهم. وقد رفضت التوقيع، لأنني لم أكن أعرف بصورة واضحة الغرض من الاستمارة ولا النتائج التي يمكن أن تترتب على توقيعي عليها. وفي الظروف الأمنية التي كنت أعيشها، لم يكن التوقيع على وثيقة مجهولة الغرض أمرًا يمكن التعامل معه باعتباره إجراءً إدارياً عادياً.
وكانت للواقعة أيضاً صلة بالجانب الباكستاني؛ فالشخص الذي أرسل الكتاب إليّ كان مواطنًا باكستانيًا، كان يعمل محاسبا في سد صدام 😊 الموصل)، ثم اعتُقل من قبل المخابرات العراقية في مطار بغداد الدولي. ومن حسن المصادفة أن السفير الباكستاني في بغداد كان موجودًا معه في الرحلة نفسها القادمة من باكستان إلى العراق.
وكان ذلك في عهد الرئيس الباكستاني الجنرال محمد ضياء الحق، الذي تولى رئاسة الجمهورية في 16 أيلول 1978 وظل في منصبه حتى وفاته في 17 آب 1988 إثر تحطم طائرته. وبحسب ما وصلني في حينه، يبدو أن السفير الباكستاني، بعد علمه باعتقال المواطن الباكستاني، اتصل بمرجعه في العاصمة إسلام آباد، وتدخلت الجهات الباكستانية المعنية، ثم أُطلق سراحه. غير أنني لا أملك وثيقة رسمية تثبت تفاصيل الاتصالات التي جرت بين السفارة والسلطات العراقية، ولذلك أسجل هذه الجزئية بوصفها مما وصلني وعرفته في ذلك الوقت، لا باعتبارها واقعة موثقة بصورة مستقلة.
أما أنا، فقد وجدت نفسي في أعقاب ذلك أمام الاستمارة التي أرسلتها المخابرات العراقية. ولم أكن أعرف على وجه اليقين الغرض الذي أُعدت من أجله، ولا ما إذا كان توقيعي عليها يمكن أن يرتب عليّ نتائج لاحقة. ولذلك رفضت التوقيع عليها.
وكان هذا الرفض في حد ذاته جزءاً من تجربتي مع البيئة الأمنية التي كان يعيش فيها السجين؛ فالإنسان داخل السجن لا يملك دائمًا المعلومات التي تمكنه من معرفة عواقب كل إجراء يطلب منه القيام به. ولم تقتصر علاقتي بالكتب في سجن الموصل على هذه الواقعة. فقد كنت أرتاد مكتبة السجن وأستعير منها الكتب المتاحة. وكانت المكتبة تضم عددًا من الكتب الإسلامية لمؤلفين معروفين من السنة والشيعة، ومن الأسماء التي أذكرها في هذا السياق: محمد الغزالي، وسيد قطب، ومحمد قطب، وحسن الترابي، وأبو الحسن الندوي، ويوسف القرضاوي، ويوسف العظم، ومحمد أحمد الراشد، وعبد العزيز العقيلي، ومحمد باقر الصدر، وغيرهم.
وهنا ينبغي التفريق بين وجود كتب هؤلاء المؤلفين في المكتبة وبين القول إن جميع كتبهم كانت ممنوعة رسميًا. فوجود الكتاب في مكتبة السجن لا يثبت في حد ذاته أنه كان ممنوعًا، كما أن ذاكرة السجناء عن الكتب الحساسة لا تكفي وحدها لإثبات وجود قرار رسمي بمنع كل عنوان. وما أستطيع قوله هو أن تداول بعض هذه الكتب كان، بحسب ما كان متداولًا بين السجناء، يثير الحذر، وأن هذا الحذر أثر بصورة مباشرة في سلوكي داخل المكتبة.
وكان القيم على مكتبة السجن في تلك الفترة سجينًا مسيحياً من أهالي تلكيف، وكان يتولى تسجيل أسماء السجناء الذين يستعيرون الكتب. وقد حذرني عدد من نزلاء السجن الذين سبقوني في الاعتقال من أنه كان يدون أسماء الذين يستعيرون بعض الكتب الإسلامية التي كانوا يعدونها حساسة أو ممنوعة، وأن هذه الأسماء كانت تصل إلى إدارة السجن، ومنها يمكن أن تصل إلى الجهات الأمنية المختصة.
ولم أشاهد بنفسي وثيقة تثبت أن كل اسم كان يسجل في المكتبة كان يُرفع إلى جهاز أمني، ولذلك لا أجزم بذلك. لكن تكرار التحذيرات التي تلقيتها من أكثر من سجين كان كافيًا بالنسبة إليّ لكي أغير سلوكي. ومنذ ذلك الوقت توقفت عن استعارة الكتب الإسلامية من مكتبة السجن.
وتكشف هذه الواقعة جانباً مهماً من طبيعة الرقابة؛ إذ ليست الرقابة دائماً منعاً مباشراً للكتاب. فقد يكفي أن يشعر السجين بأن اسم الكتاب الذي يستعيره يمكن أن يُسجل، وأن اسمه يمكن أن يصبح موضع اهتمام، حتى يبدأ في ممارسة الرقابة على نفسه. وهنا تتحول الرقابة الخارجية إلى رقابة ذاتية.
وقد كان هذا الجانب من تجربتي أكثر أهمية من مجرد وجود كتاب في مكتبة السجن؛ لأن الخوف لم يعد مرتبطاً فقط بمحتوى الكتاب، وإنما أصبح مرتبطاً بفعل القراءة ذاته، وباسم القارئ، وبعملية الاستعارة. وهكذا يمكن أن تصبح المكتبة، التي يفترض أن تكون فضاءً للمعرفة، مكاناً يحتاج فيه السجين إلى التفكير قبل اختيار الكتاب.
وتساعد الدراسات المتعلقة بالعراق البعثي على وضع هذه التجربة في سياق أوسع؛ فقد كانت الرقابة على المطبوعات والمؤسسات الثقافية جزءًا من منظومة السيطرة على المجال العام. كما أن النظام لم يتعامل مع الدين بطريقة ثابتة طوال تاريخه؛ فلم تكن العلاقة بين البعث والإسلام علاقة عداء مطلق، بل اتسمت بالتغير بحسب الظروف السياسية. فقد مارس النظام الرقابة والقمع تجاه تيارات إسلامية مستقلة، لكنه استخدم في مراحل أخرى بعض الرموز والخطابات الدينية والوطنية لأغراض سياسية.
ظهر تشدد نظام البعث تجاه الحركة الإسلامية العراقية منذ السنوات الأولى لحكمه، فشملت الملاحقة عددًا من العلماء والدعاة والكوادر الإسلامية؛ ومن أبرزهم الشيخ عبد العزيز البدري، الذي قُتل تحت التعذيب في حزيران 1969، وكان من الأصوات الإسلامية الجريئة في معارضة النظام البعثي وانتقاد توجهاته. كما طالت الاعتقالات والملاحقات عددًا من الضباط المرتبطين بالتيار الإسلامي، وأُعدم بعضهم في سياق حملة السلطة على ما عدّته محاولات مناهضة للنظام سنة 1970، ومن بينهم عبد الستار العبودي ومحمد فرج الجاسم، في محاكمات ارتبطت بمحكمة خاصة ترأسها طه الجزراوي، بحسب بعض الروايات المعاصرة واللاحقة. واستمر هذا النهج خلال السبعينيات، ثم بلغ مستوى أكثر حدة بإعدام آية الله محمد باقر الصدر وشقيقته بنت الهدى في نيسان 1980، قبل أن يزداد التضييق على النشاط الإسلامي خلال الحرب العراقية الإيرانية، بفعل مخاوف النظام من انتقال التأثير السياسي للثورة الإيرانية إلى العراق.ومع ذلك، فإن واقعة «تفهيم القرآن» التي عشتها لا ينبغي أن تُستخدم وحدها لإثبات سياسة عامة تجاه الكتاب بعينه. فالمنهج التاريخي يقتضي أن نفرق بين التجربة الشخصية وبين التعميم. وأنا لا أملك وثيقة تقول إن المخابرات العراقية احتجزت الكتاب بسبب مضمونه تحديدًا، ولا أملك وثيقة تحدد الغرض من الاستمارة التي وصلت إليّ. وما أملكه هو تجربتي المباشرة وتسلسل الأحداث كما بقي في ذاكرتي.
وهذا التفريق لا يقلل من قيمة الشهادة، بل يزيدها. فالشهادة التاريخية تصبح أكثر قوة عندما يحدد صاحبها بدقة ما شاهده وما سمعه وما استنتجه. وفي هذه الحالة يمكن القول بثقة إن نسخة «تفهيم القرآن» كانت مرسلة إليّ، وإنها كانت في أربعة مجلدات بحلة قشيبة ومعها قلم "باركر 54"، وإنها لم تصل إلى يدي قط، وإنما احتجزتها المخابرات العراقية، ثم وصلت إليّ استمارة أمنية طلب مني توقيعها، فرفضت ذلك.
أما تجربة مكتبة السجن فكانت جانبًا آخر من العلاقة بين الكتاب والرقابة. فقد كنت أستطيع الوصول إلى بعض الكتب، لكن التحذيرات التي وصلتني بشأن تسجيل أسماء المستعيرين جعلتني أتوقف عن استعارة الكتب الإسلامية. وهنا ظهر أثر الخوف بصورة عملية؛ إذ لم يحتج الأمر إلى منع مباشر حتى يتغير سلوكي، وإنما كان يكفي احتمال أن يصبح اسم القارئ أو الكتاب موضع اهتمام أمني.
ومن هذه الزاوية تتصل واقعة الكتاب الباكستاني بواقعة مكتبة السجن، رغم اختلافهما. في الأولى كان الكتاب في طريقه إلى السجين لكنه احتُجز قبل أن يصل إليه، ثم وصلت إلى السجين استمارة أمنية. وفي الثانية كان الكتاب موجودًا داخل السجن، لكن الخوف من تسجيل اسم المستعير دفع السجين إلى الامتناع عن استعارة بعض الكتب.
وهكذا يظهر الكتاب في التجربتين باعتباره أكثر من مادة للقراءة. ففي الحالة الأولى أصبح الكتاب موضوعًا لإجراء أمني قبل أن يصل إلى القارئ، وفي الحالة الثانية أصبح احتمال قراءة الكتاب نفسه سببًا للحذر. وفي الحالتين كان الخوف حاضرًا، لا بوصفه فكرة مجردة، وإنما بوصفه عاملًا يؤثر في السلوك اليومي للسجين.
إن قيمة هذه الشهادة لا تكمن في الادعاء بأنها تقدم صورة كاملة عن سياسة النظام البعثي تجاه الكتاب أو الدين، وإنما في أنها تحفظ واقعة محددة من الحياة اليومية داخل سجن الموصل سنة 1984 وهي واقعة تجمع بين كتاب إسلامي، ومواطن أجنبي، وجهاز أمني، وسجين، واستمارة مجهولة الغرض.
وبعد مرور عقود على تلك الأحداث، أرى أن أهمية تسجيلها تكمن في أن التاريخ لا يتكون فقط من القوانين والقرارات والحروب، وإنما يتكون كذلك من التفاصيل اليومية التي عاشها الأفراد. فالوثيقة الرسمية قد تسجل اعتقال شخص أو احتجاز كتاب، لكنها لا تسجل بالضرورة شعور السجين عندما يعلم أن الكتاب الذي أُرسل إليه قد احتُجز، ولا خوفه عندما يتلقى استمارة من جهاز أمني، ولا قراره بالتوقف عن استعارة الكتب خشية تسجيل اسمه.
ومن هنا يمكن قراءة تجربة سجن الموصل سنة 1984 باعتبارها شهادة على جانب من الحياة الفكرية والأمنية في العراق البعثي. فالكتاب كان يحمل المعرفة، والسجن كان يحد من الحركة، والمخابرات كانت تمثل حضور السلطة الأمنية، والاستمارة كانت تجسد ذلك الحضور بصورة مباشرة. وبين هذه العناصر ظهر أثر الرقابة في السلوك اليومي للإنسان.
ولعل المفارقة أن السجن، الذي كان مكاناً لتقييد حرية الإنسان، كان يحتوي في الوقت نفسه على مكتبة تمنحه فرصة للتفكير والقراءة. لكن الخوف من الرقابة كان قادرًا على تقييد هذه المساحة أيضًا. وفي تجربتي الشخصية، لم يكن الأمر متعلقًا بفقدان الرغبة في القراءة، وإنما بالحذر من أن تتحول القراءة نفسها إلى معلومة يمكن أن تُستخدم ضد السجين.
وبذلك فإن "تفهيم القرآن" لم يكن بالنسبة إليّ كتابًا قرأته في السجن، بل كتاباً لم أصل إليه أصلاً، بقيت صورته في ذاكرتي كما كانت: أربعة مجلدات بحلة قشيبة، ومعها قلم "باركر 54"، أُرسلت إليّ ثم احتجزتها المخابرات العراقية قبل أن تصل إلى يدي. أما الذي وصل إليّ فعلاً فكان الاستمارة الأمنية، والتي رفضت توقيعها.
وهذه الدقة في وصف الواقعة مهمة؛ لأن قيمة الشهادة التاريخية لا تأتي من المبالغة، وإنما من التمييز بين الكتاب الذي وصل فعلاً، والكتاب الذي كان في طريقه إلى السجين ثم احتُجز، وبين الوثيقة التي وصلت إليه ورفض توقيعها. ومن خلال هذا التفصيل يمكن فهم العلاقة بين الكتاب والرقابة والخوف بصورة أكثر دقة.
وهكذا يصبح "الكتاب خلف القضبان" وثيقة من نوع خاص؛ فهو ليس وثيقة رسمية صادرة عن أجهزة الدولة، وإنما شهادة إنسان عاش تجربة السجن وتذكر كتابًا لم يصل إليه، واستمارة رفض توقيعها، ومكتبة توقف عن استعارة كتبها خوفًا من أن يتحول اسم القارئ إلى معلومة أمنية. وإذا ما قُرئت هذه الشهادة إلى جانب الوثائق والدراسات التاريخية، فإنها يمكن أن تسهم في كتابة تاريخ اجتماعي وفكري للسجون في العراق، وتوضح كيف كانت الرقابة لا تمارس فقط من خلال المنع الصريح، وإنما أيضًا من خلال الخوف، والحذر، وتسجيل الأسماء، والامتناع الذاتي عن القراءة.
إنها في النهاية شهادة على مرحلة عاشها العراق في ظل نظام البعث العربي الاشتراكي، وعلى تجربة شخصية داخل سجن الموصل سنة 1984، شهادة لا تدعي الإحاطة بكل سياسات النظام، ولا تجعل من تجربة واحدة دليلًا على كل شيء، وإنما تكشف جانباً من طبيعة الرقابة الفكرية والأمنية الصارمة التي فرضتها السلطة على المجتمع. فقد امتد تسلط حزب البعث إلى الحياة الثقافية والفكرية، فخضع الكتاب والمؤلفون والمكتبات لمتابعة ورقابة أمنية، وأصبح تداول بعض المؤلفات أو الاطلاع عليها محفوفًا بالحذر والخوف، ولا سيما ما يتصل بالفكر الإسلامي والتيارات السياسية المعارضة. وهكذا تكشف التجربة الشخصية داخل السجن عن أجواء أوسع كان فيها الكتاب وسيلة للمعرفة، لكنه أصبح في الوقت نفسه موضع اشتباه ومراقبة، وأصبح المؤلف والقارئ عرضة للمتابعة حين تتعارض أفكاره أو اختياراته الثقافية مع توجهات السلطة.



