لم يعد 30 أيلول مجرد موعد سياسي
تنتظره الأطراف المعنية، ولا مهلة يمكن اختزالها في إجراء أمني يتعلق بتسليم السلاح.
لقد أصبح هذا التاريخ اختباراً حقيقياً لمعنى الدولة العراقية نفسها: من يملك
قرارها؟ ومن يحتكر القوة فيها؟ وأين تنتهي شرعية القوى السياسية وتبدأ سلطة
الدولة؟.
لهذا السبب، فإن النقاش حول
السلاح لا يمكن أن يبقى محصوراً في تفاصيل أمنية أو تفاوضية. فالقضية أعمق من ذلك
بكثير؛ إنها تتعلق بالسيادة، وبالهوية السياسية، وبالشكل الذي نريد أن تكون عليه
الدولة في السنوات المقبلة.
المواطن الذي كان يبحث عن إجابات
حول الكهرباء والرواتب والخدمات والبطالة والفساد، يجد أن هذه الملفات تراجعت إلى
الهامش أمام سؤال أكبر وأكثر حساسية: أي دولة نريد؟.
في السابق، كانت الخلافات
السياسية، مهما اشتدت، تدور غالباً حول كيفية إدارة الدولة واقتصادها ومؤسساتها.
كانت هناك اختلافات أيديولوجية حادة، لكنها تجري داخل مساحة مشتركة من الإيمان بأن
الدولة هي المرجعية النهائية، وأن مؤسساتها هي الإطار الذي تُدار من خلاله
الخلافات. أما اليوم، فقد أصبح الخلاف يتجاوز البرامج
والسياسات إلى تعريف الدولة نفسها.
فريق يرى أن الدولة الديمقراطية
لا يمكن أن تكتمل من دون سيادة كاملة، وقانون واحد، وقضاء مستقل، ومؤسسات تحتكر
القوة المشروعة، ومساواة بين المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم.
وفريق آخر يرى أن السلاح لا يمكن
فصله عن تاريخ الصراع والتهديدات التي مر بها العراق، وأن القوى التي حملته في
ظروف استثنائية لا يمكن التعامل معها وكأنها مجرد تشكيلات أمنية يمكن إنهاء دورها
بقرار إداري، وهنا تكمن العقدة.
عندما يصبح السلاح جزءاً من
الهوية السياسية، يصبح الحديث عن تسليمه حديثاً عن هذه الهوية نفسها. وعندما يُنظر
إلى إخضاع السلاح للدولة على أنه استهداف سياسي أو مكوّناتي، فإن القضية تنتقل من
المجال الدستوري إلى المجال الوجودي.
وهذه هي اللحظة التي تصبح فيها
السياسة أكثر خطورة، لأن الخلاف لم يعد حول "ماذا سنفعل"؟، بل حول "من
نحن"؟.
من هنا، تتراجع البرامج، وتتصاعد
لغة الانتماء. يصبح السياسي مطالباً بإثبات موقعه داخل "المعسكر" أكثر
من مطالبته بتقديم حلول لمشكلات الدولة. ويصبح السؤال الذي يحكم المشهد: هل أنت مع
الدولة؟ أم مع القوة التي ترى نفسها حامية لها؟ هل أنت مع الهوية الوطنية؟ أم مع
الهوية المكوّناتية؟.
وعندما تتحول السياسة إلى صراع
هويات، يصبح التوافق أصعب؛ لأن التنازل عن موقف سياسي يمكن أن يكون مقبولاً، لكن
التنازل عما يراه الإنسان جزءاً من هويته ووجوده يصبح أكثر تعقيداً.
لهذا، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن
في أن تختلف القوى السياسية حول السلاح، وإنما في أن يصبح السلاح نفسه معياراً
للانتماء السياسي.
الدولة، في المقابل، يجب ألا تكون
طرفاً في صراع الهويات. وظيفتها أن تكون الإطار الذي يحمي الجميع، وأن تكون
مؤسساتها أعلى من الأحزاب والتيارات والمكونات.
فالديمقراطية ليست مجرد صندوق
اقتراع، والأغلبية لا تعني امتلاك الدولة، كما أن الأقلية لا تملك حق تعطيلها.
الدولة الديمقراطية هي دولة المواطنين جميعاً، والسلطة فيها تُكتسب بالانتخاب،
لكنها تُمارس ضمن الدستور والقانون.
ومن هنا، فإن 30 أيلول ينبغي ألا
يتحول إلى مواجهة إرادات، بل إلى لحظة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوة
السياسية.
فإما أن ينجح العراق في الانتقال
من دولة التوازنات إلى دولة المؤسسات، وإما أن يستمر في إنتاج نموذج هجين: دولة
رسمية لها دستور وبرلمان وحكومة وانتخابات، وقوة سياسية خارج مؤسساتها تملك أدوات
نفوذ وسلاحاً وقراراً مستقلاً.
وفي مثل هذه الدولة، تصبح الحدود
بين الشرعية والنفوذ غامضة، وبين الدولة واللادولة أكثر غموضاً، لذلك، فإن السؤال
الحقيقي في 30 أيلول ليس: هل سيُسلَّم السلاح؟ السؤال الأهم هو: هل تستطيع الدولة أن تستعيد وحدها حقها في امتلاك القوة والقرار
والسيادة، من دون أن يشعر أي مكوّن بأن الدولة تستهدف هويته؟.
إذا نجح العراق في ذلك، فقد يكون
30 أيلول بداية لتصحيح طويل طال انتظاره. أما إذا فشل، فلن تكون الخسارة في ملف السلاح وحده. الخسارة ستكون في الهوية السياسية للدولة نفسها.



