العراق بامتياز هو بلد المفاجآت اليومية الدامية ، اعتاد أهله الصدمات حتى أصبحت روتيناً يومياً ،العراقيون الذين يُصدمون كل يوم بمصيبة تنسيهم سابقتها ،اختفت لديهم مشاعر الدهشة فالعراقي لا يندهش من المتغيرات والمفاجآت شأنه شأن كل البشر لأن يومياته هي وبكل بساطة عبارة عن صدمات متلاحقة .
ومع ذلك فمفاجئة الجمعة الماضية ( ٢ أيلول ٢٠١٦) التي انهالت فيها القذائف الصاروخية على رؤوس سكان عدد من احياء بغداد ،ذكّرت البغداديين بحملات قصف سابقة لمدينتهم سواء تلك التي شهدتها حرب الثماني سنوات او أيام القصف المكثف التي سبقت غزو العراق في العام ٢٠٠٣ ، ومع ان قصف الجمعة الفائتة حمل معطىً من نوع اخر اضطر معه الكثيرون الى تجاهل الحديث عن حيثيات ما حصل ربما عن قصد وربما أيضاً خشية التطرق الى اسماء قوى عنفية نافذة، فإن من المهم توضيح ما يلي :
- ان سبب انقلاق عشرات الصواريخ والمقذوفات النارية هو حدوث انفجار داخل مستودع للاسلحة يعود لأحد الفصائل المسلحة ،وضع في منطقة العبيدي (جنوب شرق العاصمة) ذات الكثافة السكانية العالية.
- يتفق المختصون والخبراء بالعلوم العسكرية ان مستودعات ومخازن الأسلحة توضع عادة في أطراف وحافات المدن ، ولم نسمع يوماً ان جهة عسكرية في العالم كله انشأت مخزناً يحوي صواريخ في وسط مدينة بكثافة سكانية عالية كمنطقة العبيدي التي تجاورها مناطق مكتظة اخرى كالكمالية وبغداد الجديدة والمشتل ولا تبعد عنها سوى نحو بضعة كيلو مترات المنطقة الأكثر اكتظاظاً في بغداد كلها وهي مدينة الصدر .
- محاولة التقليل من حجم الأضرار والخسائر في الأرواح والممتلكات تثير الريبة ،فسقوط عشرات الصواريخ والمقذوفات النارية على منازل سكنية في منطقة مكتظة لابد وان يخلّف اكثر من قتيلين اثنين كما تحدثت رواية التلفزيون الحكومي ،فلماذا التقليل من الخسائر إذاً ؟
- الصمت الحكومي المطبق هو الآخر يستدعي عديد التساؤلات ،فلم توضح الحكومة ملابسات الحادث ولم تستدع أحداً للتحقيق ولم تعلن عن محاسبة المتسببين برغم انهم معروفون على الأقل لدى عامة الناس الذين يتحدثون في مجالسهم عن اسماء جماعات مسلحة بعينها.
- ان عملية خزن الأسلحة لاسيما الثقيلة والمتوسطة تخضع لاعتبارات فنية غاية في الصرامة يشرف عليها مختصون على درجة عالية من الخبرة والتدريب وتتطلب توفر مستلزمات وبيئة بمواصفات معينة ،وهو ما يصعب على هذا الفصيل او ذاك تدبره لاعتبارات كثيرة فهي مهمة منوطة بالقوات النظامية المدربة والدارسة لهذه الاليات.
- لا اعتقد ان تحويل بغداد بتمددها الجغرافي واكتظاظها السكاني الى برميل بارود كبير من خلال نشر عشرات مخازن الأسلحة في المناطق السكنية هي الاستراتيجية المناسبة لمواجهة عدو مجرم كتنظيم داعش الإرهابي ،تسليح العاصمة بهذه الطريقة الفوضوية وبعيداً عن ادارة وتنظيم ورقابة الدولة هو الاخر يثير تساؤلات عن دوافع مثل هذه التكتيكات والأجندات الخارجية التي تقف ورائها.
ان هذه الحادثة تندرج بالتأكيد في إطار سقوط الدولة رمزياً وعملياتياً ،فالدولة العراقية غير قادرة او هي خاضعة (والنتيجة واحدة) لنفوذ الجماعات المسلحة التي يثبت هذا الحادث بالحيثيات التي قدمناها ان هذه الجماعات هي الممسكة فعلياً بأمن العاصمة وأنها قادرة عِدة وعدداً على فرض ارادتها في الزمان والمكان اللذين تختارهما ويكون الأمر اكثر مأساوية عندما تعلن معظم هذه الجماعات جهاراً نهاراً ولائها وارتباطها بدولة إقليمية معروفة بأنها لا تريد الخير للعراق وأهله.
ليس هنالك عراقي واحد ضد اي جهد وطني لحفظ الأمن في بغداد فهي مهمة وطنية سامية ولكنها يفترض ان تناط بالدولة ومؤسساتها وفي ظل قوانينها التي لو روعيت لما سُمح لأي كان ان يخزن الأسلحة بهذه الكيفية وعلى هذا النحو المجاني الذي كان قصف الجمعة واحداً من صوره المأساوية.
لا حل في العراق سوى باستعادة الدولة على النحو المؤسسي المعروف وهو امر في غاية الصعوبة في ظل التداعي السائد الذي افرزته هذه العملية السياسية البائسة والعاجزة عن تقديم اي من صور الحل للتحديات الكبرى التي تواجهها البلاد.
عافية الوطن وأمنه وسلامة ابنائه في الدولة السيدة القابضة على مقاليد الأمور والعسكرية والأمنية في مقدمتها ،هل سمعتم عن دولة آمنة متقدمة يقودها المسلحون؟
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الاعلامية



