رووداو ديجيتال
تدفع حالة عدم الاستقرار المتجددة بشأن الملاحة البحرية في مضيق هرمز العراقَ إلى التسريع بحلولٍ وبدائلَ لتصدير النفط، في إطار مساعيه لتقليل الاعتماد على هذا الممر المائي المضطرب، وحماية اقتصاده القائم على النفط من أي اضطرابات محتملة.
وعلى مدى عقود، شكّل مضيق هرمز الشريان الرئيسي لتجارة النفط العراقية، فهو الممر الملاحي الضيق الذي يمر عبره معظم الخام العراقي.
ولكن منذ تصاعد الصراع الذي يضم الولايات المتحدة الأميركية وإيران وإسرائيل، أصبحت حركة المرور عبره غير مستقرة على نحو متزايد، مما كشف عن هشاشة الاعتماد على منفذ واحد.
وفي ميناء البصرة جنوب العراق، لا تزال عمليات تحميل النفط مستمرة، إلا أن وصول الناقلات إلى الموانئ ومغادرتها بأمان يظلان تحت رحمة الوضع الملاحي في المضيق والمشهد الأمني المتغير في المنطقة.
وتشكل الصادرات النفطية نحو 88 بالمئة من الإيرادات الحكومية للعراق، وقبل نشوب الصراع الإقليمي الأخير، كان العراق يصدر نحو 3.6 مليون برميل يومياً، يُشحن منها زهاء 3.4 مليون برميل من ميناء البصرة عبر مضيق هرمز إلى الأسواق العالمية.
وفي آذارالماضي، خفض العراق إنتاجه اليومي بنحو 1.5 مليون برميل بعدما تعذر على الناقلات الوصول إلى موانئه الجنوبية للتحميل.
واستؤنفت حركة الملاحة عبر المضيق، في منتصف حزيران الماضي عقب اتفاق مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، لتعاود الصادرات العراقية تعافيها، غير أن الحركة عادت إلى التباطؤ مجدداً مع تجدد التوترات، مما وجه ضربة جديدة لصادرات البلاد النفطية.
وقال المتحدث السابق باسم وزارة النفط العراقية عاصم جهاد، إن "المشكلة الحقيقية تكمن في عدم قدرة الناقلات على الوصول بانتظام بسبب الأوضاع في مضيق هرمز، مما جعل الصادرات النفطية العراقية غير مستقرة على الإطلاق".
واستناداً إلى البيانات الصادرة عن وزارة النفط العراقية، فإن إجمالي صادرات البلاد من النفط خلال شهري أيار وحزيران من عام 2026، لم يتجاوز ثلث حجم الصادرات الشهري المسجل قبل الحرب.
وقد دفعت هذه الإغلاقات المتكررة لمضيق هرمز الحكومة العراقية، إلى إدراك أن الاعتماد على شريان بحري واحد لم يعد كافياً لضمان سلامة صادراتها النفطية.
ومع سعي الحكومة العراقية للحفاظ على مستويات الإنتاج وتخفيف الضغط على سعات التخزين، وجهت اهتمامها نحو الطرق البرية، حيث أعادت مؤخراً فتح ممر النقل بين العراق وسوريا، ليكون بمثابة شريان حياة طارئ، يساعد البلاد على الخروج من مأزق النفط.
وأوضح عاصم جهاد، قائلاً إن "العراق يصدر النفط حالياً عبر الطرق البرية، يتعين علينا تصريف المخزون في الوقت المناسب، وإلا فستتراكم الكميات المخزنة في المصافي، مما يؤدي إلى تعطيل العمليات التشغيلية الطبيعية، والبحث عن منافذ تصدير جديدة لم يعد خياراً ثانوياً، بل أصبح ضرورة ملحة".
وفر إعادة فتح معبر ربيعة الحدودي بين العراق وسورية للبلاد طريقاً برياً حيوياً لتصدير النفط، مما خفف الضغوط على شحنات الطاقة العراقية في ظل استمرار اضطراب الملاحة البحرية في مضيق هرمز.
وكان معبر ربيعة الحدودي، الواقع في محافظة نينوى شمال غرب العراق، قد أُغلق عام 2011 عندما غرقت المنطقة الحدودية في الفوضى إثر اندلاع الحرب الأهلية السورية، وبعد أكثر من عقد من الإغلاق، أُعيد فتحه في نيسان 2026، ليتحول هذا المنفذ الحدودي الخامل سابقاً إلى شريان حيوي للنفط العراقي، مساراً بديلاً يتجاوز مضيق هرمز بالكامل.
وفق الترتيبات الحالية، تعبر شاحنات الصهريج التي تحمل الخام والوقود العراقي الحدود نحو سورية، حيث تُنقل الحمولة إلى ناقلات بحرية في موانئ البحر الأبيض المتوسط لتُشحن إلى المشترين في أوروبا وشمال أميركا وغيرها.
وتتدفق مئات شاحنات الصهاريج يومياً نحو الشمال العراقي، قادمة من الحقول النفطية في جنوب ووسط العراق، لتتجمع في مراكز الشحن بمحافظة بغداد قبل أن تواصل سيرها عبر الطرق السريعة باتجاه الحدود السورية، وتحمل هذه القوافل حصة متزايدة من حجم صادرات العراق النفطية، في وقت تشهد فيه الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز قيوداً شديدة.
وأكد مدير معبر ربيعة الحدودي عدي العجيلي بأنه "يمر حالياً ما بين 250 إلى 300 شاحنة صهريج عبر معبر ربيعة يومياً، وسيرتفع هذا الرقم مستقبلاً بناءً على مستجدات الوضع، واحتياجات المصافي التي تتعامل مع طلبات التصدير".
ووفقاً للعجيلي، يعمل المعبر الحدودي بين العراق وسورية حالياً على مدار الساعة لاستيعاب هذا التدفق الكثيف، وتنسق السلطات العراقية مع نظيرتها السورية لتسهيل الإجراءات الجمركية وتحسين كفاءة حركة الصهاريج العابرة للحدود.
وقال أحد سائقي الشحن العراقيين: "منذ لحظة انطلاقنا داخل العراق، كانت حالة الطرق ممتازة، وجميع ترتيبات النقل وإدارتها منظمة بشكل جيد. والجانب السوري كذلك، فإذا تعطلت أي مركبة، تتوقف دوريات المرافقة على الجانب السوري وتنتظرنا".
ومع استمرار التوسع في حركة الصهاريج، أصبح تأمين رحلة العبور كاملة أمراً محورياً للحفاظ على موثوقية تشغيل هذا الشريان النفطي البري.
وأضاف العجيلي: "نسقنا مع الجانب السوري، وتتولى الدوريات العسكرية السورية مرافقة قوافل الصهاريج، حيث ترافق الأسطول طوال الطريق من معبر ربيعة، وحتى الوجهة النهائية لنقل الصادرات النفطية العراقية، وحتى اليوم، لم تسجل أي حوادث سلبية أو تهديدات قد تعرض عمليات نقل النفط برّاً للخطر".
وبالنسبة للعراق، يشكل مسار ربيعة جزءاً من توجه أوسع لتنويع البنية التحتية لصادراته النفطية.
وبعد الاعتماد الطويل والكثيف على شريان بحري واحد، باتت البلاد تدير شبكة تصدير متعددة القنوات تجمع بين الطرق البحرية الجنوبية، والأنبوب الشمالي، والممرات البرية، وتهدف هذه البدائل إلى الحفاظ على استقرار تدفقات التصدير وحماية الاقتصاد الوطني العراقي في حال تعرض الملاحة البحرية للاضطراب مجدداً.
وسوف يتوقف نجاح العراق في تخفيف اختناقات تصدير النفط بشكل كامل على كلٍ من الظروف الأمنية الإقليمية، ومدى قدرة خطته التصديرية المتنوعة على التحول من تدابير طوارئ مؤقتة إلى استراتيجية وطنية مستقرة وطويلة الأجل للطاقة.

