الموصل آخر المدن الرئيسة التي يحتفظ بها داعش في العراق وهي جائزته الكبرى خلال حملته الخاطفة التي سيطر فيها على اجزاء واسعة من البلاد في حزيران (يونيو) ٢٠١٤ وانطلق منها ليبسط همجيته على نحو ثلث مساحة العراق.
وبعيداً عن الدعاية الحكومية الممجوجة التي تبسط الامر بدواعش اجانب سيفرون الى سوريا ودواعش عراقيين سيحلقون لحاهم ، ما ينتظر الموصل (المدولة تاريخياً) اكثر تعقيداً مما تحاول أطراف السلطة تسويقه ،ولنراجع المعطيات التالية:
- في البدء ،لا مصلحة وطنية في بقاء احتلال عصابات داعش الإرهابية لواحدة من حواضر هذه الأمة ، نينوى بعمقها وحاضرها وديموغرافيتها قلعة بهية من قلاع هذا الوطن ، وكل المخلصين يتمنون لحظة الخلاص الوطني لهذه المدينة العظيمة وكل قطرة دم غالية ستراق في ملحمة تحريرها هي نبراس شرف وعز تساوي الدنيا وما فيها.
- ساعة الصفر لانطلاق عملية تحرير الموصل تتنازعها أطراف عدة والعبادي لا يمتلك - سوى إعلامياً - قرارها ،حتى ان شخصيات عسكرية مؤثرة تشكك ضمناً في مجالسها الخاصة بامكانية بدء المعركة قريباً.
- تكتيكات داعش في أماكن اخرى كالأنبار وصلاح الدين تشير الى انه يعتمد على محاولة إيقاع اكبر الخسائر في صفوف المهاجمين ثم يلوذ بالفرار ولا يصر على مسك الارض ،لكن مع الذيل الاداري والبيروقراطي الذي اوجده التنظيم المتطرف في الموصل وهي آخر ملاذاته الكبيرة في العراق ،قد يكون من الصعب عليه اعتماد ذات التكتيك ما يعني انه سيفكر بأساليب اخرى ،صحيح انه بدأ يرحل عوائل قياديه الى الرقة وصحيح انه ترك أساليب استعراض القوة التي عرف بها من الخروج بمواكب طويلة في الشوارع وغيرها وصحيح ان عناصره قللت تواجدها على الارض ،وصحيح ان الضربات الجوية أفقدته الكثير من قوته ،لكن سيكون خطأ استراتيجياً التعاطي مع معركة الموصل كتحصيل حاصل .
- لوجستياً الموصل اكثر تعقيداً من الفلوجة ،الاولى تمثل للتنظيم مقر صنع القرار والثانية المعقل العقائدي ،صنع القرار ترتبط به مؤسسات وأشخاص وأدوات ومصالح بدأت باعلان (دولة إسلامية) قاسية ودموية وقد لا تنتهي الا بسايكس بيكو جديدة.
- الطرف الامريكي المضغوط انتخابياً اكثر المتحمسين لطي صفحة داعش ولو إعلامياً ،لكن الحسابات الامريكية على طريقة انسحابهم من العراق في سنة ٢٠١١ لا تعني شيئا ، داعش العقيدة الموتورة والمتطرفة لن تختفي بحلق اللحى وارتداء الجينزات ،لا يهم الأمريكان سوى ان يقولوا لناخبيهم ان داعش لم يعد مسيطراً على الموصل .
- السلطة المرتبكة التي تتنازعها أطراف علنية ممثلة بالعبادي وأخرى تعمل في الظل بزعامة المالكي وما يرتبط به من ميليشيات ،غير مؤهلة لان تقدم نفسها بديلاً وطنياً لأهالي الموصل المثخنين بجراحات داعش وذكريات الاقصاء والفوقية للمؤسسة الفاسدة التي كانت تدير المحافظة قبل سيطرة التنظيم المتطرف .
- الحدود التي رُسمت بالدم كردياً والتي تمثل للأقليم خطوط دفاع أولى ، هي في صميم استحقاقات مرحلة ما بعد داعش ، حتى أن رئيس اقليم كردستان لم يتوان عن التذكير ومن بغداد بأنه من المهم للجميع " تحديد الأولويات فيما يتعلق باستعادة مدينة الموصل".
- الحديث المتواتر عن تقسيم نينوى يشير أيضاً الى نوع آخر من الضبابية حول مستقبل المدينة ومصير اهلها النازحين منهم أو الذين اجبروا على البقاء ،لا يعني شيئاً على الإطلاق قرار مجلس النواب بهذا الشأن ،انه قرار دعائي محض لن يصمد امام استحقاقات الأمر الواقع .
- واهم من يظن ان تركيا ستسحب قواتها بعد خروج داعش من الموصل ،الأتراك جاءوا ليبقوا .
- ايران بالطبع في قلب هذه المعضلة الكبرى ، ممثلوها من السياسيين والقوى المسلحة لا يتقنون سوى ذات التكتيكات المعروفة ايرانياً في التعاطي مع مثل هكذا مواقف ،صحيح ان الكثير من أهالي الموصل أصبحوا يعتبرون نار الميليشيات أهون عليهم من (جنة) داعش ،الا ان خطأ كبيراً ستقترفه طهران لو كررت ذات القراءة المغلوطة للموصل وأهلها .
- انتهاء حكم داعش لمدينة كبيرة كالموصل ،لا يعني اختفائه للأبد ، داعش لم تقبض على المدينة المترامية الأطراف بجنود من السماء ، ما مصير هؤلاء ؟ ما مستقبلهم ؟ لا احد يمتلك اجابة عملية لهذا السؤال الكبير.
- الحكومة المحلية للموصل تمتلك تصوراً (نعم) ، ولكن عن مشاريع اعادة إعمار وهمية قبضت منذ الان حصتها فيها.
- هل تلاحظون معي اختفاء الحديث عن اسباب سقوط الموصل ؟ أليست مراجعة الأسباب ومحاسبة المتسببين هي نقطة الشروع المثلى لأي حل حقيقي ؟
في المحصلة ، لا تحفظ الذاكرة الجمعية للعراقيين تداخلاً مخيفاً كالذي نحن بصدده في الموصل اليوم ، لكن ما قد يتفق عليه الكثيرون هو ان نينوى حزيران ٢٠١٤ لن تعود ... للاسف الشديد أصبحت جزءاً من الماضي ، (أنهم) يحضرون لنينوى اخرى ، نعم معركة تحرير الموصل وشيكة ، هذا ما يردده الجميع ولكن عن اي تحرير يتحدثون ؟!
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



