رووداو ديجيتال
"الشخصيات التي تعيش على الهامش تشدني كثيراً، لأنني أشعر غالباً أن وراء صمتها حكاية لا يعرفها الآخرون". بهذه الكلمات يختصر القاص العراقي محمد جبر حسن جانباً من عالمه السردي في مجموعته القصصية "حقيبة الأمنيات"، التي تتنقل بين الحرب والغربة والفقد، وتروي حكايات أشخاص عاديين مروا بظروف غير عادية.
وفي حديثه لشبكة رووداو الإعلامية اليوم الأحد (20 أيلول 2026)، أوضح حسن أن المجموعة صدرت عام 2025 عن دار السرد للطباعة والنشر، قبل أن يختارها الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق لتصدر ضمن منشوراته، مشيراً إلى أن قصصها كُتبت في أوقات مختلفة، ونُشرت منفردة على صفحته الشخصية في فيسبوك وفي عدد من الصحف العراقية والعربية، قبل أن يجمعها في كتاب واحد، بعد إجراء تعديلات لغوية بسيطة واستبدال إحدى القصص بأخرى.
قراءة في حقيبة الأمنيات
تتنوع الحكايات في أحداثها وشخصياتها وأمكنتها، غير أن خيطاً إنسانياً يجمع بينها، فمعظم أبطالها يحملون أمنية، صغيرة كانت أم كبيرة، ويحاولون الاحتفاظ بما تبقى لهم من حياة أو ذاكرة أو حلم لم يتحقق.
في القصة التي تحمل المجموعة عنوانها، نلتقي سعيداً، الرجل الذي فقد إحدى قدميه بسبب الحرب، ثم يفقد حقيبته التي يحتفظ فيها بقصاصات كتب عليها أمنياته، فيشعر أنه فقد معها حياته بأكملها.
وعن اختياره الحقيبة محوراً للحكاية وعنواناً للمجموعة، يقول حسن: "الحقيبة بالنسبة إلى بطل القصة، سعيد، لم تكن مجرد حقيبة"، موضحاً أنها كانت آخر ما تبقى له بعد خساراته المتعددة، ولذلك يصرخ حين تُسرق منه: "سرقوا حياتي".
ويضيف أن فكرة الأمنيات لم تقتصر على سعيد، فقد انتبه الدكتور عبدالكريم المصطفاوي، في مقدمته للكتاب، إلى وجود أمنيات لدى معظم أبطال القصص، وهو ما كان الكاتب يشعر به أثناء الكتابة، حتى إن لم يفكر فيه بهذه الصورة منذ البداية.
من حقيبة سعيد التي تختزن حياته، ننتقل إلى "حارس الأرواح المنسية"، حيث يبدأ سالم صبري، المهاجر العراقي في هولندا، العمل في تنظيف مقبرة، قبل أن يتحول اهتمامه إلى أصحاب القبور، ولا سيما العراقيين الذين رحلوا بعيداً عن أهلهم وانقطعت زيارات ذويهم.
يقول حسن إن سالم شخصية متخيلة، لكنه يستدرك بأن الواقع يدخل دائماً في تكوين الشخصيات. ومن خلال تجربته في هولندا، حيث يقيم منذ نحو تسعة عشر عاماً، جاءت فكرة الإنسان الذي يهاجر معتقداً أنه ترك أشياء كثيرة وراءه، ثم يكتشف أنه حمل جزءاً منها معه.
ويشير إلى أن جملة سالم "لأن أحداً لن يزورها غيري" كانت مهمة بالنسبة إليه، ومنها جاء عنوان القصة، التي يصبح بطلها ذاكرة لأشخاص لم يعرفهم في حياتهم.
يعود بنا الكاتب إلى المقبرة مرة أخرى في "هو الذي رأى"، وهي قصة يستحضر عنوانها العبارة الافتتاحية لملحمة كلكامش، وتحكي عن رجل مجهول يحمل في داخله ما رآه وعاشه.
وعن اختياره العنوان، يؤكد حسن أن الإحالة إلى الملحمة كانت مقصودة، لكنه لم يرد إعادة حكاية كلكامش أو الارتباط بها مباشرة، وإنما استعار من العبارة معناها وظلالها.
أما المقبرة، فيراها مكاناً للذاكرة المنسية أيضاً، ففيها أشخاص عاشوا على الهامش ورحلوا، لكن قصصهم وآثارهم ما زالت موجودة.
لا يقتصر عالم "حقيبة الأمنيات" على الموت والغربة والحروب، ففي حكاية "رغم أنفه" نقترب من إنسان تؤثر نظرة الآخرين إلى مظهره في علاقته بنفسه، بينما يختار بطل "فم مغلق" الصمت بعدما اعتاد كتمان رأيه. وفي "حتى حزنها جميل" تجمع زهرة حمراء بين شخصين يحمل كل منهما فقداً مختلفاً.
أما "صندوق أمي" و"صندوق أبي"، فيعيداننا إلى الذاكرة العائلية، وإلى تلك الأشياء الصغيرة التي تصبح بعد غياب أصحابها أكثر حضوراً في حياتنا.
تختلف الحكايات في أحداثها، لكنها تلتقي عند الإنسان العادي الذي يواجه ظروفاً استثنائية، ويحاول أن يحافظ على شيء من ذاته وسط الخسارات المتلاحقة.
وعن بدايات قصصه، يقول محمد جبر حسن إنه لا يتبع طريقة ثابتة في الكتابة، فقد تبدأ الحكاية من فكرة تطرأ له في الطريق أو أثناء غفوة، أو من شخصية أو مشهد أو جملة تستوقفه، قبل أن تمر بمراحل طويلة من الكتابة والتعديل والإضافة والحذف.
ويشير إلى أن الحرب والغربة والفقد موضوعات تتكرر في نصوصه، ربما لأنها تركت أثراً كبيراً في حياة الناس، ومن الصعب أن يكتب الإنسان عنها وكأنها بعيدة عنه.
ويختصر علاقته بشخصياته قائلاً: "وأنا لا أراها شخصيات غريبة، بل أشخاصاً عاديين مروا بظروف غير عادية".
ربما هذا ما تتركه "حقيبة الأمنيات" في نفس القارئ، أن يقترب من حكايات أشخاص قد يمر بهم في حياته اليومية دون أن يعرف ما يحملونه في داخلهم، وأن يكتشف أن وراء الصمت أو الحزن أو حتى الأشياء القديمة التي نحتفظ بها، حكاية تستحق أن تُروى.
وكما يقول محمد جبر حسن: "أنا لا أكتب لأن عندي إجابات جاهزة لكل ما أراه.. أكتب لأن هناك أشياء وأسئلة تشغلني، وأحاول أن أضعها في قصة، ثم أترك للقارئ أن يأخذ منها ما يشاء".

.webp&w=3840&q=75)
