رووداو ديجيتال
أعلن مجلس القضاء الأعلى، استكمال التحقيق مع 5704 متهمين من عناصر تنظيم داعش، نُقلوا من شمال شرق سوريا إلى العراق، والبدء بإحالتهم على المحاكم المختصة تمهيداً لمحاكمتهم، في واحد من أكبر الملفات القضائية المتعلقة بالتنظيم.
وقال المركز الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى اليوم الثلاثاء (1 أيلول 2026)، في توضيح، إن محكمة تحقيق الكرخ الأولى استكملت مرحلة استجواب جميع المتهمين، وانتقلت إلى المرحلة القضائية التالية المتمثلة في إحالتهم على محكمة الموضوع، كل وفق الأدلة والوقائع المتحصلة في قضيته.
وأوضح أن التحقيقات الأولية بدأت في شباط 2026، واستمرت عبر استجواب المتهمين وجمع الأدلة وتدقيق المعلومات المتعلقة بهم، وصولاً إلى استكمال التحقيقات مع جميع المشمولين بالملف.
بحسب المجلس، يضم الملف أشخاصاً من 67 جنسية، بينها 16 جنسية عربية و19 جنسية من دول الاتحاد الأوروبي و32 جنسية أجنبية أخرى.
يبلغ عدد العراقيين المشمولين بالملف 474 شخصاً، فيما يشكل السوريون العدد الأكبر بواقع 3497 متهماً، ما يعكس، وفق المجلس، الطبيعة الدولية للملف وتشعب الوقائع والأدلة والمسارات المرتبطة بالمشمولين به.
قيادات وعناصر شديدة الخطورة
كشفت التحقيقات، بحسب التوضيح، عن وجود عناصر "شديدة الخطورة" بين المحتجزين، ممن سبق أن شغلوا مناصب قيادية وأمنية وشرعية وعسكرية وإعلامية داخل تنظيم داعش، أو ارتبطوا بعمليات نوعية وجرائم ذات بعد دولي.
كما أظهرت التحقيقات وجود قيادات من الصف الأول في التنظيم، إلى جانب تعدد الأدوار التي اضطلع بها المتهمون، وعدم اقتصارها على المشاركة في القتال.
وشملت تلك الأدوار نشاطات عسكرية وأمنية ومالية ولوجستية وإدارية وصحية وتقنية وإعلامية.
يتولى القضاء العراقي إدارة الملف باعتباره ملفاً قضائياً متكاملاً خاضعاً لسلطته، بإشراف رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، الذي أوكل مهمة التحقيق فيه إلى محكمة تحقيق الكرخ الأولى المختصة بقضايا الإرهاب.
وشارك في إدارة الملف عدد من القضاة ونواب الادعاء العام والمحققين القضائيين وقوات إنفاذ القانون.
ستة متهمين بقضايا سبي إيزيديات
وأظهرت التحقيقات معلومات مرتبطة بجرائم ارتكبها داعش بحق المجتمع الإيزيدي، من بينها تحديد ستة متهمين وردت في ملفاتهم أدوار مرتبطة مباشرة بسبي إيزيديات.
وتتعلق الأدوار المنسوبة إليهم، بحسب مجلس القضاء، بالاحتجاز أو النقل أو البيع أو الإشراف أو الاستفادة من نظام الاسترقاق الذي أقامه التنظيم.
وكان داعش قد ارتكب جرائم واسعة بحق الإيزيديين عقب اجتياحه قضاء سنجار في محافظة نينوى عام 2014، شملت القتل والخطف وسبي النساء والأطفال.
الإفراج عن محتجزين لعدم كفاية الأدلة
وأكد مجلس القضاء أن التحقيقات لم تسفر عن ثبوت الأدلة بحق جميع المحتجزين.
وأوضح أنه جرى إطلاق سراح محتجز فنلندي وتسليمه إلى السلطات الفنلندية، ومحتجز أميركي سُلّم إلى السلطات الأميركية، إلى جانب إطلاق سراح سبعة محتجزين عراقيين.
كما يجري استكمال إجراءات إطلاق سراح 457 محتجزاً سورياً لم تثبت بحقهم أدلة تستوجب استمرار الإجراءات القضائية.
ومن المقرر تسليم هؤلاء إلى الجانب السوري بعد استكمال المتطلبات القضائية والقانونية الخاصة بكل حالة.
وأشار المجلس إلى التنسيق مع السفارة السورية في بغداد، عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية لوزارة الخارجية العراقية، لتنظيم عملية التسليم.
بيانات بايومترية وحمض نووي
وفي إطار توثيق الأدلة، تولت مديرية تحقيق الأدلة الجنائية التابعة لوزارة الداخلية تسجيل البيانات البايومترية للمحتجزين.
وشملت الإجراءات أخذ بصمات الأصابع وبصمة قزحية العين وعينات الحمض النووي، فضلاً عن طبعات الكف.
كما تولى المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي توثيق وتنظيم المعلومات الناتجة عن التحقيقات وربطها بقواعد البيانات، بهدف تحويل المعلومات المتفرقة إلى بيانات قابلة للتحليل والمقارنة.
وأشرف المركز كذلك على عمل مركز للتحليل الاستخباري يضم محققين قضائيين وكوادر مختصة من وزارة الداخلية وجهاز المخابرات الوطني وجهاز الأمن الوطني ومديرية الاستخبارات العسكرية.
ويتولى المركز تدقيق بيانات المتهمين وربط المعلومات والأدلة، وتزويد الجهات القضائية والتحقيقية بالوثائق والتقارير الفنية.
مسار خاص بالأحداث دون السن القانونية
خصص القضاء العراقي مساراً منفصلاً للتعامل مع المحتجزين من الأحداث.
وشمل ذلك تقدير أعمارهم بواسطة فريق متخصص من دائرة الطب العدلي، والاستعانة بضباط تحقيق متخصصين، فضلاً عن دراسة أوضاعهم الاجتماعية والنفسية من قبل مكتب الدراسات الشخصية.
أما المتهمون الآخرون فأودعوا في سجن الكرخ المركزي التابع لوزارة العدل، التي تولت تنفيذ القرارات والأوامر القضائية المتعلقة بإيداعهم وتأمين احتجازهم وفق الأطر القانونية المعتمدة.
وقال المجلس إن السجن وفر كذلك المتطلبات الخدمية والصحية والإنسانية للمحتجزين.
محام لكل متهم
وأكد مجلس القضاء أن التحقيقات رافقتها ضمانات قانونية وإنسانية، تضمنت انتداب محام لكل متهم بالتنسيق مع نقابة المحامين.
كما خضع المحتجزون لفحوصات طبية وتلقوا الرعاية الصحية من كوادر وزارة الصحة العراقية.
وأجرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر زيارات مستمرة للمحتجزين، فيما سُمح لهم بالتواصل مع ذويهم ضمن الضوابط القانونية والأمنية.
ونُظمت أيضاً زيارات لبعثات دبلوماسية وقنصلية لعدد من الدول لمتابعة أوضاع رعاياها المحتجزين، بالتنسيق مع المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي والجهات العراقية المختصة.
محاكمات عن بعد للعناصر الخطرة
مع انتقال الملف إلى مرحلة المحاكمة، أعلن مجلس القضاء تجهيز قاعة للمحاكمات عن بعد، تعمل بدائرة تلفزيونية مغلقة واتصال مرئي مباشر.
تهدف الآلية إلى تمكين المتهمين ذوي الأهمية الأمنية العالية من المشاركة في جلسات محكمة الجنايات، مع تقليل المخاطر الناجمة عن نقلهم.
ويخضع الملف للاختصاص القضائي العراقي والتشريعات النافذة، وفي مقدمتها قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005، وقانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل، وقانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل.
وتشمل المنظومة القانونية كذلك التشريعات الخاصة بالأحداث وحماية الشهود والضحايا.
مجلس القضاء اكد أن استكمال التحقيق مع المتهمين الـ5704 يعني انتهاء المرحلة التحقيقية والمباشرة بمرحلة المحاكمة.
ومن المقرر إحالة المتهمين على المحاكم المختصة على دفعات، على أن يجري النظر في كل قضية بصورة منفصلة، استناداً إلى الأدلة والوقائع الخاصة بكل متهم، دون تعميم نتيجة أي ملف على آخر.
وشدد المجلس على أن إدارة الملف تمت بكوادر عراقية، ضمن منظومة ربطت التحقيق القضائي بجمع الأدلة والتحليل والتوثيق وقواعد البيانات.
وأشار إلى أن تعدد جنسيات المتهمين والطبيعة الدولية للملف يفرضان استمرار التعاون القضائي مع الدول المعنية، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤوليته في استكمال الإجراءات المرتبطة بالملف، بما يدعم تحقيق العدالة ويحفظ حقوق الضحايا ويمنع الإفلات من المساءلة.


