رووداو ديجيتال
أكد مدير البرامج والسياسات في الشرق الأوسط للاتحاد الدولي للصحفيين، منير زعرور، أن الصحافة تعاني من أزمات ليس في مناطق الصراع فقط، بل في دول مستقرة ايضاً، مشيرا الى تعرض صحفيين للاضطهاد والقمع، وبلدان بالمنطقة (إيران ومصر) يحتلان القائمة في عدد الصحفيين السجناء.
وقال زعرور في مقابلة مع شبكة رووداو الإعلامية، إن حالات الانتهاكات والاعتداءات بحق الصحفيين بمختلف أنواعها من ضرب وتوقيف ومنع للتغطية والترهيب والتحرش، بات أمرا مقلقا جداً للاتحاد، خصوصاً أن هذه (الانتهاكات) مستمرة بشكل دائم منذ 12 سنة.
وذكر زعرور ان الاتحاد الدولي للصحفيين يعمل في إقليم كوردستان منذ 12 عاماً، مؤكداً أنه "حسب متابعاتنا مع النقابة، هناك هوامش معقولة لحرية الصحافة في اقليم كوردستان".
صُنّف العراق عام 2021 في المرتبة 161 من حيث حرية الصحافة، فيما وقع بالمرتبة 172 خلال العام 2022، بخصوص ذلك أوضح مدير البرامج والسياسات في الشرق الأوسط للاتحاد الدولي للصحفيين ان التصنيفات الخاصة التي تصدرها منظمة دولية مشهورة ليس بالضرورة ان تكون دقيقة، مستدركاً بأن سوء وضع القطاع في العراق بشكل عام، مرتبط بغياب نية أو إرادة سياسية لدى القوى السياسية لتحديث هذا القطاع ودعم استقلاليته.
زعرور قال إنه لا توجد قوانين حديثة تؤمن مساحة وضمانات للصحافة لتمارس عملها باستقلالية في العراق.
وفي السياق، نوّه زعرور الى ان الاتحاد الدولي للصحفيين سجل خلال الـ 2022، ما يقارب 110 صحفيين وصحفيات معتقلين في السجون، أو رهن الملاحقة القضائية في المحاكم.
فيما يلي نص المقابلة
رووداو: في البدء بودنا أن نعرف كيف كان العام 2022 بالنسبة للصحفيين في كوردستان والعراق والشرق الأوسط بشكل عام
منير زعرور: سنة 2022 كانت استمراراً لأزمة طويلة تعاني منها الصحافة، هنا في العراق، كجزء من الشرق الأوسط وعلى المستوى العالمي. وكانت فيها إيجابية وحيدة هي خروج الصحافة من الأزمة التي واجهتها أثناء جائحة كوفيد-19 (كورونا)، حيث تعرضت خلالها لأزمة وجودية شهدت خسائر الآف الوظائف في منطقة الشرق الأوسط لكن الأزمة في مظهرها العام مازالت متواصلة على عدد من المستويات، المستوى الأول في الشرق الأوسط، بما في ذلك في العراق، وهي أزمة الصحافة التي تعمل في مناطق الصراع وانعدام الاستقرار السياسي وحتى مواجهات الحرب الأهلية والمواجهات العنيفة. وكما تعلمون، فإن الشرق الأوسط أحد المناطق الأكثر خطراً على الصحفيين في العالم، وطوال 30 سنة من بدء الأزمة في الجزائر منذ التسيعينات وحتى الآن، يتقدم قائمة المناطق الأكثر خطراً على العمل الصحفي، إلا أن هذا الأمر تغير خلال الثلاث سنوات الماضية. ففي أعوام 2020، 2021، 2022، أصبح من ناحية عدد الضحايا من الصحفيات والصحفيين في أدني الترتيب، حسب إحصائيات الاتحاد الدولي للصحفيين. طبعاً، كل خسارة لصحفي هي خسارة كبيرة للوسط الصحفي، وقد خسرنا السنة الماضية 5 صحفيات وصحفيين في المنطقة، كان عددهم 4 في 2021، و5 في 2022، وهذه أول مرة يقل فيه العدد عن 10 منذ 30 سنة، ونعتقد بأنه تطور مهم من جهة، لكنه من جهة أخرى لا يعكس كامل الصورة. الصحافة في المنطقة، وليست الصحافة في مناطق الصراع وحدها إنما في دول مستقرة ايضاً، تعاني من أزمات، حيث يتعرض صحفيون إلى الاضطهاد والقمع، وبلدان في المنطقة يحتلان القائمة في عدد السجناء.
رووداو: بودنا أن نعرف ما هو أفضل بلد للصحفيين وما هو الأسوأ في المنطقة؟
منير زعرور: بشكل عام لدينا منهجية في الاتحاد نبتعد فيها عن تصنيفات الدول لا نحب ذلك واحياناً لا تعكس كامل الصورة، لكن بعض الاحصائيات تعطي مؤشراً، حيث لدينا الآن 71 صحفياً وصحفية في السجون بإيران، وهي أكثر بلد في العالم فيها سجناء صحفيين، ولسنوات طويلة كانت مصر تحتل قائمة الصحفيين السجناء والآن هناك 26 صحفيا وصحفية في السجن بمصر، وهذا مؤشر لجانب معين من الموضوع، لكن حتى الدول التي لا تسجن ولا تقمع الصحفيين أو حروب، يعاني فيها قطاع الصحافة من أزمة كبيرة. مثلاً الأردن، دولة مستقرة، لكن القطاع يعاني فيها أزمة شديدة جراء التحولات التكنولوجية وظهور الصحافة الرقمية وهناك خسائر كبيرة في الوظائف، والأمر ينطبق على لبنان أيضاً حيث واجه قطاع الصحفة انهياراً كاملاً، تبلغ نسبة من يعلمون في الصحافة القليدية في لبنان 5% والبقية يعملون في القطاعات الأخرى، وكل هذه التحولات تؤثر على وضع الصحفيات والصحفيين، وهي مصدر قلقنا الرئيسي كاتحاد دولي للصحفيين.
رووداو: اجتمعتم خلال فترة وجودكم في إقليم كوردستان مع وسائل الإعلام والصحفيين والنقابات ومنظمات الدفاع عن حقوق الصحفيين، هل تعد الاحصاءات التي قدمت إليكم حول الانتهاكات بحق الصحفيين ووسائل الإعلام في إقليم كورستان عام 2022، مصدر قلق لديكم؟
منير زعرور: أي حالة انتهاك هي مصدر قلق للاتحاد الدولي للصحفيين، وكان لدينا اجتماع مع نقابة الصحفيين تحت اشراف لجنة الدفاع عن حقوق الصحفيين في نقابة الصحفيين، لاطلاق التقرير السنوي حول وضع حرية الصحافة في إقليم كوردستان. حالات الانتهاكات والاعتداءات بحق الصحفيين بمختلف أنواعها من ضرب وتوقيف ومنع للتغطية والترهيب والتحرش، أمر مقلق جداً، والذي يقلق بشكل أكبر هو أن هذه (الانتهاكات) مستمرة بشكل دائم منذ 12 سنة. أعمل مع الزملاء (في إقليم كوردستان) منذ 12 سنة، ولا يوجد تقدم في منع بعض أنواع الانتهاكات، وهذا مصدر قلق كبير لنا، وتحدثنا مع اللجنة ومع نقابة الصحفيين حول الحاجة إلى تعزيز العمل كي نجد مخرجاً، هذا فيما يتعلق بالاعتداءات المباشرة على الصحفيين، لكن في الإقليم هناك مشكلة كبرى تتعلق بجمود الإطار التنفيذي والتشريعي لقطاع الصحافة، في ظل التطورات المتسارعة في هذا القطاع تقنياً ومعرفياً وحتى تغير عادات وسلوك المواطنين، والقطاع موجود في مأزق حتى الآن، لأن القوانين لا تساعد، ونحتاج للعمل بهذا الشأن مع النقابة.
رووداو: تعملون منذ 12 عاماً مع نقابة صحفيي كوردستان، كيف تقيمون الوضع الراهن لحرية الصحافة والإعلام في إقليم كوردستان مقارنة بالسنوات السابقة؟
منير زعرور: باعتقادي وحسب متابعاتنا مع النقابة، هناك هوامش معقولة لحرية الصحافة، لكن تقييم مسألة الحرية أكثر تعقيداً من مجرد رصد الانتهاكات، حيث تكون هناك قيود بنيوية. إن إحدى الشعارات الأساسية لاتحاد الصحفيين تقول إنه لا يمكن أن تكون هناك حرية للصحافة أو صحافة مستقلة إذا كان الصحفيون يعيشون في ظل الخوف والفقر والفساد، وكل هذه تضع معوقات بنيوية على حرية الصحافة. يمكننا التكلم في الظاهر حول الاعتداءات في الشارع أثناء التغطية الميدانية ونتحدث مع الشرطة وأجهزة انفاذ القانون والمواطنين كل لا يعتدوا على الصحفيين، لكن هناك قيود أعمق تتعلق بطريقة تمويل المؤسسات الإعلامية، وحجم الاستثمار من الدولة في قطاع الإعلام، لأن الصحافة مسألة تتعلق بالصالح العام، ولدى المواطنين الحق في امتلاك صحافة تقوم بنقل الأخبار اليهم وتثقفهم وتعلمهم، وحرمانهم من هذا الحق يقع على عاتق الدولة. وفي ظل الوضع الموجود، إما تعاني المؤسسات الصحفية في تمويل نفسها، وإما تضطر للعمل بظروف صعبة جداً، وهذا بحد ذاته هو تقييد للحريات، ليس تقييداً مباشراً، إنما بنيوياً.
رووداو: اطلعتم خلال اجتماعاتكم مع منظمات الدفاع عن حقوق الصحفيين على الإحصاءات المتعلقة بانتهاكات حقوق الصحفيين في إقليم كوردستان، كما تنشر نقابة صحفيي كوردستان الإحصاءات سنوياً، وهناك اختلاف كبير بين إحصاءات المنظمات والنقابة، ألم تسألوهم عن سبب هذا الاختلاف فيما يتعلق بالانتهاكات؟
منير زعرور: كان مثار الحديث أيضاً، وأي تقرير يستند إلى منهجية معينة لانتاجه، لدى نقابة الصحفيين منهجية، فيما تتبع المنظمات الحقوقية منهجيات مغايرة بحسب وجهة نظرها حول الانتهاكات، ومن وجهة نظرنا كاتحاد دولى للصحفيين، لدينا تقرير عن اعداد الصحفيين والعاملين في قطاع العام الذين يقتلون كل سنة، هذه منهجيتنا، نتحدث عن الصحفيين وعن الطواقم المساندة، المنتجين والمصورين والسائقين، فيما ترى منظمات أخرى أن يكون تقريرها للصحفيين فقط، وعلى سبيل المثال تكون لدينا 90 حالة بينما عدد الحالات لديهم 50، وهذا يخلق نوعاً من أنواع عدم الانسجام للمتابع غير المحترف، ويتساءل: كيف عددكم يبلغ 90 وهم 50؟
رووداو: هل تشعرون بأن نقابة صحفيي كوردستان التي تقدم لها حكومة إقليم كوردستان دعماً مالياً يمكن أن تتغاضى عن بعض الانتهاكات؟ هل هذا هو السبب؟
منير زعرور: هذا ممكن، ولا اتكلم عن نقابة صحفيي كوردستان، لكن مسألة العلاقة بين الدعم المادي والاستقلالية مسألة مثار طرح لكل الدول، لكن فيما يتعلق بالرقابة على حرية الصحافة في إقليم كوردستان، نتابع كاتحاد دولي للصحفيين الانتهاكات بحق الصحفيين والصحفيات، ولا نتابع كل الحالات المتعلقة بحرية التعبير، ويشهد إقليم كوردستان حالات متعلقة بحرية التعبير بمعنى يعبر مواطنون أو مدونون عن أنفسهم ويتعرضون للمتابعة، من حقهم أن يتمتعوا بحرية التعبير، لكن نحن كاتحاد وكنقابة لا ندخلهم ضمن تقريرنا، لأنهم ليسوا صحفيين محترفين، لكن يدخلوهم في بلدان أخرى، في تونس مثلاً يذكرون حالات الصحفيين وقضايا حرية التعبير بحسب المنهجية التي يتبعونها والمسألة تتعلق بالمنهجيات، وليس بدقة التقرير أو تغاضيه عن الانتهاكات، وحسب وجهة نظري، فإن كل الحالات للصحفيين والمؤسسات الإعلامية الذين يتعرضون لانتهاكات في إقليم كوردستان، موجودة في تقرير النقابة، لكنه لا يشمل الانتهاكات والاعتداءات المتعلقة بحرية التعبير.
رووداو: ما هو تقييمكم لوضع الصحفيات في البلدان العربية والشرق الأوسط؟
منير زعرور: هذا موضوع ومصدر قلق كبير جداً، قبل زيارتنا الأخيرة الى هنا كنا موجودين لافتتاح دورة مع نقابة الصحفيين هنا لتأهيل وتطوير مدرّبات للسلامة المهنية في الإقليم، وبشكل خاص سلامة الصحفيات، وهذا مصدر قلق كبير جداً. حسب استبيانات الاتحاد الدولي للصحفيين فإن نسبة لا تقلّ عن 70% من الصحفيات في مختلف انحاء العالم تتعرض لنوع من أنواع الاعتداء أو التحرّش أو التمييز، هذا لأنهن صحفيات عدا عن انتهاكات أخرى كونهن جزءا من قطاع الإعلام. فالوضع مقلق جدا، وهذا الوضع يؤدي في بعض البلدان الى ترك الصحفيات لهذه المهنة، وهذه خسارة للقطاع وخسارة للمواطنين. والشرق الأوسط لا ينعزل عن ذلك، هناك صحفيات في بعض البلدان غير موجودات في الفضاء الرقمي او في المواقع، بسبب العنف أو التحرش أو بسبب الضغط عليهنّ. وهناك صحفيات لا يخرجن الى التغطية الميدانية بسبب خطورة الأوضاع، لذلك نحن نولي اهتماماً كبيرا في العمل على تعزيز إطار لعمل الصحفيات، النقابات هي مقتنعة بذلك، ونتأمل ان يتم استثمار هذا من قبل الدول. وأخيراً، نحن سعيدون بأنه كان لدينا العام الماضي مؤتمراً دولياً للاتحاد الدولي للصحفيين الذي تتم فيه الانتخابات وعلى هامشه يتم انتخاب مجلس مساواة النوع الاجتماعي للاتحاد، في الدورة هذه التي بدأت العام الماضي وستستمر لسنة 2026، إحدى القياديات في هذا المجلس هي زميلة من نقابة الصحفيين في اقليم كوردستان، الدكتورة نزاكة هي عضو في مجلس النوع الاجتماعي، وهي تقوم بعمل جميل حيث انتجت تقريرا حول وضع الصحفيات في اقليم كوردستان تم نشره أمس، هو تقرير مهم جدا ويعطي تصورا عاماً حول وضع الصحفيات والمشكلات التي تواجههن.
رووداو: احتل العراق في عام 2021 المرتبة 161 في حرية الصحافة وفي عام 2022 انتقل الى المرتبة 172، هل قمت بدراسة سبب هذا التراجع؟
منير زعرور: ذكرت في البداية، ليس بالضرورة ان نتفق مع التصنيفات الدولية حول وضع حرية الصحافة..
رووداو: نعم، لكن يوجد تراجع كبير وفقاً لتقارير المنظمات الدولية..
منير زعرور: هي تؤشر بشكل من الأشكال على شيء، لكن التصنيفات الخاصة التي تصدرها منظمة دولية مشهورة ليس بالضرورة ان تكون دقيقة، هذا لا يعني ان وضع الصحفيين والصحفيات في العراق جيد و ممتاز، لا أقول ذلك، لكن باعتقادي ان سوء وضع القطاع في العراق بشكل عام، مرتبط بغياب نية أو إرادة سياسية عند القوى السياسية لتحديث هذا القطاع ودعم استقلاليته. إذا تخيلنا في الإقليم آخر قانون تم وضعه حول مسألة حرية الصحفيين كان في 2008 أي قبل 14 سنة، وقانون آخر له علاقة بعمل الصحفيين وحقهم في الحصول على المعلومات صدر في 2014 او 2016، لا يزال غير مطبق وهو مجمّد منذ اليوم الذي تم تبنيه فيه. الوضع في كامل العراق متشابه، لا توجد قوانين حديثة تؤمن مساحة وضمانات للصحافة لتمارس عملها باستقلالية، فهذه إشكالية كبيرة. بالإضافة الى ان مساحات الحرية الصحفية في العراق مهمة جدا لكنها بشكل ما غير تقليدية، بمعنى ان هناك كثير من المؤسسات مختلطة مع الأحزاب السياسية. كنا نتحدث أمس حول تطوير منهجية تقرير نقابة الصحفيين، وذكر انه في ظل غياب مؤسسة للإعلام العمومي التي هي لجميع المواطنين، والتي تضع دائماً المعايير لكامل القطاع للالتزام في حقوق المواطنين، في ظل هذا الغياب ووجود مؤسسات اعلامية مرتبطة او تتبع بشكل من الأشكال خطاً سياسياً معيناً، ذلك يجعل المواطنين عرضة لعدم الحصول الى كل الحقيقة من أية مؤسسة إعلامية، وهذا خطر كبير.
رووداو: حسب الأحصائية لديكم، كم عدد الصحفيين الذين قتلوا في عام 2022؟
منير زعرور: في 2022 كانوا خمسة، صحفيان اثنان قتلوا في سوريا، وأثنان في اليمن، وآخرى الصحفية الفلسطينية التي قتلت على يد الجيش الإسرائيلي (شيرين أبو عاقلة). هم خمسة من المنطقة.
رووداو: وكم عدد المعتقلين منهم بشكل عام؟
منير زعرور: نحن في المنطقة سجلنا خلال الـ 2022، ما يقارب 110 صحفيين وصحفيات في السجن، أو رهن الملاحقة القضائية، او توجد قضية ضدهم أي تم اعتقالهم وإطلاق سراحهم ولا تزال القضية مرفوعة ضدهم.


