نظام سعر صرف العملة الجديد في
العراق له تداعيات نادرة تتجاوز مجرد التغير في أسعار السلع المستوردة. إذ يمكن
لشركة عراقية أن تربح مليارات الدنانير أو تتكبد خسائر بمليارات، دون أن تبيع سلعة
واحدة، أو تشتري آلة جديدة، أو حتى تحصل على قرض جديد.
يكمن السر في هذا الأمر في
"الميزانية" أو السجلات المالية للشركات. لنفترض أن شركة عراقية تمتلك
10 ملايين دولار نقداً أو كـ "مستحقات مالية" تحت اليد. بسعر الدولار
السابق الذي كان نحو 1,310 دنانير، كانت قيمة هذا المبلغ 13.1 مليار دينار، ولكن
بالسعر الجديد البالغ 1,520 ديناراً، تصبح قيمته 15.2 مليار دينار؛ أي أن الفارق
هو 2.1 مليار دينار.
الشركة لم تحصل على دولار واحد
إضافي، ولا يزال في حسابها البنكي 10 ملايين دولار تماماً، ولكن عند احتساب
رأسمالها الدولاري بالدينار، أصبحت قيمته أكبر بكثير.
المعادلة العكسية
إذا كانت هناك شركة عراقية مدينة
بمبلغ 10 ملايين دولار، فستواجه وضعاً معاكساً تماماً؛ حيث ستزداد قيمة دينها
بالدينار بنحو 2.1 مليار دينار. الشركة لم تقترض مبلغاً إضافياً، والدائن لم يرفع
نسبة الفائدة على الدولار، بل إن مجرد تغير سعر الصرف جعل نفس الدين بالعملة
المحلية أكثر تكلفة وصعوبة.
هذا الوضع يخلق خطاً فاصلاً
جديداً بين التجار والشركات في العراق؛ فالشركات التي تعتمد إيراداتها على الدولار
ستكون مستفيدة، وفي المقابل، الشركات التي تكون إيراداتها بالدينار ولكن قروضها أو
نفقاتها بالدولار ستكون هي المتضررة.
على سبيل المثال، شركة مقاولات
لديها عقد بقيمة 20 مليون دولار لشراء آلات من الخارج؛ بسعر 1,310 دنانير، كان هذا
الالتزام المالي يعادل 26.2 مليار دينار، أما بسعر 1,520 ديناراً فسيصبح 30.4
مليار دينار. الآلة لم تصبح أغلى بالدولار، لكن الشركة العراقية أصبحت بحاجة إلى
4.2 مليار دينار إضافية لشراء نفس تلك الآلات.
وفي المقابل، يواجه
"المصدّر" معادلة عكسية؛ فشركة لديها إيرادات بقيمة 5 ملايين دولار،
كانت تعادل بالسعر القديم نحو 6.55 مليار دينار، أما بسعر 1,520 ديناراً فستعادل
7.6 مليار دينار، وهذا يعني أكثر من مليار دينار كإيرادات إضافية لنفس المبلغ من
الدولارات.
السلع المخزنة
الموضوع في قطاع تخزين السلع أكثر
إثارة للاهتمام. الكاسب أو التاجر الصغير الذي استورد سلعاً قبل عدة أشهر، من
الواضح أنه اشتراها عندما كان سعر الدولار أرخص، أما منافسه الذي يطلب نفس السلعة
اليوم، فستكون تكلفتها عليه بالدينار أعلى. لذا، لفترة مؤقتة، يستفيد التاجر الأول
من حيث التكلفة.
ولكن عندما تُباع تلك السلع
القديمة، فإن إعادة ملء المخزن بسلع جديدة ستكون أكثر تكلفة بكثير. من هنا، قد
تربح شركة "على الورق" (حسابياً)، ولكن في الواقع، تكون قدرتها المالية
قد ضعفت لإعادة ملء المخزون وشراء نفس كمية السلع.
سعر الدولار الحقيقي
هناك رقم آخر لا يمكن للتجار
تجاهله، وهو السعر الذي يمكنهم الحصول به على الدولار بشكل حقيقي في السوق.
المستورد الذي يحتاج إلى 10
ملايين دولار، يحتاج بالسعر الرسمي (1,520 ديناراً) إلى 15.2 مليار دينار، ولكن
إذا اضطر لشرائه بسعر 1,680 ديناراً من السوق الموازي، فسيحتاج إلى 16.8 مليار
دينار، وهذا يخلق فرقاً قدره 1.6 مليار دينار في صفقة واحدة.
هذا يعني أن السعر الرسمي هو جزء
فقط من القصة؛ فبالنسبة للقطاع التجاري، "السعر الحقيقي" هو السعر الذي
يمكنهم به شراء الدولار فعلياً وعملياً.
التأثيرات
تداعيات هذا الوضع قد تكون أوسع
بكثير؛ فالشركة التي تثقل كاهلها ديون كبيرة بالدولار ستضعف مالياً، والبنك الذي
أقرض تلك الشركة سيواجه مخاطر عدم استرداد ديونه.
في الحقيقة، تغيير سعر الصرف في
العراق ليس مجرد تغيير لسعر الدولار، بل هو عملية "إعادة توزيع" لقيمة
الثروات بين الشركات.
أولئك الذين يمتلكون رأسمالاً
بالدولار يظهرون فجأة أكثر ثراءً بالدينار، ومن عليهم ديون بالدولار يصبحون أضعف.
لهذا السبب، فإن السؤال الأهم للشركة العراقية بعد تغيير سعر الدولار إلى 1,520
ديناراً لم يعد مجرد "كم نبيع؟"، بل السؤال الحقيقي هو: كم دولاراً
نملك؟ وما هو حجم ديوننا بالدولار؟ وبأي سعر يمكننا الحصول عليه عملياً؟.
بعد تغيير سعر الدولار، قد تصبح
بعض الشركات أكثر ثراءً بمليارات الدنانير دون أن تحصل على دولار واحد إضافي،
بينما قد تخسر شركات أخرى مليارات الدنانير دون أن تنفق حتى دولاراً واحداً
إضافياً.
.jpg&w=3840&q=75)
.jpg&w=3840&q=75)

