أربيل… بوابة السيادة وسؤال الأمن الأصعب
هذه الحكاية لا تبدأ من لحظة خروج آخر جندي، ولا تنتهي برفع شعار السيادة؛ بل تبدأ من السؤال الذي يختبئ خلف المشهد كله: ماذا تفعل الدولة عندما تصبح وحدها أمام مسؤولية حماية أرضها وسمائها وقرارها؟
في 30 أيلول 2026 يدخل العراق مرحلة جديدة مع انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وفق الجدول المتفق عليه بين بغداد وواشنطن. وقد قرأت الحكومة العراقية الموعد بوصفه انتقالاً إلى مرحلة جديدة من السيادة، فيما قرأته وسائل إعلام ومراكز بحث دولية بوصفه أيضاً اختباراً لقدرة بغداد على إدارة الأمن، وضبط السلاح، وحماية المجال الجوي، ومنع عودة تنظيم داعش، وإدارة العلاقة مع القوى الإقليمية، لكن الحكاية العراقية أكثر تعقيداً من صورة "جندي يغادر وقاعدة تُسلَّم".
نعم، فالعراق الذي يستعيد مسؤولية أمنه ليس العراق الذي كان في 2003، ولا العراق الذي انسحبت منه القوات الأميركية في 2011، ولا العراق الذي عاد إليه التحالف في 2014 لمواجهة داعش. وبين هذه المحطات تشكلت دولة اتحادية، وتطورت قواتها، وتغيرت خريطة القوى، وأصبحت أربيل جزءاً أساسياً من معادلة الأمن العراقي.
ولهذا ستكون المحاور الآتية محاولة لقراءة يوم السيادة من أكثر من نافذة: التاريخ، الأمن، الدستور، بغداد، أربيل، رئاسة الإقليم، حكومة الإقليم، السلاح، الأجواء، واشنطن، طهران، داعش، والإعلام العالمي، ثم وضع كل ذلك أمام أحدث مفاهيم تحليل الدولة والسياسة والإعلام.
يوم السيادة… هل هو يوم احتفال أم يوم امتحان؟
قد يبدو 30 أيلول في الوهلة الأولى يوماً احتفالياً: قوات أجنبية تغادر، ومؤسسات عراقية تحتفل، وخطاب رسمي يتحدث عن انتقال العراق إلى مرحلة جديدة. وقد أعلنت الحكومة العراقية بالفعل "أيام السيادة"، وعطلة رسمية بهذه المناسبة، لكن الاستقصاء يبدأ من مكان آخر: هل خروج القوات الأجنبية يساوي اكتمال السيادة؟
فالجواب النظري بسيط: ليس بالضرورة، فالسيادة الحديثة لا تعني فقط غياب الجندي الأجنبي، وإنما قدرة الدولة على إدارة أراضيها وحدودها وأجوائها وسلاحها وقرار الحرب والسلم، وعلى ممارسة علاقاتها الخارجية من موقع القرار المستقل.
ومن هنا فإن 30 أيلول ليس نهاية القصة، بل تاريخ بدء القياس.
من 2003 إلى 2026… كيف وصل العراق إلى هذه اللحظة؟
لفهم يوم السيادة لا بد من العودة إلى 2003، ٳذ دخلت القوات الأميركية العراق وأسقطت نظام صدام حسين، ثم دخل البلد في مرحلة طويلة من الاحتلال والصراع المسلح وإعادة بناء مؤسسات الدولة. وفي 2011 انسحبت القوات الأميركية، لكن الفراغات الأمنية والسياسية التي أعقبت ذلك تزامنت لاحقاً مع صعود تنظيم داعش، الذي سيطر في 2014 على مساحات واسعة من العراق. وهنا عاد التحالف الدولي، أي: أن التاريخ العراقي الحديث يقدم مفارقة تستحق التوقف: انسحاب 2011 لم يكن نهاية التدخل العسكري، والانسحاب في 2026 يأتي بعد تجربة عسكرية وسياسية مختلفة تماماً. وهذا يجعل السؤال الحقيقي: هل تعلم العراق من تجربة 2011؟
2014.. عندما عادت القوات الأجنبية باسم محاربة داعش
لم تعد القوات الأميركية في 2014 لإدارة العراق كما كان الحال بعد 2003، وإنما ضمن تحالف دولي لمواجهة تنظيم داعش. ومع مرور السنوات، تحولت المهمة من العمليات القتالية الواسعة إلى التدريب والاستشارة والدعم الاستخباري والعسكري. ثم جاءت تفاهمات بغداد وواشنطن التي حددت نهاية المهمة العسكرية، في 30 أيلول 2026. ولهذا فإن الحكومة العراقية تقدم المرحلة الحالية باعتبارها انتقالاً من الدعم العسكري الخارجي إلى المسؤولية الأمنية العراقية، بينما تركز تحليلات دولية على السؤال التالي: هل أصبحت المؤسسات العراقية قادرة فعلاً على تحمل كامل المسؤولية؟
هذا الفرق بين الخطاب السياسي واختبار القدرة هو أول مفتاح لفهم السيادة.
السيادة لا تُقاس بعدد الجنود
وهنا تتغير زاوية النظر، إذا خرج آخر جندي أجنبي، لكن بقيت الدولة عاجزة عن حماية أجوائها، فهل اكتملت السيادة؟ وإذا كانت الدولة تملك الجيش، لكن توجد قوى مسلحة لا تخضع بالكامل لقرارها، فهل اكتملت السيادة؟ وإذا كان القرار السياسي الداخلي يتأثر بقوى خارجية، فهل يكفي الانسحاب العسكري للقول إن القرار أصبح مستقلاً؟ ولهذا يمكن تعريف السؤال الاستقصائي هكذا:
السيادة ليست جغرافيا خالية من الجندي الأجنبي فحسب؛ إنها قدرة الدولة على أن تقول "نعم" أو "لا"، وتتحمل وحدها نتائج قرارها.
السلاح… الامتحان الأكثر حساسية
ربما لا توجد قضية تكشف معنى السيادة أكثر من قضية السلاح. فالخطاب الحكومي العراقي ربط المرحلة المقبلة بمبدأ حصر السلاح بالمؤسسات الدستورية، لكن عملية نزع سلاح الفصائل أو دمج عناصرها ما تزال موضوعاً سياسياً وأمنياً شديد الحساسية. وتشير تقارير حديثة إلى أن بغداد مددت الموعد النهائي لعملية نزع السلاح إلى 30 حزيران 2027، مع طرح مسارات للدمج التدريجي بدلاً من نزع السلاح الجماعي الفوري. وفي المقابل، تقول فصائل مسلحة إن قضية السلاح مرتبطة، من وجهة نظرها، باستكمال السيادة وخروج القوات الأجنبية، وهنا يظهر سؤال شديد الأهمية:
هل تبدأ السيادة بعد خروج الأجنبي، أم تكتمل فحسب عندما تصبح الدولة صاحبة القرار الوحيد في استخدام القوة؟
من يقرر الحرب والسلم؟
هذه ربما أهم جملة تختصر فلسفة الدولة الحديثة: من يقرر الحرب والسلم؟ فإذا كان القرار بيد الحكومة والمؤسسات الدستورية، فإن الدولة تمتلك أحد أهم عناصر السيادة. أما إذا تعددت مراكز القرار العسكري، فإن الدولة تدخل في منطقة رمادية بين السيادة القانونية والسيادة الفعلية. وهذا لا يعني حكماً أن جميع القوى المسلحة متساوية في وضعها القانوني أو السياسي؛ بل يعني أن الاختبار المؤسسي يكمن في معرفة مدى خضوع استخدام القوة للقرار الدستوري للدولة.
أربيل.. المكان الذي يغيّر معنى السؤال
إذا كان الحديث عن السيادة العراقية يبدأ في بغداد، فإنه لا يكتمل من دون أربيل. فإقليم كوردستان جزء من الدولة العراقية وفق النظام الاتحادي، وأمن الإقليم لا يمكن فصله بصورة مطلقة عن الأمن الوطني العراقي، لكن أربيل تحمل خصوصية إضافية: لقد كانت خلال السنوات الأخيرة إحدى أهم نقاط الوجود العسكري للتحالف الدولي. وتشير تقارير حديثة إلى أن منظومات الدفاع الجوي الأميركية في أربيل كانت ذات أهمية في اعتراض صواريخ ومسيّرات استهدفت الإقليم.
لذلك يصبح سؤال السيادة في أربيل أكثر تحديداً:
من يحمي سماء الإقليم بعد رحيل منظومات الدفاع الأجنبية؟
سماء أربيل.. الاختبار الذي لا يظهر في الاحتفالات
يمكن رؤية السيادة البرية، أما السيادة الجوية فإنها أصعب. وقد تغادر القوات الأجنبية القواعد، لكن السؤال يبقى: هل تمتلك الدولة منظومات رادار وإنذار مبكر واعتراض قادرة على حماية المجال الجوي؟ وهل توجد منظومة متكاملة بين بغداد وأربيل والبيشمركة والقوات الاتحادية؟ هذا، وقد حذرت تحليلات دولية من أن مغادرة منظومات الدفاع الجوي الأميركية تخلق فجوة أمنية في ٳقليم كوردستان، خصوصاً في ظل الهجمات الصاروخية والمسيّرة التي شهدتها المنطقة.
ومن هنا.. إذا كانت السيادة تعني حماية السماء، فإن سماء أربيل تصبح أحد أهم مختبرات السيادة العراقية.
رئاسة إقليم كوردستان.. السيادة من منظور اتحادي
في هذه النقطة يدخل موقف رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني إلى قلب المعادلة. الموقف الذي ظهر في خطاب رئاسة الإقليم لا يقوم، في جوهره، على رفض مبدأ السيادة العراقية، بل على سؤال مختلف: كيف تتحول السيادة الاتحادية إلى منظومة أمنية مشتركة تحمي جميع أجزاء العراق؟
وهنا تبرز قضية توحيد قوات البيشمركة، فقد جرى في أيلول 2026 الإعلان عن خطوة جديدة في مسار توحيد القوات، وقدم نيجيرفان بارزاني القوة الموحدة بوصفها جزءاً من منظومة الدفاع الوطني العراقي. كما ركزت تقارير دولية على أن توحيد البيشمركة يمكن أن يصبح عنصراً في إعادة بناء منظومة أمن وطنية عراقية أكثر تكاملاً. وهنا يظهر سؤال مهم: هل يمكن أن يكون توحيد البيشمركة جزءاً من بناء السيادة العراقية، لا عائقاً أمامها؟
البيشمركة.. من قضية كوردية إلى سؤال وطني
نعم، فتاريخياً، كانت البيشمركة مرتبطة بإقليم كوردستان.
لكن التطور الجديد يفتح باباً مختلفاً: هل يمكن أن تصبح البيشمركة جزءاً مؤسسياً من منظومة الدفاع العراقية مع الحفاظ على الإطار الدستوري للإقليم؟ هذا السؤال أكثر تعقيداً من شعار "دمج البيشمركة". فالدمج الحقيقي لا يعني إلغاء المؤسسة، بل يتعلق بالقيادة والتمويل والتسليح والتنسيق وسلسلة الأوامر. ولهذا فإن نجاح العملية يمكن أن يقدم نموذجاً للعلاقة بين الخصوصية الاتحادية والدفاع الوطني المشترك.
مسرور بارزاني.. لماذا تبدو زاوية الحكومة مختلفة؟
إذا كان رئيس إقليم كوردستان ينظر إلى المسألة من زاوية الدولة الاتحادية والعلاقات بين المؤسسات، فإن رئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، يتعامل معها من زاوية تنفيذية وأمنية أكثر مباشرة. وقد عبّر مسرور بارزاني عن مخاوف شديدة إزاء الانسحاب الأميركي، محذراً من تعرض الإقليم لمخاطر أكبر في ظل ضعف قدراته الدفاعية الجوية، ونقلت Financial Times عنه انتقادات حادة للانسحاب، وتحذيرات من انعكاساته على أمن كوردستان. وهنا يجب التمييز بين الموقف السياسي والتقييم الواقعي. فالسؤال ليس: هل نؤيد هذا الموقف أم نرفضه؟ بل: هل تمتلك بغداد وأربيل بديلاً دفاعياً فعلياً عن القدرات التي كان يوفرها التحالف؟
الرئيس مسعود بارزاني.. الذاكرة الطويلة للسيادة
أما الرئيس مسعود بارزاني، فإن قراءة موقفه تحتاج إلى وضعها في سياق تاريخ العلاقة بين بغداد وأربيل. فمفهوم السيادة بالنسبة إلى الحركة السياسية الكوردية ارتبط تاريخياً بمسائل متعددة: الشراكة، الدستور، الفدرالية، الأمن، والحدود بين صلاحيات الحكومة الاتحادية والإقليم. ولهذا فإن السؤال الأعمق ليس: هل أربيل مع السيادة أم ضدها؟ بل: أي نوع من السيادة تريد أربيل أن تراه في العراق؟ سيادة مركزية تعيد إنتاج العلاقة القديمة بين المركز والأطراف؟ أم سيادة اتحادية تقوم على الدستور وتقاسم الصلاحيات؟ وهنا تكمن إحدى أكثر نقاط النقاش حساسية في اليوم العراقي الجديد.
بغداد وأربيل.. هل تستطيعان تحويل السيادة إلى شراكة؟
لا تعني السيادة في الدولة الاتحادية إلغاء الأقاليم، بل تعني أن الدولة الاتحادية نفسها هي الإطار الذي يجمع المؤسسات والاختصاصات. ولهذا فإن اختبار المرحلة المقبلة قد لا يكون في العلاقة بين العراق والولايات المتحدة فحسب، وإنما أيضاً في العلاقة بين: بغداد وأربيل.
إذا شملت حماية المجال الجوي العراقي أربيل، وإذا أصبحت البيشمركة جزءاً من منظومة الدفاع الوطني، وإذا جرى التنسيق الأمني بصورة مؤسسية، فقد تتحول أزمة الانسحاب إلى فرصة لإعادة بناء الأمن الاتحادي. أما إذا عاد الصراع حول الصلاحيات والسلاح والموارد، فقد يصبح ملف السيادة نفسه ساحة جديدة للخلاف.
تركيا أيضاً.. هل انتهى الوجود العسكري الأجنبي كله؟
هنا تظهر نقطة لا ينبغي تجاهلها في أي تحليل استقصائي. فإذا كان يوم السيادة مرتبطاً بخروج القوات الأميركية والتحالف، فماذا عن القوات التركية الموجودة في كوردستان العراق؟
في أيلول 2026 جرى الإعلان عن تفاهم عراقي - تركي بشأن الانسحاب التدريجي للقوات التركية من قاعدة بعشيقة وتسليمها للحكومة الاتحادية، بالتزامن مع ترتيبات أمنية تتعلق بسنجار والجماعات المسلحة هناك. وهذا يوسع السؤال:
هل السيادة العراقية تقاس فقط بخروج الأميركي، أم بخضوع كل الوجود العسكري الأجنبي داخل الأراضي العراقية لإرادة الدولة واتفاقاتها؟
إيران.. الفراغ الذي تخشاه بعض العواصم
في المقابل، يرى بعض المحللين الدوليين أن خروج القوات الأميركية يمكن أن يوسع هامش النفوذ الإيراني داخل العراق. وتناولت Reuters في 29 أيلول 2026 الانسحاب من زاوية تأثيره المحتمل في توازن القوى، وربطت بين مغادرة القوات الأميركية ومخاوف من زيادة النفوذ الإيراني واحتمال استفادة تنظيم داعش من أي فراغ أمني، لكن التحليل العلمي ينبغي أن يفرق بين: زيادة النفوذ المحتملة والقول إن العراق أصبح تابعاً بالكامل لقوة إقليمية.
الأولى فرضية يمكن مناقشتها بالأدلة؛ أما الثانية فتحتاج إلى مؤشرات سياسية ومؤسسية واقتصادية وأمنية قابلة للقياس.
واشنطن.. خروج عسكري أم إعادة تعريف للعلاقة؟
الانسحاب لا يعني بالضرورة انتهاء العلاقة العراقية - الأميركية.
فالولايات المتحدة تعيد تعريف العلاقة من التعاون العسكري المباشر إلى مجالات أوسع، مع استمرار أشكال من التعاون الأمني والاستخباري ومكافحة الإرهاب والعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية. ولهذا فإن السؤال الأدق: هل يغادر النفوذ الأميركي العراق، أم يغادر الوجود العسكري الأميركي المباشر فحسب؟
ٳن الفرق بين السؤالين كبير، فالدولة قد تنهي وجوداً عسكرياً أجنبياً، لكنها تبقي علاقات استراتيجية مع القوة نفسها. وهذا ليس تناقضاً مع السيادة بالضرورة.
السيادة والاستقلال ليسا الشيء نفسه
هذه من أهم النقاط المفاهيمية. فالاستقلال يعني التحرر من التبعية أو السيطرة الخارجية. أما السيادة فتشير إلى السلطة العليا للدولة على إقليمها وسكانها وقرارها السياسي والقانوني. وفي عالم اليوم، تستطيع دولة ذات سيادة أن تكون عضواً في تحالفات وأن تعتمد على شركاء اقتصاديين وأمنيين. ولهذا فإن المعادلة الحديثة ليست: السيادة = العزلة، بل يمكن أن تكون:
السيادة = استقلال القرار مع الانفتاح على الشراكات. ومن هنا يصبح شعار: (الصداقة مع الجميع، والتبعية لأحد) أقرب إلى معادلة سياسية قابلة للنقاش من مجرد شعار احتفالي.
ماذا قالت الصحافة العالمية؟
هنا تنتقل الحكاية من السياسة إلى الإعلام. فالتغطية العالمية لم تقدم رواية واحدة. ٳن بعض وسائل الإعلام ركزت على انتهاء الوجود العسكري الأميركي، بينما ركزت أخرى على احتمال الفراغ الأمني، ونشاط داعش، والنفوذ الإيراني، ومستقبل الفصائل المسلحة. وتكشف مقارنة التغطيات أن السيادة نفسها أصبحت موضوعاً للصراع على التأطير الإعلامي.
فما تسميه بغداد: «استعادة السيادة»، قد تسميه وسيلة دولية: "انسحاباً يختبر قدرة الدولة". والفرق ليس في الحدث نفسه، وإنما في الإطار الذي يُقدَّم من خلاله الحدث.
رويترز.. السيادة أم الفراغ؟
تقرير رويترز Reuters في 29 أيلول وضع الانسحاب في إطار أوسع: نهاية أكثر من عقدين من الوجود العسكري الأميركي، مقابل مخاوف من توسع النفوذ الإيراني واحتمالات استفادة داعش من المرحلة الجديدة. وهذا مهم إعلامياً.
فالوكالة لم تتعامل مع 30 أيلول باعتباره نهاية قصة، وإنما باعتباره إعادة ترتيب لموازين القوة، وهنا يظهر السؤال: هل يصبح العراق أكثر سيادة لأن الأميركي خرج، أم أن السيادة ستُقاس بما ستفعله بغداد بعد خروجه؟
الجزيرة.. اختبار السيادة من بوابة الأمن
أما الجزيرة/ Al Jazeera فقد ركزت على مفهوم "اختبار السيادة"، وربطت الانسحاب بملفات السلاح، والقدرة على حماية الأجواء، واحتمال عودة التهديدات الإرهابية. وهذا التأطير مهم لأنه ينقل الجمهور من سؤال: هل خرج الأميركي؟ إلى سؤال: "هل تستطيع الدولة أن تحمي نفسها؟". وهنا تبدأ الصحافة الاستقصائية الحقيقية.
الإعلام لا ينقل السيادة.. بل يصنع صورتها
وفق نظرية التأطير الإعلامي Framing Theory، لا يقدم الإعلام الواقع خاماً؛ بل يختار زاوية، ومفردات، وصوراً، وشخصيات، ومصادر. ولهذا يمكن أن نجد ثلاثة أطر:
الإطار العراقي الرسمي متمثلا بخروج القوات = انتقال إلى مرحلة السيادة.
والإطار الأمني، ٲي: الخروج = اختبار لقدرة الدولة.
ٲما معادلة الإطار الجيوسياسي: الخروج = إعادة توزيع للنفوذ بين واشنطن وطهران وبغداد وأنقرة.
وكلها الحدث واحد، لكن المعنى الإعلامي مختلف.
أجندة السيادة.. من يحدد السؤال؟
هنا تدخل نظرية وضع الأجندة Agenda Setting فالإعلام لا يخبر الجمهور فقط بما حدث؛ بل يؤثر في القضايا التي يرى الجمهور أنها الأهم. فإذا ركز الإعلام على خروج القوات، أصبحت السيادة: قضية وجود أجنبي. وإذا ركز على السلاح، أصبحت: قضية احتكار القوة. وإذا ركز على أربيل، أصبحت: قضية حماية المجال الجوي والاتحاد العراقي. وإذا ركز على إيران، أصبحت: قضية توازن نفوذ.
ومن هنا يمكن القول إن المعركة ليست فقط على السيادة السياسية، وإنما على تعريف السيادة في الوعي العام.
الأمننة.. عندما تتحول السيادة إلى قضية أمن
وفق نظرية الأمننة Securitization، يمكن أن تتحول قضية سياسية إلى "تهديد أمني" عندما يقدمها الفاعلون السياسيون والإعلاميون باعتبارها خطراً يستوجب إجراءات استثنائية. في الحالة العراقية، يمكن أن نلاحظ ذلك في ملفات، وكالآتي:
• داعش.
• الصواريخ والمسيّرات.
• السلاح خارج مؤسسات الدولة.
• التدخلات الإقليمية.
• حماية أربيل.
• مستقبل القوات المسلحة.
وهنا السؤال:
هل يُستخدم خطاب الأمن لحماية السيادة، أم يمكن أن يتحول أحياناً إلى أداة لإعادة توزيع السلطة؟ هذا سؤال بحثي، وليس حكماً مسبقاً.
الدولة والاحتكار المشروع للقوة
في التصور الويبرِي للدولة، يرتبط مفهوم الدولة باحتكار الاستخدام المشروع للقوة داخل الإقليم. ومن هنا، تصبح قضية السلاح أكثر من مجرد قضية أمنية. إنها قضية تعريف للدولة نفسها. فإذا كانت المؤسسة الدستورية هي صاحبة القرار في استخدام القوة، فإن السيادة تصبح مؤسسية. أما تعدد مراكز القوة فيجعل السؤال أكثر تعقيداً. ولهذا فإن 30 أيلول قد يكون تاريخاً مهماً في قياس انتقال العراق من: وجود أجنبي على الأرض إلى احتكار الدولة للقرار الأمني.
السيادة في عصر الشبكات
الدولة الحديثة لم تعد تعمل داخل حدودها فحسب. فاقتصادها مرتبط بالأسواق، وأمنها مرتبط بالاستخبارات الدولية، وطاقتها مرتبطة بالتجارة الإقليمية، وأمنها السيبراني مرتبط بالشركات العالمية، ومجالها الجوي مرتبط بتكنولوجيا متقدمة؛ لذلك فإن مفهوم السيادة في القرن الحادي والعشرين أصبح أقرب إلى القدرة على إدارة الاعتماد المتبادل، لا التخلص منه بالكامل.
وهنا يظهر السؤال العراقي:
هل يستطيع العراق أن يتعاون مع الولايات المتحدة وتركيا وإيران والدول العربية وأوروبا، من دون أن يتحول التعاون إلى تبعية؟ وهذه هي معادلة السيادة الحديثة.
السيادة والسرديات الاستراتيجية
كل طرف يروي القصة بطريقة مختلفة.
فبغداد تقول: انتهاء المهمة العسكرية وبدء مرحلة وطنية جديدة.
وأربيل: الانتقال يجب أن يضمن استمرار الحماية وعدم ترك الإقليم أمام تهديدات جوية وأمنية.
ٲما واشنطن، فتقول: نهاية مهمة عسكرية وإعادة تعريف للشراكة.
ٲما بعض القوى المسلحة فتصرح: خروج القوات الأجنبية يمثل استكمالاً للسيادة.
كما ٲن بعض التحليلات الدولية تؤكد ٲن الانسحاب قد يغير ميزان القوى داخل العراق والمنطقة.
إذاً، نحن أمام عدة سرديات استراتيجية للحدث نفسه. والسؤال الإعلامي: أي سردية ستصبح الرواية المهيمنة في الذاكرة العراقية؟
ماذا لو فشلت الدولة في سد الفجوة الأمنية
هنا يصل التحقيق إلى أكثر نقاطه حساسية؛ إذا ظهرت فجوة أمنية بعد الانسحاب، فقد تستفيد منها جماعات مسلحة أو تنظيم داعش أو قوى إقليمية، لكن ينبغي عدم تحويل الاحتمال إلى حقيقة مسبقة. فالوقائع الحالية تشير إلى أن العراق يمتلك قوات أمنية ومؤسسات عسكرية تطورت بصورة كبيرة منذ 2014، فيما ترى تحليلات أخرى أن بعض القدرات، خصوصاً في الدفاع الجوي والاستخبارات والاستطلاع، ما تزال تحتاج إلى دعم وتطوير، لذلك فإن السؤال الأدق: ما هي القدرات التي يستطيع العراق تعويضها فوراً، وما هي القدرات التي تحتاج إلى سنوات لبنائها؟
هل يستطيع العراق بناء "سيادة ذكية"؟
السيادة في المستقبل لن تعتمد فقط على عدد الجنود.
ستعتمد على: الرادار، الذكاء الاصطناعي، الأقمار الاصطناعية، الأمن السيبراني، الاستخبارات، الطائرات المسيّرة، الدفاع الجوي، تحليل البيانات، أمن الحدود.. وهلم جرا.
ولهذا فإن العراق أمام انتقال من مفهوم: السيادة العسكرية التقليدية إلى السيادة التكنولوجية والأمنية المتكاملة. وهنا، يمكن أن تكون شراكة بغداد وأربيل في الرادارات والإنذار المبكر والدفاع الجوي أحد النماذج العملية لهذا التحول.
السؤال الأصعب.. ماذا يحدث في 1 تشرين الأول؟
إذا كان 30 أيلول يوم السيادة، فإن 1 تشرين الأول هو أول صباح بعد السيادة. وهنا يسقط البعد الاحتفالي وتبدأ المحاسبة. من يحمي السماء؟ من يراقب الحدود؟من يمنع داعش من إعادة تنظيم صفوفه؟من يضبط السلاح؟ من يحمي أربيل؟ من يدير العلاقة مع واشنطن؟ كيف تتعامل بغداد مع طهران؟ كيف تنظم وجود تركيا؟ كيف تتطور البيشمركة؟ وكيف تتحول السيادة من خطاب إلى مؤسسات؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد معنى 30 أيلول، لا عدد الأعلام المرفوعة في ذلك اليوم.
بقي ٲن نقول:
هل استعاد العراق السيادة أم بدأ اختبارها؟
هنا تصل الحكاية إلى نهايتها التي هي، في الحقيقة، بداية جديدة. ٳذ إن خروج القوات الأميركية وقوات التحالف في 30 أيلول 2026 يمثل حدثاً مهماً في تاريخ العراق الحديث، وقد اتفقت الحكومة العراقية وواشنطن على هذا الانتقال ضمن مسار معلن منذ 2024، لكن السيادة لا يمكن اختزالها في صورة آخر جندي يغادر. فالسيادة تُختبر عندما يصبح القرار الأمني عراقياً، والسلاح خاضعاً للمؤسسات الدستورية، والمجال الجوي محمياً، والحدود مؤمّنة، والعلاقة مع القوى الإقليمية والدولية قائمة على المصالح والاتفاقات، لا على الإملاء. وتُختبر أيضاً داخل الدولة الاتحادية نفسها: هل تكون أربيل شريكاً في السيادة العراقية أم مجرد متلقٍ لقرارات بغداد؟ وهل تستطيع بغداد وأربيل بناء منظومة دفاع مشتركة تحافظ على خصوصية الإقليم الدستورية وتضمن في الوقت نفسه وحدة القرار الدفاعي العراقي؟ وهنا تحديداً تلتقي قضية السيادة مع موقف رئاسة إقليم كوردستان ومسار توحيد البيشمركة؛ إذ إن تقديم القوة الموحدة بوصفها جزءاً من منظومة الدفاع الوطني العراقي يفتح باباً لإعادة تعريف العلاقة بين الأمن الكوردي والأمن الاتحادي.
أما الإعلام العالمي، فقد وضع أمام العراق مرآة مختلفة: بعضه رأى في الانسحاب استعادة للقرار، وبعضه ركز على الفراغ الأمني المحتمل، وبعضه قرأه ضمن صراع النفوذ الإقليمي، لكن المرآة الأهم ليست في واشنطن ولا لندن ولا طهران، إنها في بغداد وأربيل.
لأن السؤال الذي سيبقى بعد انتهاء الاحتفالات ليس: متى خرج الجندي الأجنبي؟
بل: ماذا فعلت الدولة في اليوم التالي لخروجه؟
وهنا يمكن اختصار الحكاية كلها في معادلة واحدة: السيادة ليست لحظة خروج الأجنبي؛ السيادة هي قدرة الدولة على إدارة ما يأتي بعد خروجه.
ومن ثَمّ، فإن 30 أيلول 2026 قد يكون تاريخاً لاستعادة جزء من السيادة، لكنه في الوقت نفسه تاريخ بدء امتحان السيادة العراقية الفعلية، تكمن في السيادة على الأرض، والسيادة على السماء، والسيادة على السلاح، والسيادة على القرار، والسيادة داخل النظام الاتحادي.
وهذه هي الحكاية التي تستحق أن تُروى لا بوصفها احتفالاً بانتهاء مهمة عسكرية، بل بوصفها ثلاثين حلقة في البحث عن إجابة لسؤال واحد: هل عاد القرار إلى العراق.. أم أن العراق بدأ للتو اختبار امتلاك القرار؟



