منذ أن أعلنت المعارضة السورية المسلحة التوجه إلى المدن بهدف تحريرها من النظام وتمركزت في الأحياء السكنية بين المدنيين من الأطفال والنساء مستثنية مركز تواجد النظام في دمشق مستقوية ببعض الوعود الدولية الخجولة ومتسلحة بأسلحة خفيفة حصلت عليها من بعض الجهات التي سرعان ما تراجعت عن مواقفها، مقدمة مصالح دولها على دماء السوريين. من يومها، هُزمت الثورة وسقطت في مراهنات الجهلة بالسياسة والعسكرة وفي مراهنات تجار القضية ممن لا زالوا يبيعون الأوهام دون حياء، ويقبضون ثمن دماء السوريين.
لماذا يصعب علينا أن نواجه الحقيقة المرّة ونعترف لمرة واحدة بأن الثورة هزمت حين سلّمها السوريون للفصائل الإسلامية وحين صارت جبهة النصرة حامل لواء الثورة وجعلت المدن قواعد عسكرية ولم يعد إسقاط النظام في (المهاجرين) هو هدفها بقدر السعي إلى السيطرة على قرية أو بلدة أو مدينة أو حتى مزرعة هنا وهناك ومن ثم إقامة أشكال من السلطة مستوردة من فكر الداعمين لها، سلطة لا تشبه سلطات بلدان أولئك الداعمين وبالطبع هي لا تشبه أحلام السوريين بشيء. أقامت المعارضة في مناطق سيطرتها سلطات ديكتاتورية أسوأ من تلك التي تمردت عليها، لا مكان فيها " للحرية" الموعودة، بل هي أقرب لمناطق منكوبة يحاصرها الفقر والمرض والجهل وضياع أجيال من الأطفال والشباب، محاصرة بكل ما للكلمة من معنى، رهينة لأهواء كتائب إسلامية متناحرة. تحرر وتنسحب بأوامر (السبونسر) الذي يرعاها. بهتاناً، سميت مناطق محررة. سكان هذه المناطق أناس لا حول لهم ولا قوة تعايشوا مع الموت والدمار الذي لا يتوانى النظام بإرساله عبر براميل مغلفة بأحقاد تكفي لانهاء الأخضر واليابس.
تحولت البلاد إلى خراب بين محرر ومحتل، بين تطهير وسقوط .. مصطلحات خادعة مضللة يهلل لها مؤيدو كلا الطرفين في غفلة من عقلهم وتغيّب حسهم الإنساني بأن بين التحرير والسقوط يهلك وطن، يباد شعب، يموت أطفال، تغتصب نساء. بين تحرير وسقوط، تفرغ البلاد إلا من ركام وحجارة، يشرّد السوريون في مخيمات لا كرامة لهم فيها، يذلّون على حدود الدول. تتحول صور ذلّهم إلى مادة لتجار السياسة والحروب، يتحول موتهم إلى مادة لمنظمات حقوق الانسان (عدادات الموت).
هل عاشت المعارضة وهمَ السيطرة على مدينة كحلب ولم تتوقع كل هذا الرد المدمر من طيران النظام؟ وهل فكرت المعارضة بأولئك المحاصرين في الأحياء الشرقية وأي مصير ينتظرهم .. الآلاف وبعد أربع سنوات من الحصار يفرون تاركين بيوتهم إلى مناطق النظام كالمستجير من الرمضاء بالنار.
ولى عهد الرومانسيات الثورية.. فإرادة الشعوب ما عساها أن تفعل أمام هذا التحالف الغريب لكل قوى الخير والشر لتدميرها .. أمام تخاذل وصمت دولي لم يسبق أن حدث عبر التاريخ كما يحدث ومنذ ستة أعوام مع السوريين. أمّا اليوم، فالسؤال المطروح هو من يمثل إرادة السوريين؟ من يمثل صوت الثورة التي كبرت في ضمائر الأحرار لعشرات الأعوام قبل أن يعلنوا عن أول صرخة حرية في وجه الاستبداد. أي فصيل سياسي. أي فصيل عسكري يحرس أحلام السوريين ؟
!
يقال أن عمر الثورات طويل وتحتاج إلى الكثير من الوقت والتضحيات قبل قطف ثمارها. أما بالنسبة للسوريين فأن الوقت كفيل فقط بإنهاء ما تبقى من الحجر والبشر. في ظل المتغيرات الدولية والتحولات السياسية لمواقف معظم الدول "الصديقة". ببساطة، نال السوريون ما نالوا خلال الأعوام الستة من دعم من سمّوا أنفسهم أصدقاء سوريا. فما عساهم أن ينالوا بعد أن تملّص الجميع من التزاماتهم الأخلاقية، لابل صادق معظمهم النظام متذرعين أن الأولوية لمحاربة الإرهاب! يا لتعاسة السوريين على هكذا أصدقاء. ويا لخيبة السوريين بهكذا معارضة لم تستطع حتى الاحتفاظ بأصدقاء الأمس. فأي انتصار هذا الذي يدفع ثمنه الفقراء ممن صمد في أحياء وبيوت لا تشبه البيوت من جراء القذائف والرصاص الذي ينهال عليها كل يوم.
المعارضة تدرك تماماً أن هذه الانتصارات الآنية من كرّ وفر لن تنهي النظام ولو استمرت الحرب لمئة عام مادامت روسيا وإيران دخلتا الحرب بشكل مباشر وبما تملكان من أسلحة حديثة وفتاكة. ولعل توقيع اتفاق الهدنة لوقف إطلاق النار الشامل على جميع الآراضي السورية بضمان روسيا وتركيا، كان أفضل ما قامت به المعارضة حقناً لمزيد من الدم السوري. سيكون المستفيد الأكبر من هذه الهدنة هم أولئك السوريون القابعون تحت رحمة النار والدمار.
مهما يكن، الانتصارات العسكرية ليست سوى هزائم إن لم تستثمر سياسياً وبالاتجاه الصحيح. فالمحامي الفاشل يخسر قضية عادلة. ولا شك أن قضية السوريين هي قضية عادلة.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



