قسّمت أقدار سايكس بيكو بلاد الكورد بين جهات أربع. شمال تركي وشرق فارسي وجنوب عراقي وغرب سوري..
منذ نهضة الشعور القومي الكوردستاني لدى كورد هذه الجهات الأربع وبعد اصطدامهم بجدران الحدود المصطنعة التي بُنيت بين تواصلهم الطبيعي مع عائلاتهم التي بترتها أنصال تلك الحدود وعساكر حكومات ديكتاتوريات اختلفت على كل شيء إلا على العداء للكورد. وبعد نمو الوعي القومي و تشكل الحركات السياسية الكوردية في بدايات القرن العشرين أسوة بباقي شعوب المنطقة. بدأ الحلم الكوردي، بوطن يجمع أشلائه الأربع، ينمو ويكبر بين النخبة من المجتمع الكردي المسيسة والمثقفة. بالطبع كانت سياسات القمع والظلم الذي تمارسه الحكومات المتتالية في الدول الغاصبة لكوردستان تروي تربة ذلك الحلم ليمتد بجذوره إلى العامة المسحوقين من الكورد الذين بدورهم لم يخفوا رفضهم للظلم بسبب انتمائهم القومي وعبروا عن مأساة تقسيم وطنهم في محاكاة مع الجهات التي تواطأت مع المحتلين وصارت الجهات مادة للشعراء والأدباء الكورد للتعبير عن القدر السيئ الذي شتّت حلمهم في مهب الجهات.
للأسف استخدمت فئة سياسية كوردية لعبة الجهات للتلاعب بمشاعر البسطاء وابتزاز المزيد من مشاعر هؤلاء البسطاء في خدمة مشاريعهم السياسية الحزبوية. أطلقوا اسم روجآفا على الجزء الغربي من كوردستان الملحق بسوريا، روجآفا هذا المصطلح الضبابي الالتباسي، الذي لم يقصد مطلقوه سوى بيع المزيد من الأوهام لأناس اعتقدوا أن حلم وطن حر يطرق عليهم الباب.. ففي الأساس لم تكن التسمية تشي عن مشروع كوردي بأي شكل من الأشكال ولم تكن تمت بصلة إلى خصوصية كوردية لا شكلاً ولا مضموناً. فلما نأسف ونستغرب اليوم بتغييره!
إن ما تتخبط في طرحه هذه الفئة السياسية ( حزب الاتحاد الديمقراطي ) منذ أن ولّت نفسها وصياً على الكورد السوريين، من تسميات مختلفة على مناطق الكورد في سوريا وعلى شكل سلطتها في هذه المناطق، فمن لجان شعبية لحماية الأحياء إلى إدارة ذاتية مؤقتة ثم كانتونات ثم فيررالية روجآفا وبعدها فيدرالية روجآفا وشمال سوريا، الأمة الديمقراطية وأخيراً تسقط روجآفا لتتحول إلى اتحاد شمال سوريا، الحقيقة كل هذه التسميات تدور في فلك واحد ولم يتغير مشروعهم من البداية وحتى هذه اللحظة. المشروع الذي هو في الجوهر النيابة عن النظام في إدارة المناطق الكوردية إلى أن يفرغ هذا الأخير من حربه على المعارضة في باقي المناطق السورية. ولا ضير أثناء القيام بمهمة الإدارة تلك من إقامة دكتاتورية استبدادية صغيرة على مقاس الكورد وحدهم والاستمتاع بدور دكتاتور مسخ من خلال تصفية كل مشروع كوردي وكل إرث كوردي وكوردستاني من وجدان الناس ابتداء بالعلم الكوردي المتعارف والمتفق عليه كوردستانياً مروراً بالرموز الكوردية التاريخية التي طالما كان لها مكانة واحترام في الذهن الشعبي الكوردي وإلى منع إحياء المناسبات التي لا تعزف على وتر أمتهم العجائبية. تحت طائلة الاعتقال والنفي والقتل. واتباع سياسة كم الأفواه وقمع الحريات والاعتقالات التي تفوقت في كمها وشكلها على زمن حكم البعث. ناهيك عن تدجين المجتمع وتحويله إلى قطيع من المؤيدين والمناصرين لكل ما يصدر منهم دون جدال أو نقاش. وبث ثقافة قوامها شعارات ومصطلحات مستوردة من مستنقعات الايديولوجيا الاشتراكية التي عفا عليها الزمن وأثبتت فشلها بجدارة.
ليست المشكلة مع ما يطلق من تسميات مادام الجوهر يقوم على إلغاء هويتك القومية والإنسانية والوطنية. مادام مشروعهم لا يهدف لبناء وطن بل هدفه تحطيم الإنسان ممن بقي في الوطن مرهونا بإرادته ولقمة عيشه. شمالكم الذي يصادر أحلامنا لا يختلف عن غربكم الذي تحول إلى معتقل تحرسونه بدماء الشهداء.
طالما كان جنوبنا وغربنا شمالاً لغيرنا، وشمالنا جنوباً لهم.. لم تغير لعبة الجهات حقيقة أننا كورد لنا حلمُ أن نغني ونرقص ونبكي ونكتب ونموت بكورديتنا.. ونسمي الجهات كما سمتها أمهاتنا. لن نضيع في متاهة الجهات بعد الآن فللشمس جهة واحدة لن نخطأها.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



