لا يعاني العراق من نقص في النفط الخام، بقدر ما يعاني من ضعف قدراته في التكرير العميق، وعدم تكامل قطاع البتروكيماويات، ومحدودية الإنتاج المحلي من المنتجات النفطية، وضعف كفاءة منظومة مزج الوقود. ويواجه قطاع الطاقة العراقي مفارقة هيكلية واضحة: فعلى الرغم من امتلاك العراق خامس أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم واحتلاله المرتبة الثانية بين دول منظمة أوبك من حيث الاحتياطيات، فإنه لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد عدد من المنتجات النفطية والغازية والبتروكيماوية لتلبية الطلب المحلي.
وتعود هذه الفجوة بصورة رئيسية إلى عقود من ضعف إدارة قطاع النفط والغاز، ومحدودية الاستثمار في البنية التحتية للتكرير والمعالجة، وغياب رؤية متكاملة لتطوير سلسلة القيمة الهيدروكربونية، إلى جانب تأثير الاضطرابات والتوترات الأمنية والجيوسياسية الإقليمية في أمن الإمدادات وسلاسل الاستيراد. وقد كشفت التطورات الإقليمية الأخيرة، بما في ذلك الاضطرابات التي أثرت في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، عن مدى تعرض العراق لمخاطر خارجية يمكن أن تؤثر في تدفق الواردات الحيوية واستقرار السوق المحلية.
كما أن ضعف البنية التحتية النفطية ومحدودية القدرة على التكرير والمعالجة يقللان من قدرة العراق على تحويل موارده الهيدروكربونية الضخمة إلى قيمة مضافة محلية. ونتيجة لذلك، يضطر العراق إلى إنفاق موارد مالية كبيرة على استيراد المنتجات النفطية والغازية، في الوقت الذي يواصل فيه تصدير النفط الخام. وتكشف هذه المفارقة عن حاجة ملحّة إلى إعادة بناء منظومة المنتجات النفطية في العراق، وتوسيع قدرات التكرير والمعالجة، وتطوير صناعة البتروكيماويات، وتحسين كفاءة إنتاج ومزج الوقود، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد، وتعزيز أمن الطاقة، والحد من تسرب الإيرادات إلى الخارج.
تذكير من أجل رؤية أوضح واستراتيجية أشمل
في يوليو 2026، وخلال زيارة رئيس الوزراء العراقي علي زيدي والوفد المرافق له إلى واشنطن، قُدِّمت ثلاث توصيات رئيسية إلى الجانب العراقي لحلّ قضايا الطاقة العالقة في العراق:
أولاً، يُعدّ رفع إنتاج النفط أمراً بالغ الأهمية لزيادة الإيرادات المحلية والحفاظ على توازن الأسعار في السوق العالمية.
ثانياً، وقف هدر الغاز. فبينما يحتلّ العراق المرتبة الثالثة أو الرابعة بين الدول الأكثر تلوثاً سنوياً، وفقاً لتقارير صندوق النقد الدولي والأمم المتحدة، يجب عليه التوقف عن حرق الغاز وهدره، والعمل بدلاً من ذلك على مساعدة الشركات الأمريكية في استثماره لتوليد الكهرباء.
ثالثاً، تنويع قنوات تصدير النفط، بحيث لا يعتمد العراق كلياً على مضيق هرمز. وبشكل عام، فإن مدّ خطوط أنابيب النفط من البصرة إلى العقبة، ومن كركوك إلى بانياس، وإعادة تصميم خط أنابيب كركوك–جيهان، وحتى التصدير عبر ينبع إلى الأراضي السعودية، لن يُسهم فقط في تنويع قنوات تصدير النفط والاقتصاد، بل سيُعزّز أيضاً الحراك السياسي والدبلوماسي ويُعيد طرح هذا الموضوع على جدول الأعمال.
إن استهداف النقاط الثلاث المذكورة أعلاه، ومعالجة جراح العراق العميقة بشكل مباشر، يُعدّ بداية مناسبة للتحرك نحو حلّ جذري. لكن العراق والولايات المتحدة أغفلا النقطة الرابعة، التي تمثل مصدراً رئيسياً للهدر المالي وسبباً حقيقياً في تعطيل قدرات الدولة: تطوير صناعة البتروكيماويات وتنويع المنتجات النفطية نفسها.
أزمة البنية التحتية وتكوينات النفط
يمتلك العراق النفط الخام ويصدره، لكنه ينفق أكثر من 4 مليارات دولار سنويًا على استيراد النفط والمنتجات والمواد الكيميائية المشتقة منه. علميًا، تبدأ العملية بالنفط الخام، الذي يُكرَّر لإنتاج مجموعة من المكونات والمنتجات البترولية، ثم تُستخدم هذه المكونات في إنتاج البتروكيماويات والمنتجات الصناعية. وتمثل هذه السلسلة المتكاملة جوهر البنية التحتية النفطية والصناعات المرتبطة بها.
على الرغم من إعلان وزارة النفط العراقية في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 توقفها عن استيراد الكيروسين والبنزين والديزل من الخارج، بعد بلوغ القدرة الإنتاجية المحلية المستوى المطلوب، إلا أن الواقع حتى أغسطس/آب 2026 لا يزال مختلفًا. فما زالت شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك – ADNOC) تقوم بتوريد البنزين إلى العراق؛ إذ يشتري العراق اللتر الواحد بنحو 1,500 دينار ويوزعه على المواطنين بسعر 450 دينارًا. وبالمثل، تقوم شركة إماراتية بشراء النفط العراقي من الموانئ القريبة بأسعار مخفضة من شركة تسويق النفط العراقية (سومو)، ثم تحوله إلى بنزين وتبيعه إلى العراق، الذي يعيد توزيعه على المواطنين بالسعر المدعوم.
على الرغم من أن التنويع الاقتصادي ينبغي أن يتم ضمن دورة الطاقة الأوسع، فلنفترض أن الطاقة تقتصر هنا على الوقود الأحفوري: النفط الخام والغاز الطبيعي والفحم، وهي مصادر غنية بالكربون. ينتج النفط الخام مجموعة رئيسية من المنتجات، من بينها الديزل، والنفتا، والبنزين، والكيروسين، ووقود الطائرات، والبيتومين، وزيوت التشحيم للآلات، وغيرها من المواد الأساسية. وفي الواقع، لم يتطور العراق وإقليم كردستان إلا في إنتاج وتصدير البيتومين، في حين بقيت بقية حلقات سلسلة القيمة النفطية والبتروكيماوية محدودة التطور.
ولنفترض أن مصافي كربلاء، وعمار، وذي قار، والشعيبة، وبيجي، والدورة، وكار، ولاناز، ومئات المصافي الصغيرة الأخرى، قادرة اليوم على توفير البنزين اللازم. ومع ذلك، لا يزال العراق بحاجة إلى استيراد مواد ومكونات ضرورية لإنتاج البنزين وغيره من المنتجات النفطية. وتُضاف مواد كيميائية محددة لتحسين النفتا وتحويلها إلى بنزين مناسب للاستخدام في السيارات.
ويمكن تبسيط هذه المشكلة بمثال بسيط: عندما يحتاج إنتاج منتج معين إلى أداة أساسية، فإن غياب هذه الأداة يجعل المنتج النهائي أكثر تكلفة، حتى لو كانت المادة الخام متوفرة. وبالمثل، عندما لا تتوفر المكونات الكيميائية والتقنيات اللازمة لتحويل النفط الخام إلى منتجات نهائية، تصبح عملية الإنتاج أكثر تكلفة ويستمر الاعتماد على الاستيراد. وعندما دُمّر مجمع البتروكيماويات الإيراني، الذي كان يمثل أحد مصادر هذه المكونات للمنطقة، بدأت أسعار البنزين في العراق وإيران بالارتفاع.
نحن نقر بوجود وزارة للنفط في العراق، وليس وزارة لشؤون الطاقة. لكن التنويع لا ينبغي أن يقتصر على الاقتصاد فحسب، بل يجب أن يشمل مختلف القطاعات المدرة للدخل. فالقطاع الزراعي، على سبيل المثال، لا ينبغي أن يقتصر دوره على إنتاج الطماطم والخيار للاستهلاك المباشر أو للسلطات؛ بل يمكن إنشاء عشرات المصانع التي تستخدم المنتجات الزراعية في إنتاج الصابون، وكريمات الوجه، ومستحضرات التجميل وغيرها، ثم تصديرها. ويمكن تحقيق ذلك من خلال مزج المنتجات الزراعية، مثل الخيار، بالكبريت ومكونات أخرى لإنتاج منتجات ذات قيمة مضافة.
وبالمثل، يجب تنويع مصادر الطاقة نفسها، بحيث لا يعتمد العراق على النفط وحده، بل يستفيد من الغاز الطبيعي، والطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وتوليد الكهرباء من خلال إعادة تدوير النفايات، وتقنيات الفحم والماء، وغيرها من الخيارات المتاحة.
وبحسب شركة تسويق النفط العراقية (سومو)، استورد العراق أكثر من 2.1 مليون طن من المنتجات النفطية في عام 2025، بما في ذلك أكثر من 1.523 مليون طن من البنزين والديزل. وفي أغسطس/آب 2026، تبيع سومو النفط الخام بسعر يقل بنحو 28 دولارًا عن سعر السوق، بينما يشتري العراق ويستورد البنزين ومواد ومكونات التكرير الأخرى بأسعار أعلى. وفي عام 2022، كلفت هذه العملية العراق 5.299 مليار دولار. وفي عام 2023، ووفقًا لبيانات مركز التجارة التابع للأمم المتحدة (UN Comtrade) من خلال قاعدة بيانات WITS التابعة للبنك الدولي، تشير البيانات إلى أن واردات المنتجات النفطية وحدها كلفت العراق 4.332 مليار دولار. وهكذا، يعيش العراق أزمة في هذه المنظومة منذ عام 2003.
ولا يقتصر تأثير الطاقة على تغيير السياسات العالمية والإقليمية، بل يشهد قطاعا الطاقة والكيماويات عمومًا سلسلة من التحولات الهيكلية والسريعة. لذلك، وقبل التفكير في تصدير النفط إلى البحر الأبيض المتوسط والخليج العربي والبحر الأحمر، ينبغي للسلطات العراقية أن تسأل نفسها أولاً: كيف يمكن تحويل الغاز الطبيعي إلى أسمدة تُحيي الأراضي المتدهورة وتعزز الأمن الغذائي؟ وكيف يمكن إنتاج الأمونيا واليوريا بهذه الطريقة؟
وبالمثل، لنتساءل: كيف يتم تحويل النفط الخام إلى بنزين؟ بالطبع، رقم الأوكتان في النفتا منخفض جدًا، وعادة ما يتراوح بين 40 و60، وهو ما يجعلها غير مناسبة للاستخدام المباشر في محركات السيارات. ولذلك، يجب مزجها ومعالجتها باستخدام مكونات وهيدروكربونات ترفع رقم الأوكتان، وهي مكونات لا تتوفر بالقدر الكافي في العراق ويضطر إلى استيرادها.
فعلى سبيل المثال، يُستخدم الإيثانول، وهو وقود حيوي، بنسب محددة مثل E10 لرفع رقم الأوكتان وتقليل بعض الانبعاثات. كما تُستخدم مواد كيميائية أخرى لرفع رقم الأوكتان، مثل الميثانول أو ميثيل ثالثي بوتيل الإيثر (MTBE)، رغم أن استخدام الأخير أصبح أقل شيوعًا بسبب الاعتبارات البيئية.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية بوضوح: العراق يمتلك المادة الخام، لكنه لا يمتلك بالقدر الكافي جميع الحلقات الصناعية والكيميائية التي تحول هذه المادة الخام إلى منتجات نهائية ذات قيمة مضافة. ولذلك، فإن بناء البنية التحتية النفطية لا يعني فقط زيادة إنتاج النفط الخام أو إنشاء مصافٍ جديدة، بل يعني بناء سلسلة متكاملة تبدأ من النفط والغاز، وتمر بالتكرير والمعالجة والبتروكيماويات، وتنتهي بمنتجات صناعية واستهلاكية قادرة على تلبية الطلب المحلي وفتح أسواق للتصدير.
إنه يحرق غازه ويستورده من الخارج!
مشكلة العراق ليست نقصًا في الطاقة؛ بل على العكس تمامًا: يمتلك العراق النفط والغاز، لكنه لا يستغل موارده بكفاءة لتحويلها إلى طاقة قابلة للاستخدام. ألم نسمع مرارًا وتكرارًا خلال السنوات الأخيرة أن العراق يهدر غازه ثم يستورده من الخارج؟ إنه يصدّر النفط، ويدفع ثمن الكهرباء التي يشتريها، ومع ذلك لا يزال يعاني من انقطاع التيار الكهربائي. وهكذا، تخسر البلاد جزءًا كبيرًا من القيمة الاقتصادية لمواردها من النفط والغاز.
وهذا ليس مجرد تحذير عابر؛ فالبنك الدولي، ووكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد الدولي، والبرلمان العراقي، ووكالة ستاندرد آند بورز العالمية، ونحن جميعًا نحذر العراق من أن خسائره السنوية الناجمة عن هدر الغاز، وفقًا للقيمة السوقية، تتراوح بين 5 و8 مليارات دولار. وفي الوقت نفسه، يشتري العراق الغاز من إيران بقيمة تقارب 4 مليارات دولار سنويًا لتوليد الكهرباء.
ثم إن الوضع لا يزال يزداد سوءًا. ففي يوليو/تموز 2026، صرّح وزير الكهرباء أمام مجلس النواب بأن إنتاج شبكات الكهرباء في العراق انخفض من نحو 27,000 ميغاواط إلى 22,000 ميغاواط، في حين يحتاج العراق إلى 60,000 ميغاواط. وهذا يعني أن الإنتاج المحلي لا يغطي سوى نحو 37% من احتياجات البلاد.
لذلك، يجب أن يحدث تحول حقيقي من حرق الغاز إلى استثماره، ومن التبعية الطاقية إلى السيادة الطاقية في العراق.
عبء على الميزانية العراقية
للتوترات الجيوسياسية تأثير مباشر على أمن الطاقة العالمي والإقليمي والمحلي. وبين 28 فبراير/شباط وأغسطس/آب 2026، خسر العراق 75% من صادراته النفطية بسبب الحرب وإغلاق مضيق هرمز. ويصدّر العراق نحو 80% من إنتاجه النفطي، بينما يستهلك 20% محليًا.
ويعتمد الاقتصاد العراقي بنسبة 95% على النفط، مما يشكّل عبئًا هائلًا على القطاع العام، الذي يضم 4.45 مليون موظف، بالإضافة إلى مئات الآلاف ممن يتقاضون رواتب حكومية تحت مسميات مختلفة، وعشرات الآلاف ممن يتقاضون راتبين. كما توجد في الجامعات العراقية حالات لموظفين حاصلين على شهادات جامعية ومسجلين ضمن الوظائف، من دون أن يمارسوا عملًا فعليًا، بل إن بعضهم لا يقيم في البلاد.
ويبلغ إجمالي الرواتب الشهرية لموظفي القطاع العام نحو ثمانية تريليونات دينار عراقي، أي ما يعادل قرابة خمسة مليارات دولار.
وبالنظر إلى هذه الأرقام، نجد أن عائدات العراق النفطية في عام 2023 تراوحت بين 87.6 و97.5 مليار دولار، وفي عام 2024 بلغت نحو 94 مليار دولار، بينما بلغت في عام 2025 نحو 69.41 مليار دولار. فمن أين سيأتي العراق بهذه الأموال في عام 2026؟!
يكمن الحل الأساسي في استراتيجية شاملة لتحسين البنية التحتية للبتروكيماويات في العراق، وتعزيز قدرات التكرير والمعالجة وإنتاج المنتجات النفطية، وبالتالي الانتقال تدريجيًا من الاعتماد على تصدير النفط الخام إلى بناء أمن الطاقة وتعزيز المرونة الاقتصادية.
إن بناء الدولة والحكم فن وعلم ومهارة. ولا تكفي استراتيجية سريعة لتنويع قنوات تصدير النفط العراقي؛ فتنويع منافذ التصدير، رغم أهميته، لا يعالج جوهر المشكلة وحده. العراق لا يعاني من نقص في النفط الخام، بل يعاني من ضعف أنظمة التكرير العميق، وعدم تكامل صناعة البتروكيماويات، ومحدودية الإنتاج المحلي من المنتجات النفطية، وعدم كفاءة مزج الوقود. ولذلك، فإن معالجة هذه المشكلة تتطلب تنسيقًا حقيقيًا بين اللجان المختصة في البرلمان العراقي، والحكومة، ومراكز البحوث والدراسات.
وفي الوقت نفسه، يجب إجراء مراجعة شاملة لنسبة الموظفين الحكوميين المسجلين فعليًا والملتزمين بأداء مهامهم، مقارنةً بمن هم مسجلون اسميًا فقط في كشوف الرواتب من دون ممارسة أي عمل فعلي. وفي المقابل، فإن غياب نظام صرف صحي متطور، وضعف البنية التحتية المتينة والمتنوعة للطاقة، واستمرار عدم الاستقرار الإقليمي، كلها عوامل قد تؤدي إلى تفاقم التحديات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية التي يواجهها العراق.
إن العراق يمتلك الموارد التي يمكن أن تجعله دولة تتمتع بأمن الطاقة والاستقلال الاقتصادي، لكن امتلاك الموارد وحده لا يكفي. المطلوب هو بناء البنية التحتية التي تحول النفط والغاز من موارد خام إلى طاقة ومنتجات وقيمة اقتصادية داخل العراق.
• بهروز جعفر / خبير في أمن الطاقة والجغرافيا السياسية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة قبرص الدولية في نيقوسيا، وهو مؤسس ورئيس معهد البحر الأبيض المتوسط للدراسات الإقليمية.



