منذ نحو شهرين وأكثر ، ازدادت بشكل ملحوظ جرائم الخطف في بغداد وتحديداً في مناطق جنوب وشرق العاصمة في ظل تعتيم كامل ،لا وسائل اعلام تتحدث ولا منظمات حقوقية تصدر بيانات ولا أحد يجرؤ على رفع صوته للحديث عن عمليات خطف وسرقة وقتل منظمة لا يكاد يمر يوم دون ان يتحدث أهالي تلك المناطق همساً عن خطف هذا التاجر أو ذاك الوجيه أو ذلك العائد لزيارة أهله من الخارج ،حكايات ألم يومية يتداولها ذوو الضحايا مع المقربين لهم خوفاً من ان يلحقوا بمن سبقوهم من المخطوفين او المقتولين .
ومع استمرار التداعي الأمني في بغداد ومعظم أنحاء البلاد ،فإن تواتر الأحاديث الخفية هذه الأيام عن اتساع الجريمة المنظمة في مناطق بعينها يثير الكثير من التساؤلات:
- من يمسك الأرض في بغداد عموماً ومناطق شرقي العاصمة (مربع الخطف) والمعروفة إدارياً بشرق قناة الجيش (الامين ،الفضيلية ،البلديات ، الصدر ، الشعب ، وحي اور) هي جماعات عنفية معروفة بأسمائها وبزعاماتها وبعدتها وعديدها ،اي ان لا وجود عملياتياً للشرطة المحلية او غيرها ،الممسك بالملف الأمني بشكل كامل في هذه المناطق هي الجماعات المسلحة التي لا يمكن لأي قوة امنية حكومية مزاحمتها ،ولم يمر وقت طويل على اشتباك دام لعناصر احدى هذه الجماعات مع قوات من الشرطة في منطقة الفضيلية جنوب شرق العاصمة.
- لم تتمكن السلطة الحاكمة طيلة أكثر من ثلاثة عشر عاماً من كبح جماح الجريمة المنظمة بل أنها وفرت للعصابات والمجرمين بيئة مشجعة لممارسة الإجرام والبلطجة على هذا الشعب المظلوم من خلال استمراء هذه السلطة لكل انواع الفساد والرشوة والمحسوبية وتعيين اصحاب السوابق في مناصب أمنية رفيعة وإخضاع المؤسسات الأمنية للمحاصصات المذهبية والحزبية ،لقد قدمت هذه السلطة ومنذ استيلائها على مقاليد الأمور في البلاد كل أسباب انتعاش الجريمة المنظمة الى الدرجة التي يمكن ان تكون فيه بمنزلة المتستر على الجريمة ان لم تكن شريكاً فيها.
- ان الصمت وتجنب الحديث عن الازدياد الصارخ في أعداد المخطوفين في الآونة الاخيرة الى درجة التعتيم إعلامياً على هذه الجرائم ،يدفع الى الإشارة بأصابع الاتهام (صراحة ودون أدنى لبس) الى تورط الجماعات المسلحة المسيطرة على الارض والمعروفة بتخويفها للجميع مواطنين ومؤسسات حكومية ووسائل اعلام ومؤسسات مجتمع مدني ،وإلا لماذا يخاف الجميع من مجرد الحديث عن هذا الموضوع؟
- هذه الجماعات المنفلتة من اي عقال هي أدنى قيمياً حتى من شقاوت محلات بغداد أيام زمان الذين كانوا يترفعون عن ممارسة أفعالهم داخل محلاتهم السكنية ،هذه الجماعات فضلاً عن كونها لا تحمي المناطق التي تسيطر عليها فهي تطلق أيدي عصابات الاجرام والخطف فيها مخالفة بذلك حتى أعراف وتقاليد رجالات المافيا الذين يتفاخرون بحماية مناطقهم.
- لطالما أعلنت وزارة الداخلية عن إلقاء القبض على من تسميهم منتحلي صفة الانتماء الى جماعات مسلحة معروفة وهم متلبسين بالجرم المشهود ،أين هم الان ؟ ماذا حل بهم ؟
- كيف يمكن لأي عاقل ان يستبعد فرضية تورط هذه الجماعات المسلحة في استشراء الجريمة المنظمة في بغداد التي يقول رئيس الوزراء الحالي في تصريح شهير ،ان فيها اكثر من مئة ميليشيا مسلحة ؟
- أكيد ان صورة المشهد السياسي العراقي المرتبكة حد الفوضى تجعل من بقاء وزارة أمنية مهمة كوزارة الداخلية من دون وزير كل هذه الفترة يبدو وكأنه أمر طبيعي ،لكن منطقياً لابد وان تكون له علاقة من نوع ما بازدياد حالات الجريمة المنظمة ،فالجميع في عراق العملية السياسية يلعب بالورقة الأمنية ليحقق مكاسب سياسية.
اخيراً ، بات واضحاً بما لا يقبل الجدل ان أمن العراقيين يتاجر به السياسيون وزعماء الحرب المدعومون من الخارج ويتنافس على العبث به الارهابيون من جهة والعصابات الميليشاوية من جهة ثانية .
لقد تخلى الجميع عن العراق وتُرك ليواجه قدره لوحده ،لا ناصر له بعد الله سوى المخلصين من ابنائه ،كلهم برغم اختلافاتهم وتقاطعاتهم اتفقوا على أضعافه وتركه لقمة سائغة لعتاة المجرمين وارباب السوابق ،لكن فاتهم ان لحم العراق مر وانه سيعود معافى وعزيزاً ومهاباً ،هذا هو ديدن الامم العظيمة والعراق أعتقها ،قد يعيث قطاع الطرق والمجرمون فساداً لكنهم في النهاية سيُهزمون ،ولو بعد حين ...ولو نفد صبرنا ... يقيناً سيُهزمون.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



