رووداو ديجيتال
أكد الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية أنه "لا مجال لأي سلاح الآن خارج إطار الدولة"، مبيناً أن فصائل مسلحة سلمت سلاحها، وأخرى في طور التسليم.
وقال النعمان في مقابلة مع شبكة رووداو الإعلامية أجراها معه نوينر فاتح إن الفصائل المسلحة "رفعت السلاح وجه الارهاب"، واصفاً ذلك بالأمر المهم "ويجب أن لا ننسى ويجب أن تكرم تضحياتهم".
وأدناه نص المقابلة:
رووداو: السيد صباح النعمان الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية مرحبا بك في رووداو سعيد بهذا اللقاء.
صباح النعمان: أنا أسعد. فرصة طيبة أن نلتقي بعد فترة في قناة رووداو العزيزة الغالية وإن شاء الله يكون اللقاء ممتعاً.
رووداو: ماذا يعني لك أن تكون ناطقاً باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية أي أن كل كلام تقوله، وأنا كصحفي أفكر به مثلاً، لا يحسب على السيد صباح النعمان كشخص، لكن يعتبر كلاماً رسمياً لأعلى قائد في الدولة العراقية.
صباح النعمان: حقيقة هو تشريف ومكانة أعتز بها وأعتبرها تتويجاً لمسيرتي في الإعلام. أنا في مجال الإعلام الأمني منذ عام 2010 تقريباً أكثر من 15 عاماً أو أكثر من هذا التاريخ أنا بالإعلام الأمني وناطق باسم جهاز مكافحة الإرهاب ولازلت أنتمي إلى هذا الجهاز البطل وأتشرف أن أكون أول من بنى الإعلام في هذا الجهاز، وأنا كنت ناطقاً باسم جهاز مكافحة الرهاب وخضت مع هذا الجهاز كل عمليات التحرير وبذكرياتها وبقصصها المؤلمة والمفرحة، وبالتالي تسنمي وتشريفي بمهمة الناطق باسم القائد العام منذ تقريباً سنتين، أعتبره تتويجاً لمسيرة ناجحة خضتها منذ عام 2010 وهذا أيضاً يعزز ثقة المواطنين وثقة القيادة وثقة السيد رئيس الوزراء لأن هذا المنصب هو منصب مهم جداً. أنت تتكلم عن لسان السيد القائد العام للقوات المسلحة وتتكلم عن القوات المسلحة العراقية بكافة مسمياتها، من الجيش والداخلية وجهاز مكافحة الارهاب بالطبع وقوات البيشمركة الأبطال والحشد الشعبي. كل العناوين الأمنية أنت تتكلم باسم هذه العناوين لذلك هي مسؤولية كبيرة جداً وأحرص أن أمثلها خير تمثيل بما يوازي ويعكس المكانة الكبيرة التي حظيت بها المؤسسة الأمنية العسكرية العراقية.
رووداو: هل يجلب لك هذا توتراً لأنك واجهة لقرارات مصيرية في العراق وأنت شخص للإعلام وبالأخير المتلقي الذي يتلقون الخبر منه من داخل العراق ومن خارجه، ومثلما قلت أنت لا تتكلم باسمك بل تتكلم باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية وكل أصناف القوات المسلحة العراقية التي أشرت إليها. التوتر الحاصل مثلاً قبل أن تلقي خطاباً وقبل أن تتحدث للإعلام وكيف تفكر وخاصة في اختيار المصطلحات مثلاً استخدام هذا المصطلح وعدم استخدام مصطلح آخر.
صباح النعمان: هذا يأتي من جانبين. الجانب الأول هو جانب الخبرة في العمل الإعلامي الأمني خلال هذه الفترة. كنت أمثل جهة واحدة أمنية وهي جهاز مكافحة الارهاب لكن هذا أكسبني خبرة وأنا في حكم ناطق باسم الجهاز لم أكن بعيداً عن التواصل مع كل الأجهزة الأمنية الأخرى، خاصة في عمليات التحرير حتى عندما كنت ناطقاً باسم الجهاز أنا عندما أتكلم في أي قناة أتكلم عن لسان القوات الأمنية الأخرى ولا أكتفي فقط في الجهة التي أمثلها. هذا أعطاني خبرة. الجانب الآخر هي الخلفية العسكرية التي تشرفت أن أكون فيها. أنا ضابط في الجيش العراقي وأنا خريج الأكاديمية العسكرية الهندية وهي أكاديمية مهمة جداً وبحكم خبرتي وسنوات عمري في العمل العسكري كضابط ولازلت في العمل الأمني حتى بعد انتقال الصفة من العسكري إلى المدني، أحظى بعلاقات طيبة جداً مع كل القيادات العسكرية الأمنية بمختلف المستويات، وبالتالي علاقاتي مستمرة وعلاقاتي وطيدة وتفاعلي مع القيادات العسكرية مستمر. هذا يعطيني الحافز والثقة أنني أتكلم بما أريد وبما يعكس إيصال الرسالة إلى المواطن لأن همي حقيقة كناطق أن أحرص على الجانب التفاعلي مع الجمهور، وأن نكون مؤثرين في خطابنا، وبالتالي انتقاء الصفات أنا أحرص عليها بعض الأحيان في خطابي. أنتقي صفات بسيطة لتحاكي الشارع الاعتيادي والمواطن البسيط، وأنتقي أيضاً مفردات عسكرية أنا أحملها وأنا درستها ومارستها في عملي كضابط لأحاكي فيها القيادات الرسمية والقيادات في مستويات عليا، لذلك أحرص في خطابي أن يصل إلى مختلف المستويات من المستويات العليا إلى المستويات البسيطة.
رووداو: كيف بدأ صباح النعمان المسيرة العسكرية إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه؟
صباح النعمان: قد تستغرب إذا قلت لك أنا في البداية لم أكن أفكر بالجانب العسكري، وبالتالي مثل أي شخص كان دائماً يحلم بمستويات الوظيفية كالطبيب والمهندس وهو الذي تعلمنا عليه وشجعونا عليه أهلنا، ودرست سنة في كلية الطب في جامعة بغداد لكن حقيقة لم أجد نفسي في هذا المجال، وبالتالي أنا دائماً أبحث عن نفسي وأحاول أطور نفسي.
رووداو: دخلت الطب؟
صباح النعمان: نعم دخلت الطب ودرست لكنني لم أجد نفسي وكانت دراستي في تلك الفترة أثناء الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات، لذلك وجدت نفسي ضائعاً في هذا المجال وأحب العمل التفاعلي وأحب الأكشن مثلما نقول، لذلك كانت انتقلت مباشرة إلى الكلية العسكرية.
رووداو: دائماً عندما نسمع من الأهل عندما يتحدثون مع الأطفال يقولون إذا لم تدخل كلية جيدة ستكون عسكرياً، لكنك أثبت العكس، من كلية الطب إلى الكلية العسكرية.
صباح النعمان: عندما تبحث عن نفسك وتجدها في مكان ستبدع في هذا المكان. أنا لم أجد نفسي في كلية الطب لكن وجدت نفسي في الكلية العسكرية الأولى مصنع الأبطال، وزادني طموحاً أن أرتقي بمستوى أعلى من أقراني في الكليات العسكرية، وبالتالي وفقني الله أن أكون من الأوائل في مرحلتي أو في دورتي وكان هناك نظام أن الأوائل يذهبون إلى كليات أجنبية لتطوير الخبرة ويرجعون يكونون معلمين في نفس الكلية، لذلك أنا غادرت فيروز وماجدة الرومي هذه كانت فترة في درس التشريح في الساعة 10 من يوم الأحد أو الأثنين من كل أسبوع في كلية الطب، وأثناء هذا الدرس الإذاعة الداخلية تكون ميادة الحناوي وفيروز وماجدة الرومي لذلك غادرتهم إلى ميدان آخر وهو ميدان القتال والصاعقة والعمليات الخاصة والمسيرة التحملية وهذه الأمور التي صقلت شخصيتي وأكسبتني قوة وتحدي لذلك كان هناك إصرار أن أكمل لهذه المسيرة والحمد لله توجت بتخرجي من الأكاديمية العسكرية الهندية وعدت لأكون ضابطاً ومعلماً في الكلية التي تدربت فيها والحمد لله لدي طلاب وضباط حالياً في مناصب عليا بالجيش العراقي هم كانوا من طلابي وأنا أفتخر بهذا.
رووداو: تركيبة المجتمع العراقي الاستقلالية الذاتية بأقل خاصة لشخص في بداية عمره بالعشرينات من العمر، الأهل مهمون جداً. كيف أقنعتهم بترك كلية الطب والذهاب الى الكلية العسكرية في مرحلة صعبة جداً من تاريخ العراق وهي الحرب الإيرانية العراقية اي ثمان سنوات وأعتقد الناس ممكن كانوا يريدون يتوجهون لأي مكان لكن لا يتوجهون لعمل عسكر.
صباح النعمان: أنا أنتمي إلى عائلة متوسطة. والدي كان موظفاً بالدولة العراقية وكان يكدح بأكثر من عمل حتى يوفر لنا المتطلبات الأساسية للعيش وأيضاً للدراسة. كان في وقتها وقت صعب. أنا أكبر أخوتي الحمد لله وبالتالي ينبغي أن أكون قدوة لأخوتي ومن خلالي ممكن أنهم يطوروا أنفسهم لذلك اختارت هذا الانتقال وكان مفاجئاً، وأنا كنت من الأوائل في الإعدادية ومعدلي كان تقريباً 93% وهذا كان يؤهل في تلك الفترة أن تدخل كلية الطب، لكن أنا قلت لك كنت أبحث عن نفسي ووالدي ليس من الشخص المتزمت، وبالتالي احترم هذه الرغبة، والدافع الآخر أنه كان متيقن أنني عندما لا أحب هذا المجال سأفشل، وأنا أيضاً تيقنت في ذاتي أنه سأفشل إذا استمرت في هذا المجال لأنني لم أجد نفسي، وبالتالي سينعكس سلبياً على مسيرة أخوتي الذين هم أقل مني لكن الحمد لله والشكر توجت بخطوات ناجحة، وهذا انعكس على مسيرة أخوتي فيما بعد. من بعدي أختي الوحيدة هي مهندسة تخرجت من كلية الهندسة وبعدها أخي الحمد لله هو بروفيسور في مجال الهندسة وناجح جداً وهو الآن أستاذ في جامعة كربلاء وكلية الهندسة، وبعده أخي الدكتور الطبيب بدرجة عالية، وأخي الصغير هو مهندس حاسبات وفني ناجح جداً. أنا أعتقد أنني لو لم أنتقل هذه الانتقالة لما وصل أخوتي إلى هذا المستوى وأنا أتشرف وأفتخر بهم وأجد فيما وصلوا إليه عزاء وعوضاً عن المجال الذي تركته وانتقلت إلى مجال آخر.
رووداو: في أي مرحلة ندمت على الانتقال. مثلا السنة الأولى بالكلية العسكرية أم الثانية؟
صباح النعمان: لم أندم الحمد لله ولكن كنت حريصاً عن أنه أكون الأفضل، بالتالي دائماً دورات الكلية العسكرية يتخرج منها وقد يكون من الأوائلو يختار الصنف. أنا صارت عندي حالة أنه أبقى مستمراً بالكلية العسكرية وأكون من الأوائل وأختار صنفي الذي أريده أو أنه أكون مميزاً أكثر وأذهب إلى أبعد من ذلك أن أكون في جامعة أو كلية عسكرية لها مكانة مرموقة بين الكليات العسكرية الأجنبية، وبالتالي يبقى هذا بصمة في سجلي وفي سيرتي الذاتية، وأنا حالياً في سيرتي الذاتية عندما تؤشر الكلية تؤشر أنه أنا خريج الأكاديمية العسكرية الهندية وتوجتها فيما بعد عندما كنت ضابطاً أن أدرس كلية مدنية ودرست الحاسبات وأنا الآن أحمل بكالوريوس في العلوم العسكرية وبكالوريوس في علوم الحاسبات، فلذلك لم أندم لأنني لا أخطو خطوة إلا بعد التدقيق والدراسة كي لا أفشل، وبالتالي أندم لأنني فشلت في هذه العملية.
رووداو: بحثت كثيراً عن معلومات عنك لم أجد الكثير من المعلومات الشخصية من ضمنها العمر.
صباح النعمان: العمر البيولوجي أنا موليد 1968 لكنني أشعر أنني أصغر من هذا العمر بكثير، لكن لدي ولادة بعد أربع سنوات من هذا العمر كتبت لي حياة جديدة بعد أن سقطت من سلّم بيتنا القديم في النجف، وأنا كنت أعشق بيوت النجف قريبة إلى المرقد الشريف وكنت حريصاً على أن أكون في نفس توقيت أذان المرقد الإمام عليه عليه السلام كان بيتنا قريباً وأسمع الأذان لذلك كنت دائماً حريصاً أنه أواكب المؤذن، لذلك سقطت من السلّم وحدثت عندي حالة إغماء لمدة تقريباً أربعة أو خمسة أيام، حتى فقد أهلي الأمل لكن الله سبحانه وتعالى كتب لي عمراً جديداً لذلك أنا أعتبر أنه لدي عمرين. هذا العمر الذي يشكل انطلاقة، لذل اذا أردت أن تحسبها من الـ 1968 أو من 1972 أو تعطيني فقط أربع أو خمس سنوات.
رووداو: النجف معروفة ببيوتاتها الخاصة وأعتقد أن كل بيت نجفي قديم لديه سرداب وهو كان مكان العائلة الذي ينامون ويجتمعون فيه لأنه يكون دافئاً بالشتاء وبارداً في الصيف والنجف تختلف عن كل المحافظات العراقية الأخرى لأنها تضم قوميات أخرى بسبب وجود الحوزة. كيف أثرت تركيبة النجف على صباح النعمان؟
صباح النعمان: أنا أعتبر نفسي عراقاً مصغراً. أصولي نجفية من الأب والأم وولادتي كانت في محافظة الأنبار بحكم أن والدي كان موظفاً لذلك ولادتي كانت في الأنبار. نشأتي في كربلاء وخدمتي من الكلية العسكرية أو من الطب هي في بغداد، ولذلك أنا أعتبر نفسي عراقاً مصغراً لأنه انتقلت من مكان إلى مكان آخر. النجف تركيبة مجتمعية خاصة حقيقة ولازالت. قد لا أكون مواكباً إلى المرجعية لأنه في تلك الفترة بعمر الطفل لم أكن أعرف المرجعية والتقليد، ولكن وجدت ما رأيته من والدي وواكبت في فترة من الفترات جدي (والد أمي) كان عالم دين ووصل الى مرحلة الاحتياط. ندمت أنه توفى قبل أن أكون في عمر أستطيع أن أنهل منه بعض العلوم لكن شاء القدر أن يتوفى في سنة 1973. لكن واكبت هذه الأزقة والبيوت الصغيرة وكان بيتنا أيضاً قريباً من مقبرة النجف وهذا كان سراً لا أعرف لماذا كانت تستهويني أنه أقضي وقتاً في القبور، وأعشق هذا الهدوء وهذه السكينة، لذلك في طفولتي كنت قريباً جداً من مقبرة النجف وأتجول وأتمشى في هذه المقبرة قبل أن تتوسع وتنفتح فيها الشوارع. أيضاً كانت منطقة خان المخضر مليئة ببيوت العلماء ومن المساجد الصغيرة، وكان تركيبة النجف لحد الآن إنه تختلط المقابر مع البيوت، حتى في أغلب البيوت كانت المقابر في داخل هذه البيوت سواء في السرداب أو في مكان داخل هذا البيت، لذلك عندما تتمشى في أزقة النجف القديمة ستلاقي بيتاً وبجنبها مقبرة، فالتركيبة أثرت علي، لكنني تركت النجف في فترة بداية الصبا لكن نشأتي كانت في كربلاء. مجتمع كربلاء تقريباً نفس التركيبة الدينية للنجف لكن مجتمع كربلاء منفتح أكثر بينما المجتمع النجفي منغلق، بحكم كثرة الوافدين إلى كربلاء وتنوعهم أكثر من النجف بحكم وجود مرقد الإمام الحسين عليه السلام وأخيه العباس لذلك تكون واجهة وقبلة كبيرة جداً لمختلف الجنسيات وهذه أيضاً أثرت في رؤيتنا للناس واحتكاكنا معهم.
رووداو: الانضباط جزء مهم جداً من حياة العسكري، ورغم أن عملك مدني، هل الانضباط العسكري لازال موجوداً بحياتك الشخصية؟
صباح النعمان: أكيد. هذا جانب مهم جداً في جانب العسكري نسميها بالمصطلح التقاليد العسكرية وهذه درسناها وكانت حقيقة مادة علمية أكاديمية تدرس في الكلية العسكرية، وأنا درستها ودرستها إلى طلابي. مادة أسس التقاليد العسكرية. قد تكون تشمل كل العادات والأفعال بما نسميها البروتوكول والأتيكيت بالجانب العسكري والجانب المدني، لأنه دائماً حياتنا عسكرية وندرس المعلومات العسكرية لكن أكيد لا نهمل العلاقات المدنية لأننا نحرص كعسكر أن نكون فاعلين ومؤثرين في الجانب المدني وبالحياة المدنية بحكم تعاملنا. نحن لسنا منغلقين على أنفسنا، خاصة في هذه الفترة، وخاصة بعد عام 2003؛ إذ إن هيكل المؤسسة العسكرية أو الأمنية اختلف عما كان عليه قبل 2003. أصبح هناك تفاعل وعمل مشترك بين المدني والعسكري؛ لذلك تجدني في 2003 لغاية سقوط النظام كنت برتبة مقدم، ولم أنقطع عن الجانب العملي في خدمتي، لكن بعد 2003 وعندما رجعنا وشكلنا وزارة الدفاع -وأنا أفتخر أني كنت من أوائل الناس الذين التحقوا لإعادة تشكيل وزارة الدفاع- كان الهيكل الجديد هو أن يكون هناك هيكل مدني وعسكري يعملان معاً، لذلك انتقلت صفتي من العسكري كضابط إلى الصفة المدنية.
رووداو: هل بقي معك الانضباط العسكري؟
صباح النعمان: بقي هذا الأمر، لأن هذه عادات وليست مادة تتعلمها وممكن أن تتركها لاحقاً، بل تصبح جزءاً من العادات وتدخل في صميم شخصيتك وتتربى عليها، وتربي نفسك على أن تحافظ على هذه العادات. لذلك هي ليست فقط عادات، بل عادات انضباطية صحيحة لا تقتصر فقط على العسكري الذي يرتدي رتبته؛ لذلك تجدني أنا وكل أقراني الذين معي -جماعتي الآن وصلوا إلى رتبة الفريق من أبناء دورتي- أتعامل بالمصطلح العسكري والمصطلح المدني، ولكن طبعي وصفاتي العسكرية هي الغالبة على المدني لأنها ليست خاصة فقط بمجرد لبس الرتبة، بل تصبح جزءاً من الشخصية. لذلك نحن تعلمناها ليس لأننا سنصبح ضباطاً فقط، بل لتبقى معنا حتى لو غادرنا البدلة العسكرية. والآن، أكثر الأشخاص الذين تحولوا من العسكري إلى المدني، وبشهادة الجميع، ناجحون في عملهم، سواء العمل المهني أو تعاملهم مع الآخرين، ونرى أمثلة كثيرة لرتب عسكرية تقلدت مهام مدنية كوزراء أو أدنى من ذلك وكانوا ناجحين جداً في مجال عملهم.
رووداو: كيف أثر هذا على حياتك الشخصية داخل العائلة؟ العسكري عبارة عن "أمر وتنفيذ"، "كلا ونعم"، والجانب الرمادي للمناقشة عادة ما يكون مفقوداً بسبب الانضباط. لهذا يُشاع عن العسكريين أن مجال المرونة عندهم قليل حتى في حياتهم الشخصية. هل أثر هذا عليك؟ هل أنت بالبيت "آمر" أم "مأمور"؟
صباح النعمان: لا، بالعكس، يجب أن تترك مجالاً للمرونة، بغض النظر عن البيت، حتى في مجال عملك وتعاملك مع المرؤوسين ومعيتك، يجب أن تترك فسحة من المرونة، لكن ليس على حساب الأمر العسكري أو الانضباط. والمثل يقول: "لا تكن صلباً فتكسر، ولا ليناً فتعصر". يجب أن يكون عندك جانب وسطي. في فترة من الفترات تحتاج الجانب الإنساني، وهو جانب مهم جداً. أنا معروف عني في الكلية العسكرية أني كنت آمر فصيل، وحقيقة كنت قاسياً وصلباً بحكم المهنة لأنه مطلوب مني تربية هؤلاء الشباب ليكونوا ضباطاً في الجيش العراقي وبمستوى من القيادة لأداء المهام. نعم كنت قاسياً جداً، لكن في هذه القسوة كان الجانب الإنساني موجوداً في تعاملي مع طلابي، والآن لازلت أتمتع بعلاقات طيبة مع طلابي رغم تقدم العمر. في البيت أيضاً، يجب أن تكون لك الكاريزما والشخصية المؤثرة لتؤثر في أولادك حتى يجدوا فيك مثلاً يحتذى به. علاقتك مع الأهل والزوجة يجب أن تكون مبنية على الاحترام والتفاهم، لأنه لا يمكن أن يكون هناك قطبان يتناحران، خاصة في البيت. البيت مؤسسة مقدسة، نعم أنا قاسٍ أحياناً في مجال الحق وتعليم أولادي الصح والغلط ليكونوا انعكاساً لي في المجتمع، ولكن هناك جانب آخر وهو المرونة والصداقة. أنا صديق لأولادي والحمد لله، عندي أربعة (ثلاثة أولاد وبنت)، أنا صديقهم في مجال محدد، وهذا المزيج من الصداقة والصرامة أثّر فيما وصلوا إليه الآن والحمد لله.
رووداو: من الذي يأمر في البيت؟ الزوجة؟
صباح النعمان: أنا تخرجت كملازم في الثمانينات، فكل حياتي كانت قيادية. لكن التوازن بين الحياة المهنية وحياة البيت، وخاصة التعامل مع شريكة الحياة.. الضابط دائماً يكون "ملكاً للدولة" ولعمله، فيقع على عاتق الزوجة المهام الأكبر في تربية الأولاد. وهذا ما حصل حقيقة، أنا أدين لزوجتي بما وصل إليه أولادي، لأنها كانت الأم والأب في غيابي، لكن تبقى رمزية الأب موجودة. حياتي العائلية قائمة على التفاهم، لم نتدخل أنا وهي في خياراتهم الدراسية أو الاجتماعية أو اختيار الشريك، كل أولادي متزوجون الآن، والأساس الذي تربوا عليه كان كفيلاً بأن تكون خياراتهم صحيحة. بعض الأمور من اختصاص "أم البيت"، لكن التخطيط للحياة يكون للرجل، دون نقل الصرامة العسكرية بحذافيرها للبيت.
رووداو: ما قصة "الفاصوليا البيضاء"؟
صباح النعمان: أنا أحب الفاصوليا جداً، وممكن أن آكلها يومياً. في عمليات تحرير الموصل -ولابد أن أذكر دور أربيل والبيشمركة الأبطال إذ كانت أول عملية تنطلق من حدود إقليم كردستان- كنت مع قوات الجهاز (جهاز مكافحة الإرهاب) في منطقة "الخازر". سألت الطباخ (وكان كوردياً طيباً): "ما هو الغداء؟" قال: "فاصوليا سيدي، لكن الفاصوليا لرتبة عميد فما فوق!". وقتها كنت برتبة عقيد وبقي لي 6 أشهر لأترقى، فقلت له ضاحكاً: "أنا سأصبح عميداً عما قريب". هو كان يتحدث بعفوية وفطرة بريئة، ومن يومها صار يحضر لي الفاصوليا يومياً. كان موقفاً طريفاً في وقت صعب جداً حيث كنا نتحضر لعملية اقتحام "برطلة".
رووداو: موقف لا تنساه من حياتك العسكرية؟
صباح النعمان: منذ دخلت الكلية العسكرية في 1/12/1987، مرت عليّ أيام صعبة، خاصة الدراسة في الهند. لكن أقسى المواقف هي معارك التحرير. كنت ناطقاً باسم الجهاز، لكن وجودي في الميدان مع المقاتلين كان يجعل رسالتي أكثر واقعية. الموقف الذي لا أنساه كان في "الساحل الأيمن". كنا في سباق مع الزمن لتحرير الأحياء. كنت أعطي تصريحاً مباشراً لقناة العراقية، وكان هناك ضابط بطل هو الرائد علي التميمي (رحمه الله)، كان يقف بعيداً ويضحك. جاءني وقال: "سيدي، غداً فوجي سيكون رأس الرمح وسنطهر حي التنك". قلت له: "أنتظر منك الخبر لأبثه للناس". في اليوم التالي كنت في مطار القيارة أنتظر طائرة، فوصلني نبأ استشهاد "علي". علي استشهد وهو يحاول إنقاذ امرأة مقعدة كانت على كرسي متحرك؛ قناص استهدفه بـ 3 طلقات في قلبه. تأثرت جداً، لكن العجيب أن جثمانه وصل في نفس اللحظة التي كنت أعلن فيها عبر "العواجل" تحرير حي التنك. كنت أقرأ بيان النصر وصوتي يحاول أن يكون قوياً، بينما جثمان علي أمامي وأنا أبكي من الداخل.
صباح النعمان: يوسف الحفيد الأول، ماذا غير في حياتك؟
صباح النعمان: لدي خمسة أحفاد، لكن يوسف الكبير (ابن ابني الكبير) له معزة خاصة، تشعر أنه امتداد لك. يوسف كان علامة فارقة، وبعده جاء أمير وآدم وأيهم وحسنين، وأنتظر حفيدة من ابنتي قريباً إن شاء الله.
رووداو: الملفات الأمنية وحصر السلاح بيد الدولة.
صباح النعمان: السيد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني (القائد العام للقوات المسلحة) أكد أن حصر السلاح بيد الدولة قرار سيادي. الفصائل التي رفعت السلاح ضد الإرهاب بعد فتوى المرجعية في 2014 قدمت تضحيات مشرفة ويجب أن تُكرم، لكن اليوم المؤسسة الأمنية تعافت. القرار الأمني يجب أن يكون بيد الحكومة. هناك فصائل استجابت وبدأت بالاندماج، وبحلول 30/9 ومع انتهاء مهمة التحالف الدولي، أعتقد أنه لن يبقى مجال لسلاح خارج إطار الدولة، امتثالاً لأوامر المرجعية العليا.
رووداو: العلاقة مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي.
صباح النعمان: العلاقة ستتحول من تحالف دولي إلى علاقة ثنائية. اللجان الفنية برئاسة رئيس أركان الجيش الفريق أول ركن عبد الأمير يار الله حددت توقيتات الانسحاب بناءً على "الجاهزية" وليس العاطفة. لدينا اتفاقية الإطار الاستراتيجي لعام 2011 وسنفعّل بنودها الاقتصادية والعسكرية. زيارة رئيس الوزراء القادمة لواشنطن ستؤسس لمرحلة جديدة، فالأمن والاقتصاد متلازمان.
رووداو: هل مازال داعش يمثل خطراً؟
صباح النعمان: داعش انتهى عسكرياً وميدانياً، لكن "الفكر المتطرف" يحتاج إلى عمل طويل، وهذا ليس واجب الأمن فقط، بل الجامعات والمؤسسات والمجتمع لتفنيد الأيديولوجية التكفيرية.
رووداو: التعاون مع إقليم كوردستان.
صباح النعمان: التعاون في أعلى مستوياته، لأن الجامع هو العراق. زرت أربيل مؤخراً ضمن وفد برئاسة رئيس أركان الجيش، والتقينا السيد مسعود بارزاني والسيد مسرور بارزاني والسيد نيجيرفان بارزاني، والعمل الميداني مع وزير الداخلية السيد ريبر أحمد ووزير البيشمركة مستمر. التنسيق عالٍ جداً لحماية الحدود، وهناك غرف عمليات مشتركة في أربيل وكركوك وبغداد. أما بخصوص الشركات النفطية، فقد أعطى السيد رئيس الوزراء ضمانات أمنية، والوفود الفنية أجرت مسحاً للمنشآت في أربيل والسليمانية لتوفير حماية ضد التهديدات (مثل الطائرات المسيرة)، وستشكل غرفة عمليات للدفاع الجوي ومركز تبادل معلومات استخبارية لردم أي فجوات أمنية.
رووداو: كلمة أخيرة.
صباح النعمان: أشكر قناة رووداو، علاقتي بكم تمتد لأيام التحرير، وأشهد بمهنيتكم. ولا أنسى دائماً أن أترحم على الشهيدة شفاء كوردي، تلك الإنسانة المهنية الرائعة التي ضحت بحياتها لإيصال الحقيقة.


