رووداو ديجيتال
تستهل مشاهد الفيلم الدرامي السياسي الإيراني "بذرة التين المقدس"، إصدار عام 2024، من تأليف وإنتاج وإخراج محمد رسولوف، بلقطات لمسدس مع ثماني طلقات فوق طاولة بيضاء، يتسلمها شخص بتوقيع، سنعرف فيما بعد أن اسمه إيمان (ميساغ زاريه)، وهو محامٍ متدين ونزيه، يعيش مع زوجته نجمة (سهيلة جولستاني)، وبنتيهما، ريزفان أو رضوان، (مهسا رستمي)، التي ستذهب هذا العام إلى الجامعة، وشقيقتها الصغرى سناء (ستاره مالكي)، طالبة في الثانوية. وقد عُيّن تواً قاضياً للتحقيق في المحكمة الثورية في طهران. يوفر له هذا المنصب راتباً أعلى وشقة أكبر لعائلته، وهو ما كانت تتمناه زوجته، لكن هذا المنصب سيسبب له الارتياب والقلق.
لم يستخدم المخرج رسولوف لقطات المسدس والرصاصات الثماني كمشهد استهلالي ترفاً جمالياً أو لرغبة عابرة لإظهار السلاح، مع أنه، رسولوف، متقشف في مشاهده ولا يميل كثيراً إلى التفاصل، بل جاء ذلك تجسيداً للمبدأ الدرامي الشهير المعروف بـ "بندقية تشيخوف (Chekhov's Gun)، ويعود هذا المبدأ إلى الكاتب المسرحي الروسي، أنطون تشيخوف، الذي يقول باختصار، إن "كل عنصر يتم تقديمه في القصة يجب أن يكون له دور وفائدة في الأحداث، وإلا فلا داعي لوجوده"، وفي رواية أخرى لتشيخوف يشرح فيها المبدأ: "إذا قلت في الفصل الأول إن هناك بندقية معلقة على الحائط، فإنها في الفصل الثاني أو الثالث يجب أن تطلق النار. وإذا لم تطلق النار، فلا ينبغي لها أن تكون معلقة هناك"، وهذا ما يهيئنا له المخرج لوجود المسدس الذي سيتحول إلى حدث مهم من أحداث الفيلم لاحقاً.

في طريقه إلى بيته، يتوقف إيمان عند مزار ديني صغير، وفي منطقة نائية، وهذا يعني أنه قادم من خارج طهران، ليصلي ويشكر الله على نعمته ومنصبه، وعند وصوله إلى شقته البسيطة والمتواضعة، يزف خبر ترقيته لزوجته التي تُسعد كثيراً، ويُريها المسدس الذي منح له حفاظاً على حياته، كجزء من متطلبات المنصب الجديد، بل يطلب منها أن تمسكه لتعلق بأنه "ثقيل".
تنشغل الزوجة نجمة كثيراً، بالمنصب الجديد، وتعلم ابنتيها بأهمية هذا المنصب الذي يتطلب السرية التامة والابتعاد عن الصديقات وعدم إخبار أي أحد بهذه الترقية، بحسب توصيات زوجها. وستغضب الأم عندما تستضيف ابنتاها صديقتهما الوحيدة صدف (نيوشا أخشي)، القادمة من خارج طهران، للالتحاق بالجامعة والسكن الجامعي، خاصة أن صدف تتمتع بأفكار تحررية وضد الحجاب، وتطلي أظافرها وتصبغ شعرها، وهذه أفكار هدّامة بالنسبة لنجمة، بينما ابنتها سناء تصارحها بأنها تريد أن تطلي أظافرها وتصبغ شعرها باللون الأزرق.

يتزامن تسلّم إيمان منصبه الجديد مع الاحتجاجات السياسية في جميع أنحاء البلاد، والتي اندلعت إثر وفاة الشابة الكوردية مهسا أميني في (16 أيلول 2022)، كانت بعمر 21 سنة، بعد أن ألقت القوات الأمنية الإيرانية القبض عليها لأنها لم ترتد الحجاب بالطريقة الرسمية، وإثر تعرضها للتعذيب والضرب المبرح، بحسب شهود عيان وتقارير صحية، بينما أفادت الأجهزة الحكومية بأن سبب وفاتها إصابتها بجلطة دماغية.

بينا تتابع الأم أخبار الاحتجاجات والتظاهرات عبر التلفزيون الرسمي، تحرص البنتان على متابعتها عبر السوشيال ميديا وهي أخبار حقيقية مصاحبة لمشاهد فيديو، والتي تظهر الشرطة وهي تطلق النار على المتظاهرين ودهسهم بالسيارات، بعض هذه المشاهد حقيقية اعتمدها المخرج من لقطات الموبايلات. وفي اليوم الأول للدراسة الجامعية، حيث تلتحق ريزفان بدراستها مع صديقتها صدف، تنفجر احتجاجات الشباب والطلبة من كلا الجنسين، وتصاب صدف، صديقة رضوان المقربة، برصاصة في وجهها في الشارع، خلال تظاهرة ضد الحجاب الإلزامي، قدمت نجمة وبناتها الإسعافات الأولية لها في شقتهن. وقررن إخفاء الحادث عن الأب. لكن نجمة تجبر وبطريقة غير مباشرة صدف على الخروج من الشقة والعودة إلى عائلتها وبعد فترة وجيزة، أُلقي القبض على صدف. ونصحت نجمة بنتيها بالابتعاد عن أصدقائهن الثوريين، ما زاد من توتر الأسرة.
مع تصاعد حدة الاحتجاجات السياسية في جميع أنحاء البلاد، صار إيمان متشككاً ومرتاباً. أجبرته الاحتجاجات على توقيع مئات الأحكام بالإعدام يومياً. في هذه الأثناء، تابعت رضوان وسناء الاحتجاجات برعب على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي النهاية، ثارت ريزفان على والدها أثناء العشاء، مما دفعه إلى توبيخها بسبب ميولها النسوية، التي اعتبرها دعاية معادية.

تنقلب البنتان على والديهما، الأب يدافع عن السلطة، كذلك زوجته نجمة، التي هي مصدر قوته، ويعتبر المحتجين مخالفين لقوانين الله.. الأب الذي يُجبر على التوقيع على مئات القرارات التي تطالب بإعدام الشباب من دون أن يقرأ القضايا أو تتوفر الأدلة، ويكتشف أنه لم يُعيّن لاستخدام خبرته القانونية في التحقيق في القضايا، بل يُتوقع منه الموافقة على الأحكام التي يقدمها له رؤساؤه دون تقييم الأدلة، بما في ذلك أحكام الإعدام، ويعلم أن سلفه قد طُرد لرفضه ذلك. يتطلب المنصب من إيمان أن يبقى مجهول الهوية، ويُؤمر بحجب المعلومات عن الأصدقاء والعائلة الذين قد يُستهدفون كوسيلة للضغط عليه.
فجأة يختفي المسدس الذي سلمته الحكومة لإيمان عند تعيينه قاضي تحقيق، في ظروف غامضة، مما يجعله يفقد الثقة بزوجته وبناته، ويبلغه زميله ورئيسه في العمل، غادري (رضا أخلاقيراد)، بالتستر على الحادث، ريثما يعثر على المسدس لأن العقوبة ستكون السجن 3 سنوات والإبعاد عن العمل، كما أن العقوبة قد تشمله، كونه هو من رشحه للترقية لهذا المنصب. يساوره الشك بأن أحد أفراد عائلته، زوجته أو إحدى بناته قد أخذته، ويكذبون عليه، ويبدأ يفقد ثقته بزوجته وبناته. يجبر إيمان بناته وزوجته على مقابلة زميله علي رضا، محقق في محكمة ثورية، لاستجوابهم. يبرر إيمان هذا التصرف بقوله إنه لم يعد يشعر بالأمان في منزله لأنه فقد ثقته بعائلته.
يُنشر اسم إيمان وصورته وعنوانه لاحقاً على مواقع التواصل الاجتماعي باعتباره قاضي التحقيق الذي أرسل مئات الإيرانيين إلى حبل المشنقة، ينصحه رئيسه بالسفر والاختباء خارج طهران لحماية نفسه وعائلته، ويزوده بمسدس تعويضاً عن مسدسه المفقود، وبالفعل يقرر السفر مع عائلته إلى منزل طفولته، في قرية نائية وخالية الجبال، وقبل ذلك يأخذ أجهزة الموبايل من زوجته وابنتيهما، ويحتفظ بها بعد أن يسجل كلمات المرور.. خلال الرحلة التي تبدو طويلة يتوقف إيمان قرب محل لتسوق بعض المواد الغذائية، فتتعرف إليه امراة وزوجها، وتصوره بوساطة الموبايل، مما يدفعه لمطاردتهم بطريقة الأكشن، على درب ترابي ويجبرهما على التوقف، ويخبره الزوج بأنه مجرم وقاتل، لكنه يكتفي بتقييد أيديهما ومصادرة جهازي الموبايل منهما ومواصلة رحلته.. بعد وصولهم إلى بيت ريفي كبير وبدائي مبني من الطين، وهو بيت طفولته، وقبل نزولهم من السيارة، تكشف سناء لشقيقتها مسدس والدها المفقود، الذي أخفته بحقيبتها ، أنها أخذت المسدس، فتأخذه منها وتخبئه في المقعد الخلفي.

فور وصوله إلى منزل طفولته، يتحول إيمان إلى قاضي تحقيق قاسٍ مع أفراد عائلته ويُحاكمهم ويبدأ باستجوابهم أمام الكاميرا، تماماً كما يفعلون في المحاكم الثورية، محاولاً إجبارهم على الاعتراف حول اختفاء مسدسه. تستمر الفتاتان في إنكار تورطهما، فتتحمل نجمة اللوم لحمايتهما، لكن ريزفان، في محاولة لحماية والدتها وشقيقتها، تدّعي أنها تمتلك المسدس. إلا أنها عندما تأخذ والدها لاستعادته من السيارة، تكتشف اختفائه.
يتصرف إيمان كواحد من الحرس الثوري ويحبس زوجته نجمة وابنته ريزفان، في غرفتين منفصلتين في القبو، لكن سناء تهرب بالمسدس. بعد أن تنصب فخاً، تتمكن من حبس والدها في سقيفة، وتحرير شقيقتها ووالدتها قبل أن يتمكن من الهرب. بعد مطاردة طويلة في أطلال البلدة، يمسك إيمان بنجمة في النهاية، وتقود صرخاتها سناء وريزفان إليهما. ترفع سناء المسدس نحو والدها، لكنها تتردد في إطلاق النار. عندما يتحرك والدها نحوها، ممسكاً بمسدسه الثاني، تصاب بالذعر وتطلق النار على الأرض تحته. تنهار الأرض ويسقط إيمان، فيُفترض أنه مات.

ينتهي الفيلم بمشاهد حقيقية تم التقاطها بالهواتف المحمولة، تُظهر نساء يحتججن في شوارع طهران، وشعرهن مكشوف، ويلوحن بحجابهن في الهواء.
عُرض فيلم "بذرة التين المقدس"، وهو العمل الإخراجي العاشر لمحمد رسولوف، لأول مرة عالمياً، في المسابقة الرسمية للدورة السابعة والسبعين لـــــ(مهرجان كان) السينمائي، في (24 أيار 2024)، حيث فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة. وقبل العرض الأول، حُكم على رسولوف بالسجن ثماني سنوات من قبل السلطات الإيرانية، بالإضافة إلى الجلد، وغرامة مالية، ومصادرة ممتلكاته، وبعد فراره بنجاح إلى ألمانيا، حضر رسولوف وباقي أعضاء فريق العمل والممثلين العرض الأول للفيلم على السجادة الحمراء في (مهرجان كان). قبل ذلك كان المخرج محمد رسولوف قد انتهك مراراً وتكراراً قوانين الرقابة الإيرانية بأفلامه، وحُكم عليه بالسجن ثلاث مرات، بالإضافة إلى منعه من العمل ومغادرة البلاد. وفي عام 2020، فاز فيلمه "لا شر" ، الذي نشرنا عرضاً عنه في رووداو، والذي يتحدث عن حوادث الإعدام في السجون الإيرانية، بالجائزة الكبرى في مهرجان برلين السينمائي الدولي السبعين.

.webp&w=3840&q=75)
