بعد كل هذا الضجيج الذي رافق انتخاب دونالد ترمب رئيساً لأمريكا، وبعد كل ما قيل وسيقال عن شخصية اكثر رؤساء العالم اثارة، تصبح مهمة التنبؤ بسلوك الرجل اكثر من صعبة، لاسيما على مستوى أدائه في ملف السياسة الخارجية الذي يهمنا اكثر من الشئون الامريكية المحلية.
ومن المعطيات المتاحة يمكن رسم الملامح العامة لما قد يقدم عليه الرجل الأول في امريكا خارجياً بما يلي :- نموذج ترمب المتطرف والمستهتر سيتكرر وبسرعة في الانتخابات القادمة في اكثر من دولة أوروبية، وبالتالي لن يكون الرئيس الامريكي الجديد حالة فريدة او غريبة، سيفوز مشابهون له ولخطابه في الانتخابات الرئاسية القادمة في اكثر من دولة اوربية، ترمب موضة أمريكية واوربا اعتادت تقليد الموضات الامريكية.
- ترمب لا يخفي اعجابه بالرئيس الروسي بوتين، وروسيا التي وصفت بأنها أكثر المستفيدين من نتائج الانتخابات الامريكية الاخيرة ستعمل على اعادة رسم خريطة العلاقات الدولية وفق معطى جديد، سيعيد الى حد ما رسم صورة العلاقات الدولية، سنرى (تنسيقاً) أمريكياً روسياً في مجمل الملفات الدولية، يدشن من خلاله الطرفان حقبة جديدة في العلاقات الدولية.
- ايران اكثر المحتفين (ضمناً) في منطقتنا بفوز ترمب، لن يكون سهلاً على الرئيس الجديد (الذي لم يسبق له على الإطلاق تولي اي منصب حكومي) الغاء الاتفاق النووي الذي وقعته ادارة اوباما مع طهران، فهو اتفاق أقره مجلس الأمن الدولي بموجب القرار رقم ٢٢٣١، وكفله كل من الاتحاد الأوربي وروسيا والصين، وفي كل الأحوال فإن ايران تعول هنا على عامل الزمن الذي سيحتاجه ترمب لترتيب أولوياته، فضلاً عن قلة خبرته في السياسة الخارجية التي سيحتاج فيها الى الكثير من الوقت قياساً الى منافسته السابقة هيلاري كلينتون التي كانت وزيرة خارجية سابقة وجزء من ادارة حاكمة، وبالتالي سيكون لدى ايران المزيد من الوقت لإكمال مشاريعها في المنطقة الى ان يلتفت اليها الرئيس الجديد.
- لن يبتعد ترمب كثيراً عن رؤيته الاقتصادية كرجل اعمال ناجح في التعامل مع دول الخليج التي طالما ردد في حملته الانتخابية أنه لا ينظر اليها كدول وانظمة ومؤسسات، بقدر ما هي عبارة عن آبار نفط يجب اعادة استثمارها بشكل اكثر فائدة للشركات الامريكية، لكن بطبيعة الحال سيصطدم بــ (لوبي) المال السعودي النافذ الى حد ما في دوائر صنع القرار الامريكي في الكونغرس ووسائل الاعلام الامريكية، وفي العموم لن تتغير معادلة التعامل الامريكي الخليجي كثيراً عما هو متوارث، ترمب سيضغط ودول الخليج ستستجيب ولكن في إطار مقبول (وان على مضض) للطرفين مع الأخذ بعين الاعتبار ان دول الخليج لن تتعاطى كمنظومة موحدة مع هذا التحدي، بل ستحاول كل دولة مواجهته بطريقتها كل حسب نسبة تأثرها بالضغوطات.
- في سوريا، المتوقع ان تنعكس الرؤية الروسية على القرارات الامريكية المقبلة في ظل ادارة ترمب ولكن ليس الى المدى الذي قد يراه بعض المتفائلين، في النهاية الأزمة السورية مستفحلة ومتداخلة حد ان اضعف الأطراف فيها يمكنه ان يقلب المائدة على الجميع، للاسف لا حلول وردية قريبة المنال لمستنقع الدم السوري، وليس امام ترمب أو غيره بدائل كثيرة، معادلة اما الأسد او المعارضة ستظل مطروحة خلال الأمد المنظور .
- العراق، اكثر الساحات فوضوية وتداخلاً، لن يتمكن ترمب من وضع بصمته عليها من دون تصفير مشكلات وازمات الإقليم، وبالتالي لن يشهد العراق تغيراً درامتيكياً ملحوظاً، لكن الانتخابات البرلمانية العراقية المقبلة وهي الاولى في عهد ترمب ستمثل اول اختبار جدي للكيفية التي سيتعامل بها الجمهوريون (بوجههم الجديد) مع الملف العراقي، وقبلها ينتظر ترمب استحقاق التعاطي عراقياً مع معطيات ما بعد معركة الموصل ومواقف كل المتخندقين بعد انقشاع غبار هذه المعركة، لكن وبغض النظر عن كل شيء، يظل العراق اثقل تركات السياسة الخارجية الامريكية، وأكثرها مدعاة للحرج داخلياً وخارجياً، فالغزو الامريكي المباشر لهذا البلد تحت حكم الجمهوريين لم يقدم (وكما هو معلوم) ولو بالحد الأدنى ما يمكن البناء عليه وتسويقه للرأي العام، بل على العكس تماماً اصبح هذا البلد مادة انتخابية "يلوكها" خصوم الجمهوريين في مناسبة وغير مناسبة، وهو أمر يدركه جيداً ساسة العملية السياسية، الذين اعتادوا اللعب على مختلف الحبال، فلن تكون مفاجأة لأحد ان يغادر كثير من هؤلاء الساسة الجيب الإيراني ليقفزوا في جيب ترمب، سيراقب هؤلاء عن كثب البوصلة الامريكية وسيَبدون اكثر جرأة في مجاراتها، سيقّدم كثير منهم أوراق اعتماده مجدداً لدى السفير الامريكي في بغداد، وستصعد خلال الفترة المقبلة أسهم اسماء بعينها معروفة بتماهيها مع المشروع الامريكي، وقد تستظل خلفها اسماء اخرى معروفة بايرانيتها.
عموماً، صدمة ترمب سيتم امتصاصها مع مرور الوقت، كلٌ حسب امكانياته ومطاولته واوراق اللعب التي يمتلكها، ترمب بالتأكيد موجة عاتية مغفل من يضع نفسه أمامها، لكن وحدها الشعوب الحية والأمم الحرة الموحدة ستضع مثل هذه الظواهر المنفلتة خلفها وتواصل مسيرة نموها وتطورها، وستجبر ترمب وغيره على التعامل معها بالاحترام الذي تستحقه.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



