رووداو ديجيتال
مثل الكثير من الكويتيين، لايزال
غانم السليماني يتذكر بوضوح الدبابات العراقية وهي تجتاح مسقط رأسه، حين واجهت
دولته الخليجية الصغيرة خطر الزوال لولا تدخل القوات الأميركية لتحريرها من الغزو.
الآن، وبعد مرور عقود ومرور ستة
أشهر على الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بدأ البعض ينظر إلى تلك القوات
الأميركية نفسها باعتبارها "عبئاً" أكثر منها "ميزة"، حيث أدى
وجودها إلى وضع الكويت في مرمى نيران طهران.
منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط
لأول مرة في أواخر شباط الماضي بضربات أميركية إسرائيلية على إيران، استهدفت
الجمهورية الإسلامية وحلفاؤها الكويت بوابل متكرر من الهجمات.
شملت هذه الاستهدافات البنية
التحتية المدنية، بما في ذلك محطات تحلية المياه ومنشآت الطاقة، إلى جانب القواعد
التي تستضيف القوات الأميركية.
كما أدى إغلاق إيران لمضيق هرمز
إلى وضع الكويت، المحصورة داخل الممر المائي والتي تعتمد على صادرات النفط كمصدر
رئيسي للدخل، في وضع اقتصادي صعب.
ومع ذلك، لايزال السليماني
متمسكاً بدعمه للولايات المتحدة، حتى مع تعثر محادثات إنهاء الحرب، مما ألقى
بظلاله على الاقتصادات الخليجية.
وقال السليماني، وهو محلل سياسي،
لوكالة فرانس برس إن "هدف إيران هو استخدام دول الخليج كساحة للضغط على
الجانب الأميركي لوقف هجماته. لكن الحقيقة هي أن الرئيس الأميركي لا يبالي؛ فهو لا
يفكر في التوقف أو التراجع لمجرد استهداف الكويت".
وعلى جدران مكتبه، تتدلى صور أمير
الكويت وولي عهده إلى جانب لوحة كُتب عليها: "لا يوجد مكان مثل الوطن، ولا
وطن مثل الكويت".
دفع الثمن
في المجالس الخاصة، يبدو الكثير
من الكويتيين أكثر حدة في انتقاداتهم، رغم أن حرية التعبير محدودة في البلاد، بما
في ذلك الانتقاد العلني للشركاء الدبلوماسيين.
ووفقاً لمنظمة "هيومن رايتس
ووتش"، فإن "العديد من أحكام قانون العقوبات، وكذلك قانون الجرائم
الإلكترونية، تجرم الخطاب الذي يُعتبر مهيناً للدين أو الأمير أو الزعماء الأجانب".
وفي بلد كان فيه الشعور المؤيد لأميركا
أمراً مسلماً به لفترة طويلة، بدأ البعض يجهر بمواقف كانت "غير قابلة
للتصور" في السابق؛ مثل التساؤل عن جدوى وجود القوات الأجنبية وقرار الرئيس
دونالد ترامب بمواصلة الحرب.
تقول سيدة كويتية طلبت عدم ذكر
اسمها: "بالطبع نحن ندفع ثمن وجود القوات الأميركية". لكنها في الوقت
نفسه بدت مترددة في التفكير في بديل، وأضافت لفرانس برس أثناء شراء المعجنات
لأطفالها من "دانكن" (العلامة التجارية الأميركية الشهيرة في الخليج):
"تخيلوا فقط لو لم تكن القوات الأميركية موجودة في الكويت".
ورغم أن دول الخليج تعمل على
تعزيز تحالفاتها الإقليمية، حيث وقعت السعودية وباكستان وتركيا ميثاقاً عسكرياً،
يجمع المحللون على أن الكويت، مثل دول كثيرة في المنطقة، لا تستطيع تحمل تكلفة
التخلي عن الولايات المتحدة مع تزايد جرأة إيران.
وكانت المشاعر الإيجابية تجاه
أميركا قد تضررت بالفعل في المنطقة بسبب دعم واشنطن لحملة القصف الإسرائيلية
الدامية على غزة بعد هجمات حماس في 7 تشرين الأول 2023.
وانتشرت حملات مقاطعة الشركات
التي تُعتبر داعمة للمستوطنات الإسرائيلية غير القانونية أو الحكومة الإسرائيلية،
بما في ذلك العديد من الشركات الأميركية مثل "ستارباكس"
و"ماكدونالدز".
معضلة توازن
بعد أن حرر التحالف الذي تقوده
الولايات المتحدة الكويت في عام 1991، استقرت القوات الأميركية في البلاد، التي
باتت تستضيف واحداً من أكبر تجمعات القوات الأميركية في المنطقة، حيث تنشط في
المطارات والقواعد وميادين التدريب.
وقد أثبت هذا الوجود الكبير أنه
"هدف مغرٍ" لإيران؛ حيث أدت الهجمات الإيرانية على الكويت إلى مقتل 15
شخصاً على الأقل، بينهم ستة جنود أميركيين، وأربعة جنود كويتيين، وخمسة مقيمين
أجانب.
هذا الوضع يضع الكويت في عملية
توازن دقيقة. وقال دبلوماسي أجنبي رفيع المستوى مقيم في الكويت لوكالة فرانس برس:
"تدرك الكويت الدور المحوري لـأميركا في تحريرها من صدام حسين، لكنها تدرك
أيضاً أنها تتعرض الآن لهجوم إيراني لأنها تستضيف القوات الأميركية".
وأضاف: "المعضلة تكمن في
أنها تواجه تحديات بسبب موقعها الجغرافي وديناميكيات القوى الإقليمية، مما يجعل من
الصعب العثور على بدائل للولايات المتحدة".
في المطاعم والمقاهي والأماكن
العامة، تهيمن أحاديث الحرب على المشهد. وتبث شاشات التلفزيون تغطية متواصلة
لتطورات الشرق الأوسط، بينما تحظى تنبيهات الأخبار العاجلة بشأن إيران باهتمام
بالغ وسط مخاوف من خروج الصراع عن السيطرة.
وفي حين صرح متحدث باسم الحكومة
الأميركية لفرانس برس بأن التعاون الأمني مع الكويت لايزال قوياً، يرى ناصر الشمري
(50 عاماً) أن هذه العلاقة أصبحت مصدراً للقلق، قائلاً: "ما شهدته الكويت
مؤخراً كان صعباً في ظل وجود القوات الأميركية. استهداف المواقع التي يتواجد فيها
الأميركيون خلق حالة من الخوف والقلق بين السكان".


