مقدمة
يتحدث رئيس الوزراء العراقي في الداخل والخارج عن خطة لرفع مستوى إنتاج النفط إلى 10 ملايين برميل يومياً، لكن الوصول إلى هذا المستوى من الإنتاج بقدر ما هو صعب، هو أكثر خطورة بعشر مرات على اقتصاد العراق وسكانه في أقل من عقدين مقبلين، لأن 92% من إيرادات هذه الدولة التي يبلغ عدد سكانها 46 مليون نسمة تأتي من النفط.
في الواقع، عند الحديث عن رفع مستوى الإنتاج اليومي للنفط، يجب قبل كل شيء أخذ نسبة الاحتياطي إلى الإنتاج (R/P) في الاعتبار. خلال العقدين الماضيين، تمكن العراق من مضاعفة مستوى إنتاجه فقط (من 2.5 مليون إلى 4.5 مليون برميل) بتكلفة بلغت قرابة 80 تريليون دينار، أو ما يعادل توفير 78% من إجمالي الاستثمار السنوي للبلاد. والآن، يدور الحديث عن مضاعفة هذه الكمية في أقل من أربع سنوات.
كذلك، وبغض النظر عن القدرات التقنية، وبيئة الاستثمار، وجذب الشركات الأجنبية، والوضع الأمني والسياسي الداخلي والإقليمي، فإن هذا الحديث يثير تساؤلات جدية حول اقتصاد البلاد في المستقبل، لأنه وفقاً لهذا المستوى من إنتاج النفط، فإن احتياطي العراق النفطي لن يكفي إلا حتى عام 2045، وبعدها سيصل إلى مرحلة "المسار الحرج" الذي يتجاوز فيه الإنتاج احتياطيات الحقول.
إذا كانت هذه الاستراتيجية الجديدة تهدف فقط إلى زيادة إنتاج النفط ولم تُحوَّل إيراداتها إلى استثمارات في قطاعات مختلفة، فعندما يصل عدد سكان البلاد إلى أكثر من 63 مليون نسمة في أدنى السيناريوهات وتبلغ نفقاتها السنوية 209 تريليونات دينار كحد أدنى، يبرز السؤال: من سيتولى أمر هذه الدولة عديمة الإيرادات، أو من سيدير العراق في عام 2045؟
سيناريوهات إنتاج النفط من الآن حتى 10 ملايين برميل يومياً
في هذه الأيام، انخفض مستوى إنتاج النفط العراقي إلى حوالي 3.6 مليون برميل يومياً بسبب التوترات في المنطقة، في حين كان يبلغ 4.6 مليون برميل يومياً في أفضل الأحوال قبل هذا الوضع. ورغم ذلك، تتضمن الخطة الاستراتيجية 2027-2030 الحديث عن رفعه إلى 10 ملايين برميل يومياً في أقل من أربع سنوات قادمة.
في الحقيقة، إن الوصول إلى مستوى إنتاج يبلغ 10 ملايين برميل يومياً لا يشمل فقط جلب الاستثمارات الأجنبية ووضع خطط للإنفاق الداخلي، بل يتطلب أيضاً تطوير القدرات الإدارية، وتوفير بيئة عمل، واستثمارات بمليارات الدولارات، وزيادة سعة التخزين، ومد خطوط النقل وربطها بالخارج، ولكن النقطة الحاسمة في هذه العملية هي مبدأ (نسبة الاحتياطي إلى الإنتاج - R/P).
جوهر هذا المبدأ هو أن كمية استخراج النفط يجب ألا تتجاوز 10% من إجمالي الاحتياطي، لكي لا تدخل الحقول في "مسار الاستخراج الحرج" وتتعرض للجفاف المبكر. ولهذا السبب، تنظّم الشركات الكبرى هذه النسبة باستمرار.
وفقاً لعدة سيناريوهات وباستخدام المعادلة أدناه، يمكننا تحديد المسار الخطِر للإنتاج باستخدام الاحتياطي المؤكد ومستوى الإنتاج بحسب الزمن، والمعادلة هي:
Pt ≤ {(Rt)(Pt-1)} / {Rt-1}
في الواقع، تمنح نسبة الاحتياطي إلى الإنتاج R/P تأثيراً تنبؤياً مستقراً، لأن التحليل الدقيق لهذا المبدأ يفيد بأنه إذا جرى استهلاك الاحتياطي (Reserves)، الذي يرمز له بالحرف (R) في سنة معينة، بمعدل إنتاج معين (Production)، الذي يرمز له بالحرف (P) في نفس السنة، فإن الاحتياطي سينفد خلال (R/P) سنة.
بناءً على هذه المعادلة، وُضعت خمسة سيناريوهات مختلفة لإنتاج النفط والاحتياطي في العراق. ففي السيناريو الأول، إذا بقي مستوى إنتاج النفط عند معدله الحالي البالغ 3.6 مليون برميل يومياً، فإن احتياطي العراق النفطي سيظل آمناً حتى عام 2118. ولكن إذا عاد المستوى إلى 4.6 مليون برميل يومياً، فإن الخطر على الاحتياطي سيبدأ قبل عام 2100. وفي السيناريو الذي يرفع فيه العراق مستوى إنتاجه إلى 6 ملايين برميل، سيظهر الخطر في عام 2073. وفي حال وصلت القدرة الإنتاجية إلى 8 ملايين برميل، فإن البلاد ستصل إلى مرحلة الخطر في عام 2055. أما في السيناريو الأسوأ والأكثر خطورة، الذي يتمثل في رفع الإنتاج إلى 10 ملايين برميل يومياً، فإن عمر الاحتياطي الطبيعي للنفط في العراق سيتقلص حتى عام 2045، مما يعني أن الإنتاج سيدخل مرحلة الخطر ويتجه نحو النضوب اعتباراً من ذلك العام. علاوة على ذلك، يتناقص إنتاج الحقول النفطية طبيعياً بنسبة تتراوح بين 5% و12% سنوياً إذا لم يتم حفر آبار جديدة وتطويرها.
من حيث مصادر البيانات، يوضح رسم المخطط البياني لعمر الاحتياطي النفطي بين عامي 2026 و2045 كيف أن الرفع السريع للإنتاج من 3.6 مليون إلى 10 ملايين برميل يشبه "موجة انهيار". ففي حين كان السيناريو الطبيعي يضمن استدامة احتياطي البلاد حتى نهاية القرن المقبل، فإن خطة الحكومة الحالية لإنتاج 10 ملايين برميل تقلص من العمر الاستراتيجي للنفط بنسبة تزيد على 60%، وتضع العراق على وشك الخروج من دائرة الدول المصدرة الكبرى قبل منتصف هذا القرن.

سيناريوهات النمو السكاني والنفقات في العراق حتى عام 2045
قد لا تكون زيادة مبيعات النفط، قبل أن يتخلى العالم عن استخدامه، أمراً سيئاً في الأساس، لكنها كارثية بالنسبة للعراق؛ لأنها تتحول مباشرة إلى نفقات تشغيلية ويذهب معظمها لتغطية الرواتب. ويأتي هذا نتيجة للزيادة السكانية، والارتفاع السنوي الكبير في النفقات العامة بنسبة ملحوظة، واعتماد البلاد على إيرادات النفط.
بُنيت تقديرات السكان للسنوات القادمة، كما هو موضح في الرسم البياني أدناه، على نموذج معدل النمو السنوي المركب (CAGR). وقد جرت موازنة هذا النموذج مع المعدلات التي حددتها الأمم المتحدة في تقريرها "الآفاق السكانية العالمية 2024" للعراق، وكانت نقطة الانطلاق هي إحصاءات التعداد السكاني النهائي للعراق لعام 2024، والذي حدد إجمالي عدد السكان بـ (46.1 مليون نسمة)، والذي نشره الجهاز المركزي للإحصاء (COSIT).
على الأساس المذكور أعلاه، طوّرنا ثلاثة سيناريوهات؛ الأول هو السيناريو الأعلى، الذي يستمر فيه الوضع الحالي وتبقى معدلات المواليد مرتفعة. والثاني هو السيناريو المتوسط، الذي يمثل الخط الأساسي للأمم المتحدة (UN WPP 2024) ويتوقع انخفاضاً معتدلاً في معدلات المواليد. أما الثالث فهو السيناريو الأدنى، حيث يؤدي التوسع الحضري السريع، وارتفاع مستويات التعليم، والتغيرات القوية في الاقتصاد والصحة إلى أدنى معدل للمواليد. وتمتد هذه التوقعات حتى عام 2045.
وفقاً للتقديرات، في السيناريو الأدنى سيصل عدد السكان إلى 63.8 مليون نسمة، وفي المستوى المتوسط سيصل إلى 67.8 مليون نسمة، وفي المستوى الأعلى سيصل إلى 70.7 مليون نسمة. وهذا يعني زيادة تتراوح بين 20 إلى 30 مليون شخص. إذا كان 250 ألف شخص فقط يتطلعون سنوياً إلى العمل في القطاع العام، فإن 5 ملايين شخص سيتطلعون إلى التوظيف في القطاع العام خلال عقدين.
هذه الزيادة السكانية، إذا لم تصاحبها خدمات وتوفير للاحتياجات الأساسية وخلق لفرص عمل، ستؤدي بالتأكيد إلى حاجة للتوظيف في القطاع العام. ووفقاً للتوقعات، يعني هذا إضافة ما يقرب من 2 مليون موظف جديد إلى القطاع العام بحلول عام 2045، أي مليون موظف كل عقد كما كان الحال بعد الديكتاتورية، في حين تشير منظمة العمل الدولية (ILO) إلى أن ما بين 250 إلى 400 ألف شخص جديد يدخلون سوق العمل سنوياً في العراق.

من الناحية المالية، وبحسب بيانات وزارة المالية والبنك المركزي، زادت النفقات بشكل كبير في العقد الماضي مقارنة بما قبله، وعلى أساس بيانات العقدين الماضيين وضعنا ثلاثة سيناريوهات لزيادة النفقات في العقدين المقبلين حتى عام 2045. السيناريو الأول، هو أدنى معدل لزيادة النفقات السنوية بنسبة 1%، والذي جرى استخلاصه من المعدل التاريخي لبيانات 2004-2025. السيناريو الثاني، هو المتوسط الذي جرى تحديده بنسبة 4.5% على أساس النمو السكاني وزيادة النفقات التشغيلية والاستثمارية. أما السيناريو الثالث، وهو الأعلى لمعدل الزيادة السنوية في النفقات بنسبة 10%، فقد وضع على أساس زيادة الإنفاق للفترة من 2016 إلى 2024، حيث بلغ متوسط معدل زيادة الإنفاق خلال تلك الفترة 9.8%. وقد قُدِّمتْ هذه السيناريوهات على أساسين مختلفين اعتباراً من عام 2025.
إذا كان نمو الإنفاق السنوي عند أدنى سيناريو وهو 1% وأضيف مليونا موظف جديد في العقدين المقبلين، كما حدث في العقد الماضي، فإن إجمالي النفقات سيصل إلى 209 تريليون دينار بحلول عام 2045، وفي السيناريو المتوسط سيصل إلى 413 تريليون دينار. وإذا زاد معدل نمو الإنفاق بنحو 10% سنوياً كما في السنوات من 2016 إلى 2024، فحينها وعندما يصل الإنتاج إلى المرحلة الحرجة ويتجه الاحتياطي نحو النضوب، ستكون النفقات السنوية للعراق قد تجاوزت 1,152 تريليون دينار.
في الواقع، يوجد ضغط كبير للتوظيف وزيادة النفقات العامة، حيث يتخرج سنوياً أكثر من 250 ألف شاب وشابة من الجامعات والمعاهد وحدها ويطالبون بفرص عمل، وهو ما يصل إلى 5 ملايين شخص بحلول عام 2045، وهذا يعني وجود ضغط مستمر على الحكومة والحكم في العراق.

خاتمة
لم تكن اتجاهات زيادة إنتاج النفط والنمو السكاني وارتفاع النفقات في العراق خلال العقدين الماضيين متوازية؛ ففي حين تضاعف إنتاج النفط وعدد السكان مرتين فقط، زادت النفقات بأكثر من 12 ضعفاً وبنسبة 1182%، مما جعل اقتصاد البلاد بأكمله رهينة لمبيعات النفط.
إذا كانت خطة إنتاج النفط في العقدين المقبلين تقتصر على الاستخراج وتوزيع الرواتب دون تغيير الهيكل الاقتصادي ووضع حد للاقتصاد الاستهلاكي القائم على النفط، فإن السؤال الجاد الذي طُرح في البداية سيفرض نفسه بالكامل: من سيتحمل تكاليف عراق يبلغ عدد سكانه 70 مليون نسمة ونفقات تتجاوز 400 تريليون دينار دون إيرادات نفطية؟
ختاماً، ولمنع الكارثة المتوقعة التي تظهر بوضوح من خلال الأرقام، حان الوقت لأن تخصص الحكومة العراقية إيرادات النفط للاستثمار والأجيال القادمة، وأن تفكر خارج صندوق "المصدر الوحيد للدخل". يجب تنويع الاقتصاد وتطوير قطاعات الزراعة والسياحة والصناعات البتروكيماوية بدلاً من بيع النفط الخام. كما ينبغي تبني خارطة طريق لتعزيز القطاع الخاص وتقليص القطاع العام، لأن هذا هو الرهان الوحيد لبقاء هذا البلد قبل استخراج آخر قطرة نفط من الحقول وانفتاح أبواب الأزمات الكبرى.



