مهما تكن حيثيات الخلاف الإيراني السعودي المتصاعد والذي اتخذ هذه المرة من موسم الحج مسرحاً له ، ومهما تكن خلفيات الصراع بين هاتين القوتين الإقليميتين (في غياب العراق) ، فإن مراجعة تاريخ العلاقات بين طهران والرياض وحاضرها وطبيعة التكتيكات التي تستخدمها هاتان الدولتان في صراعهما الممتد لعقود طويلة والذي تتخلله فترات تهادن وتصالح (كتلك التي رافقت غزو العراق في ٢٠٠٣ وما تبعها من زيارات متبادلة على اعلى المستويات توجت بزيارة الرئيس الإيراني السابق احمدي نجاد الى الرياض اكثر من مرة) ،لا بد وان تكون مراجعة واعية اساسها ان لكل من هاتين الدولتين مصالحهما العليا وان كل من يسبح في فلكهما ليس سوى اداة من ادوات الدفاع عن هذه المصالح .
ومن هنا ، وعراقياً ارى ان التعاطي مع تصاعد الصراع الإيراني السعودي هذه الأيام يفترض ان يأخذ بعين الاعتبار الإجابة على تساؤلات من قبيل :
- هل يمكن للسلطة في العراق ان تتخذ موقفاً محايداً ،فلا مصلحة لنا في الاصطفاف مع اي من هذين المتصارعين لأسباب عدة أهمها ان كليهما ظل يعبث بأمن العراق واستقراره لسنوات ،وحول بلدنا الى ساحة لتصفية الحسابات ؟ (موقف العراق في اجتماعات الجامعة العربية الأخيرة لا يوحي بهذا )
- هل يعي المهيمنون على مقاليد الأمور في البلاد ان مصلحة العراق اليوم هي في انكفاء وتراجع كل من هاتين القوتين ، ليكون المشهد الإقليمي مهيئاً لاستعادة العراق لدوره في الإقليم والعالم ؟ ( تبعية الزعامات والأحزاب والتيارات المسيطرة على الساحة السياسية في العراق الى الخارج سيدفعها سريعاً لإعلان اصطفافها الأعمى مع كل من طرفي الصراع )
- هل يمكن للسلطة في العراق ان تكبح جماح الجماعات المسلحة التي تعلن صراحة (وبكل فخر) ارتباطها عقائدياً وتنظيمياً وتمويلياً مع ايران ، وتمنعها من اتخاذ خطوات تستفز السعودية لمصلحة ايران وعلى حساب العراق؟ (كل الوقائع تشير الى ان هذه الجماعات هي فوق سلطة الدولة وتتلقى تعليماتها من ايران مباشرة)
- هل تقوى المؤسسات الواهية التي أنتجتها العملية السياسية المشئومة على ضبط إيقاع احزاب وتيارات وشخصيات سياسية مُمثلة في الحكومة ومجلس النواب ستسارع لإعلان تأييدها للموقف السعودي نكاية بإيران ؟ ( دولة بكل هذا الهوان والانفلات والفوضى وتحكمها التوازنات المذهبية والحزبية لا يمكنها ان تضبط نائباً او سياسياً عن إطلاق تصريح هنا او هناك)
- حتى لو افترضنا جدلاً (وهو أمر مستبعد) ان العراق استطاع ان ينأى بنفسه ولو مؤقتاً عن هذا التنازع على النفوذ والأدوار بين ايران و السعودية ،فألى اي مدى يمكن لهذه الطغمة السياسية ان تصمد ؟ (لا تملك المجموعة المهيمنة على حكم العراق أي نوع من الاستقلالية في اتخاذ القرار أو الحصانة الوطنية ) .
أكثر ما نخشاه ان تلقي هذه الدورة من دورات الصراع الإيراني السعودي بظلالها السلبية على الواقع العراقي المتردي ، وان يدفع العراقيون للاسف الشديد فاتورة دم غالية اخرى (لا يمكن تجاهل استهداف الكرادة وبعدها شارع فلسطين ،الإصرار على ضرب قلب بغداد) ،لا نتمنى لإيران او للسعودية الا الخير ولكن ليصفيا حساباتهما بعيدا عن شعبنا المظلوم ،ليتنازعا كيفما يريدان في الدمام او عبادان لا في بغداد أو البصرة او الأنبار.
لا الحج شغل ايران او السعودية الشاغل ولا الدفاع عن مصالح السنة او الشيعة ،بقدر ما هو صراع إرادات ونفوذ ،لم يرمش لإيران جفن وهي تقصف البصرة ومدن جنوب العراق بشكل يومي طيلة ثماني سنوات ،كما لم تأبه السعودية لا للعراقي السني ولا لأخيه الشيعي وهي تُعبّد للامريكان طريق غزو العراق وتضفي عليه شرعية العروبة والأسلام .
ليس لكم ايها العراقيون سوى وطنكم ،عليكم به لا تفرطوا به من اجل هذا او ذاك ،حافظوا عليه حتى لو كان عليلاً فالمريض يشفى ،حتى لو تسيده الغرباء ومجهولو النسب فمآله اخيراً لكم أبنائه الاصلاء ،بعض وطن خير الف مرة من لا وطن.
عيدكم مبارك ...
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الاعلامية



