رووداو ديجيتال
رأت صحيفة "ذا غارديان" البريطانية أن موجة الاعتقالات وضبط الأموال والأصول التي يشهدها العراق قد تمثل واحدة من أوسع حملات مكافحة الفساد خلال السنوات الأخيرة، لكنها أبقت الباب مفتوحاً أمام قدرة هذه الإجراءات على تجاوز ملاحقة أفراد إلى تفكيك شبكات النفوذ والتمويل المرتبطة بمؤسسات الدولة.
وفي تقرير نشرته الأحد 13 أيلول، استعرضت الصحيفة حملة بدأت باعتقال وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي، قبل أن تتسع التحقيقات لتشمل نواباً ومسؤولين وشخصيات أخرى، بالتزامن مع إعلان القضاء العراقي ضبط عشرات المليارات من الدنانير وملايين الدولارات وكميات من الذهب وعقارات ومركبات مرتبطة بالقضية.
وذكّرت "الغارديان"، بفجر 28 حزيران الذي شهد إغلاق بوابات المنطقة الخضراء وانتشار وحدات أمنية داخلها، وما تبعه من اعتقال نحو 50 شخصاً، بينهم أعضاء في مجلس النواب ومسؤولون، في إطار الحملة.
من جهته، أعلن مجلس القضاء الأعلى أن التحقيق في قضية الجميلي بدأ منذ تشرين الأول 2025، بعد ورود معلومات عن إنفاق مرشحين مبالغ كبيرة على حملاتهم الانتخابية باستخدام موارد الدولة.
وقال القضاء إن التحقيقات كشفت لاحقاً عن تورط أعضاء في مجلس النواب في استغلال موارد الدولة لأغراض انتخابية والاستفادة بصورة مباشرة أو غير مباشرة من عقود حكومية للحصول على عمولات ومنافع شخصية.
القضية اتسعت لاحقاً لتشمل أموالاً وأصولاً ضخمة. وأعلن القضاء في مراحل مختلفة ضبط ملايين الدولارات وعشرات المليارات من الدنانير، إلى جانب عقارات ومركبات وكميات كبيرة من الذهب، فيما عُثر على أجزاء من الأموال مخبأة في منازل ومزارع وجدران.
في تموز، أعلن القضاء استرداد 358 كيلوغراماً من الذهب بالتنسيق مع سلطات إقليم كوردستان، إضافة إلى كميات أخرى ضُبطت في سياق التحقيقات، كما حُجزت عقارات ومنشآت تجارية ومعامل قُدرت قيمتها بعشرات المليارات من الدنانير.
لكن "الغارديان" ذهبت أبعد من الأرقام الرسمية، إذ نقلت عن مصدر وصفته بالمطلع داخل الحكومة أن الحملة تمثل "زلزالاً" داخل الأوساط السياسية، وأن هدفها لا يقتصر على ملاحقة متهمين، بل يمتد إلى ضرب الإمبراطوريات المالية التي بنتها قوى سياسية حول مؤسسات الدولة.
وربطت الصحيفة القضية بنظام المحاصصة الذي ترسخ في العراق بعد 2003، معتبرة أن تقاسم المناصب امتد إلى مواقع تنفيذية داخل الوزارات والهيئات، بما أتاح لبعض القوى، وفق مصادرها، النفاذ إلى العقود والموارد الحكومية.
ونقلت عن مصرفي دولي عمل سابقاً مع الحكومة العراقية قوله إن بعض الأحزاب بنت ما يشبه "دولاً داخل الدولة"، تستفيد من نسب وعمولات مرتبطة بعقود حكومية. وتبقى هذه المعلومات منسوبة إلى مصادر الصحيفة وليست بيانات رسمية صادرة عن القضاء العراقي.
ويتناول تقرير "الغارديان" جانباً أكثر حساسية يتعلق بدور أميركي مفترض في الحملة. فالصحيفة قالت، استناداً إلى مسؤولين حكوميين وأعضاء في البرلمان ومصدر قريب من القضاء، إن واشنطن أصبحت أكثر نشاطاً في المشهد العراقي، وإن مسؤولين أميركيين طوروا علاقة أكثر قرباً مع المؤسسة القضائية.
كما نسبت إلى مصادرها أن البحث استمر لأشهر عن قضية فساد كبيرة يمكن كشفها من دون أن يؤدي اتساعها إلى هز النظام السياسي برمته، معتبرة أن قضية الجميلي وفرت مدخلاً لذلك.
ولا يورد التقرير موقفاً عراقياً أو أميركياً رسمياً يؤكد وجود تنسيق من هذا النوع، ما يبقي هذه الرواية منسوبة بالكامل إلى الصحيفة ومصادرها.
وبين حجم الأموال المستردة واتساع دائرة التحقيقات، يبقى الاختبار الحقيقي للحملة مرتبطاً بمصير المحاكمات ومدى وصولها إلى شبكات أوسع، وما إذا كانت ستتحول إلى مسار مستدام لمكافحة الفساد، أم تتوقف عند مجموعة محددة من المتهمين.



