رووداو ديجيتال
لم نكن.. بل لم يكن أي شخص، مهما كانت درايته وخبرته الدبلوماسية أو العسكرية، أن يتخيل سيناريو نهاية الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988). في الحقيقة والواقع، كنا نتصور أن عقوداً أخرى ستمر والحرب تدور رحاها، حتى إن الإعلام أطلق عليها مصطلح "الحرب المنسية"، فجميع المبادرات والقرارات الأممية كانت تدعو لإيقاف الحرب وتجابه بالرفض من قبل إيران، وعلى العكس من الموقف الإيراني، كان العراق يعلن الموافقة على تلك المبادرات والقرارات.
وعندما أدرك الرئيس العراقي، وقتذاك، صدام حسين، أن نهاية هذه الحرب ستكون بعيدة وسوف تطول سنواتها، أعلن منذ عام 1982، أي بعد عامين من اشتعالها، إيقافها، وطالب العراق في الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار والتفاوض، وكانت إيران ترفض.
كنا ندرك أن نفس الإيرانيين طويل.. بل طويل جداً، فماذا نتوقع من شخص يجلس أمام المنوال لأكثر من 30 سنة دون كلل أو تعب أو ضجر لحياكة سجادة إيرانية متميزة وثمينة، فهل سيتعب من حرب يصر عليها دون أن يهتم بالخسائر البشرية، ومع دولة أصغر من إيران مساحة وأقل منها في عدد النفوس، دولة عربية ينظر الإيرانيون لها باستصغار واحتقار لأسباب تاريخية تمتد لأكثر من خمسة آلاف عام.
كانت أهم وأبرز القرارات الأممية التي صدرت لإيقاف الحرب العراقية الإيرانية هو قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 522، الذي اعتمد بالإجماع في 4 تشرين الأول 1982، بعد التذكير بالقرار 479 (1980) والقرار 514 (1982)، حيث دعا المجلس إلى وقف فوري لإطلاق النار بين إيران والعراق، داعياً إلى انسحاب كلا الجانبين إلى حدودهما المعترف بها دولياً.
وأقر المجلس بأن العراق قد وافق على تنفيذ القرار 514، وحث إيران على أن تحذو حذوه، وهو ما يضغط على تقدمها. وأضعف القرار أيضاً حق إيران في الدفاع عن النفس.
ومضى القرار بالتأكيد على ضرورة تنفيذ قرار نشر مراقبي الأمم المتحدة في المنطقة لرصد وقف إطلاق النار والانسحاب، داعياً جميع الدول الأعضاء إلى الامتناع عن الأعمال التي من شأنها إطالة أمد الصراع. وأخيراً، طلب القرار 522 من الأمين العام خافيير بيريز دي كويلار تقديم تقرير إلى المجلس عن محاولات تنفيذ هذا القرار في غضون اثنتين وسبعين ساعة.
لكن القرار الأهم، والذي وضع بالفعل خاتمة لحرب السنوات الثماني، كان قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 598 S/RES/0598 (1987)، (قرار مجلس الأمن الدولي 598)، الذي اعتمد بالإجماع في 20 تموز 1987، بعد التذكير بالقرارين 582 و588، ودعا إلى وقف فوري لإطلاق النار بين إيران والعراق وإعادة أسرى الحرب إلى وطنهم، وانسحاب الطرفين إلى الحدود الدولية. وطلب القرار من الأمين العام أن يوفد فريقاً من المراقبين لرصد وقف إطلاق النار، بينما يتم التوصل إلى تسوية دائمة لإنهاء الصراع. وأصبح نافذاً في 8 آب 1988، منهياً بذلك جميع العمليات القتالية بين البلدين والحرب العراقية الإيرانية.
وقد قبل كل من إيران والعراق القرار 598 في 20 تموز 1988. بيد أن العراق قرر القيام بدفعة نهائية ومحاولة اجتياح إيران، مرة أخرى، ليحتل خوزستان وغرب إيران بشكل دائم، وكذا لتحقيق أهدافه منذ بداية الحرب. هاجم الجيش العراقي محافظة خوزستان، بدءًا برية وجوية، ودفع مرة أخرى باتجاه خرمشهر. بيد أن إيران توقعت الهجوم، واستخدمت قوتها الجوية بالتزامن مع صواريخ أرض- جو لهزيمة القوات الجوية العراقية الأكبر. ثم قامت القوات الإيرانية بالهجوم في 25 تموز وأعادت الحصول على 600 كيلومتر مربع من الأراضي العراقية.
وانسحب الجانبان في نهاية المطاف إلى الحدود الدولية في الأسابيع اللاحقة، حيث أصبح القرار 598 نافذًا في 8 آب، منهيًا بذلك جميع العمليات القتالية بين البلدين. وكانت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة التابعة لبعثة (يونيموغ) قد تولت الميدان وبقيت على الحدود الإيرانية العراقية حتى عام 1991. وفي الوقت الذي انتهت فيه الحرب الآن، قضى العراق بقيةشهري آب وايلول ومطلع تشرين الاول عام 1988 في عمليات عسكرية قاسية لتصفية المقاومة الكوردية.
يتحدث تقرير سري مطول مرسل من قبل البعثة الدبلوماسية البريطانية في نيويورك إلى لندن بتاريخ 19 تموز 1988 ويحمل توقيع "روب يونغ" المسؤول عن قسم الشرق الأوسط في الخارجية البريطانية أنه "من السابق لأوانه أن نقيم بثقة المسار المحتمل للأحداث التي أعقبت قبول إيران أمس قرار مجلس الأمن 598".
و يتساءل هذا الدبلوماسي البريطاني المخضرم المتخصص في قضايا الشرق الأوسط، مستغرباً عن التوقيت المتأخر جداً الذي اختاره الإيرانيون للإعلان عن قبولهم القرار رقم 598، قائلاً "لماذا الآن؟ يبدو هذا التوقيت للموافقة على التفاوض مهيناً بشكل خاص للإيرانيين. لقد فقدوا أخيراً تقريباً جميع الأراضي العراقية التي احتلوها بعد عام 1982 بكلفة باهظة. إنهم محاصرون في الخليج. خائفون من استخدام قواتهم البحرية النظامية في مواجهة التفوق البحري الأميركي. كما أن رفسنجاني لم يفعل شيئاً بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة بالوكالة. ومع ذلك، فقد تزايد الاستنزاف وبان التعب من الحرب بشكل سريع في الأشهر الأخيرة: فقد أثرت التكتيكات العسكرية العراقية (حرب المدن، والضغط المستمر على الجيوب الإيرانية، واستخدام الأسلحة الكيماوية، والهجمات الجوية الثقيلة على الأهداف الاقتصادية) في معنويات المدنيين والعسكريين وفي الاقتصاد المتعثر، وبدأت تظهر الانتقادات العلنية على نطاق واسع وخطير حيث تطرح لأول مرة ضد الحرب وضد الخميني. ومن المتوقع أن يثير الحشد العسكري العراقي الأخير مقابل عبادان المزيد من الخوف والقلق. يبدو أن القادة الإيرانيين قد خلصوا ليس فقط إلى أنهم لا يستطيعون كسب الحرب (يجب أن يكون ذلك واضحاً لمعظمهم بعد الفشل في الاستيلاء على البصرة في أوائل عام 1987) ولكن الثورة نفسها قد تكون مهددة".
في المقابل كانت الحكومة العراقية متخوفة أيضاً من التأثير الأيديولوجي الإيراني وممارسة عملية غسل الأدمغة على الأسرى العراقيين في معسكرات الأسرى في إيران. وجاء في التقرير "حاول الإيرانيون تغيير معتقدات أسرى الحرب العراقيين أثناء أسرهم، لأنه كانت لديهم مخططات في شأن العراق. أرادوا إعادة أسرى الحرب كمؤيدين للخميني. وكان العراق يعلم أن الإيرانيين سيسعون إلى استخدام أسرى الحرب".
تضمن التقرير أبرز النقاط التي كان قد أشار إليها طارق عزيز في تلك الفترة. وأهمها قلق القيادة العراقية من نوايا إيران المستقبلية وتشكيكها بمصداقية طهران في قبول قرار مجلس الأمن رقم 598، إذ أكد وزير الخارجية العراقي وقتذاك "أن إيران والعراق جاران، وإذا لم تكن التسوية نظيفة فقد تعود المشاكل قريباً مرة أخرى بين البلدين".
وينقل التقرير ما قاله عزيز بهذا الخصوص "لفت طارق عزيز الانتباه إلى نقطتين على وجه التحديد؛ أولاً، في ما يتعلق بالتنفيذ، قال إنه على رغم أن أي حجج في شأن هذه المسألة هي في المرحلة الحالية حجج نظرية، فإن العراق يرغب في توضيح موقفه الآن لأن العراق يجب أن يكون قلقاً بشأن نوايا إيران الحالية والمستقبلية. وحتى لو قررت إيران الموافقة على إنهاء الحرب، فإنه لم يكن متأكداً من أنها ستكون على استعداد لإنهائها بطريقة تحافظ على حقوق كلا البلدين سليمة. على سبيل المثال، إذا تم الاتفاق على وقف إطلاق النار ولم تكن إيران ملزمة بالانسحاب في الوقت نفسه، فإنها ستحاول استغلال هذا الواقع. وبالمثل، إذا كان وقف إطلاق النار مرتبطاً بإنشاء هيئة محايدة لتقرير المسؤولية عن الحرب، يمكن أن يحدث أحد أمرين: إما أن يقبل الإيرانيون وقف إطلاق النار حتى يتم الإبلاغ عن التحقيق بطريقة يجدونها مرضية ثم يستخدمون النتيجة لتبرير استئناف عدوانهم. أو إذا لم تكن النتيجة مرضية فإنهم سيرفضون الانسحاب. وسيتعين على العراق استئناف الأعمال العسكرية، على رغم أن ذلك سيكون صعباً ومحرجاً للعراق".
وقد قبل كل من إيران والعراق القرار 598 في 20 تموز 1988. بيد أن العراق قرر القيام بدفعة نهائية ومحاولة اجتياح إيران، مرة أخرى، ليحتل خوزستان وغرب إيران بشكل دائم، وكذا لتحقيق أهدافه منذ بداية الحرب. هاجم الجيش العراقي محافظة خوزستان، بدءاً برياً وجوياً، ودفع مرة أخرى باتجاه خرمشهر. بيد أن إيران توقعت الهجوم، واستخدمت قوتها الجوية بالتزامن مع صواريخ أرض-جو لهزيمة القوات الجوية العراقية الأكبر. ثم قامت القوات الإيرانية بالهجوم في 25 تموز وأعادت الحصول على 600 كيلومتر مربع من الأراضي العراقية.
وانسحب الجانبان في نهاية المطاف إلى الحدود الدولية في الأسابيع اللاحقة، حيث أصبح القرار 598 نافذاً في 8 آب، منهياً بذلك جميع العمليات القتالية بين البلدين. وكانت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة التابعة لبعثة (يونيموغ) قد تولت الميدان وبقيت على الحدود الإيرانية العراقية حتى عام 1991. وفي الوقت الذي انتهت فيه الحرب الآن، قضى العراق بقية شهري آب وأيلول ومطلع تشرين الأول عام 1988 في عمليات عسكرية قاسية لتصفية المقاومة الكوردية.
يتحدث تقرير سري مطول مرسل من قبل البعثة الدبلوماسية البريطانية في نيويورك إلى لندن، بتاريخ 19 تموز 1988، ويحمل توقيع "روب يونغ"، المسؤول عن قسم الشرق الأوسط في الخارجية البريطانية، أنه "من السابق لأوانه أن نقيم بثقة المسار المحتمل للأحداث التي أعقبت قبول إيران أمس قرار مجلس الأمن 598".
ويتساءل هذا الدبلوماسي البريطاني المخضرم المتخصص في قضايا الشرق الأوسط، مستغرباً عن التوقيت المتأخر جداً الذي اختاره الإيرانيون للإعلان عن قبولهم القرار رقم 598، قائلاً: "لماذا الآن؟ يبدو هذا التوقيت للموافقة على التفاوض مهيناً بشكل خاص للإيرانيين. لقد فقدوا أخيراً تقريباً جميع الأراضي العراقية التي احتلوها بعد عام 1982 بكلفة باهظة. إنهم محاصرون في الخليج. خائفون من استخدام قواتهم البحرية النظامية في مواجهة التفوق البحري الأميركي. كما أن رفسنجاني لم يفعل شيئاً بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة بالوكالة. ومع ذلك، فقد تزايد الاستنزاف وبان التعب من الحرب بشكل سريع في الأشهر الأخيرة: فقد أثرت التكتيكات العسكرية العراقية (حرب المدن، والضغط المستمر على الجيوب الإيرانية، واستخدام الأسلحة الكيماوية، والهجمات الجوية الثقيلة على الأهداف الاقتصادية) في معنويات المدنيين والعسكريين وفي الاقتصاد المتعثر، وبدأت تظهر الانتقادات العلنية على نطاق واسع وخطير، حيث تطرح لأول مرة ضد الحرب وضد الخميني. ومن المتوقع أن يثير الحشد العسكري العراقي الأخير مقابل عبادان المزيد من الخوف والقلق. يبدو أن القادة الإيرانيين قد خلصوا ليس فقط إلى أنهم لا يستطيعون كسب الحرب (يجب أن يكون ذلك واضحاً لمعظمهم بعد الفشل في الاستيلاء على البصرة في أوائل عام 1987)، ولكن الثورة نفسها قد تكون مهددة".
في المقابل، كانت الحكومة العراقية متخوفة أيضاً من التأثير الأيديولوجي الإيراني وممارسة عملية غسل الأدمغة على الأسرى العراقيين في معسكرات الأسرى في إيران. وجاء في التقرير: "حاول الإيرانيون تغيير معتقدات أسرى الحرب العراقيين أثناء أسرهم، لأنه كانت لديهم مخططات في شأن العراق. أرادوا إعادة أسرى الحرب كمؤيدين للخميني. وكان العراق يعلم أن الإيرانيين سيسعون إلى استخدام أسرى الحرب".
تضمن التقرير أبرز النقاط التي كان قد أشار إليها طارق عزيز في تلك الفترة. وأهمها قلق القيادة العراقية من نوايا إيران المستقبلية وتشكيكها بمصداقية طهران في قبول قرار مجلس الأمن رقم 598، إذ أكد وزير الخارجية العراقي وقتذاك "أن إيران والعراق جاران، وإذا لم تكن التسوية نظيفة فقد تعود المشاكل قريباً مرة أخرى بين البلدين".
وينقل التقرير ما قاله عزيز بهذا الخصوص: "لفت طارق عزيز الانتباه إلى نقطتين على وجه التحديد؛ أولاً، في ما يتعلق بالتنفيذ، قال إنه على رغم أن أي حجج في شأن هذه المسألة هي في المرحلة الحالية حجج نظرية، فإن العراق يرغب في توضيح موقفه الآن لأن العراق يجب أن يكون قلقاً بشأن نوايا إيران الحالية والمستقبلية. وحتى لو قررت إيران الموافقة على إنهاء الحرب، فإنه لم يكن متأكداً من أنها ستكون على استعداد لإنهائها بطريقة تحافظ على حقوق كلا البلدين سليمة. على سبيل المثال، إذا تم الاتفاق على وقف إطلاق النار ولم تكن إيران ملزمة بالانسحاب في الوقت نفسه، فإنها ستحاول استغلال هذا الواقع. وبالمثل، إذا كان وقف إطلاق النار مرتبطاً بإنشاء هيئة محايدة لتقرير المسؤولية عن الحرب، يمكن أن يحدث أحد أمرين: إما أن يقبل الإيرانيون وقف إطلاق النار حتى يتم الإبلاغ عن التحقيق بطريقة يجدونها مرضية، ثم يستخدمون النتيجة لتبرير استئناف عدوانهم. أو إذا لم تكن النتيجة مرضية فإنهم سيرفضون الانسحاب. وسيتعين على العراق استئناف الأعمال العسكرية، على رغم أن ذلك سيكون صعباً ومحرجاً للعراق".


