هل بات الأمن في الشرق الأوسط
يؤسَّس طبقاً لشراكات راسخة، أم عبر بنى ممتدة ومتقاطعة من المنظومات المتشعبة
وذات البنية المعقدة استراتيجياً ضمن معادلة كبح الجماح وإدارة المنافع المشتركة؟
الآن، وفي خضم مجريات المرحلة الإقليمية الراهنة، يتصدر اتفاق مكة الثلاثي، المعلن
عنه في 7 آب 2026، الذي يضم تحت مظلته السعودية وباكستان وتركيا أولوياتها، وتتعدى
أبعاده الاستراتيجية الأطر العسكرية الضيقة ليمتد أثره لاسيما السياسي إلى ما وراء
الشق الميداني المباشر خاصة فيما يتعلق بجنوب كوردستان وملفاتها الأشد دقة وحساسية
وعلى رأسها القضية الكوردية ومستقبلها في دمشق وطهران.
الاتفاق المبرم يعتبر دفاعاً
جماعياً عن أي هجوم محتمل على إحدى الدول الثلاث بشكل مشابه للمادة الخامسة من حلف
شمال الأطلسي وفقاً لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان، والتأكيد على أن هذا
الاتفاق ليس بصدد اتخاذ أي طابع رسمي موجه ومعلن سواءً نحو أيران أو غيرها من
الدول، وتبلور أطر تنظيمية للعمل المشترك الاستراتيجي بين الأطراف الثلاثة متضمنة
فريق عمل وزاري لمتابعة الملف وأمانة انطلاقاً من قاعدته في السعودية. فأي تحول في
العلاقة بين الأطراف الإقليمية (الكبرى)، سينعكس على مستقبل الكورد وقضيتهم داخل
الخريطة السورية والإقليمية في ظل تقاطع الحسابات الإيرانية والتركية في الوقت
الراهن لتحديد مسارات المنطقة.
في هذا السياق، يتمخض عن هذا
الاتفاق قراءة أشد تعقيداً وتشخيص أكثر دقة تتجاوز السطح السياسي، ممثلة بخطابات
ودلائل تتخطى المجاملة السياسية والتلطيف البروتوكولي. وهذا يضعنا أمام التساؤل
الأكثر إلحاحاً: ما طبيعة الهندسة الجديدة للمشهد الإقليمي التي تسعى هذه الدول
تثبيته، وما هو موقع الكورد وسوريا وإيران في معادلة التوازنات الجديدة أو
ديناميتها الناشئة؟.
تقاطع المصالح خلف الاتفاق
في ظل التحالف الذي تم بين الدول
الثلاث وفق إطار دفاعي، تتداخل المصالح التي يمكن وصفها بالاستراتيجية متخطية فكرة
الردع المتبادل، لتعيد تعريف تموضعها وأبعادها في البيئة الإقليمية المضطربة ذات
التحولات المتسارعة. فأنقرة تحاول مد جسور التفاهمات الاستراتيجية وتعزيز دورها
كفاعل حقيقي ومحوري في معادلات المنطقة المتغيرة والمعقدة عبر حصولها على دعم عربي
لتواجدها الأمني في المنطقة، وتعتبر هذا الاتفاق الركيزة الأساسية لهندسة وإعادة
صياغة موازين الاستقرار والتوازن، أما باكستان ذات الإمكانات العسكرية الهائلة وما
تمتلكه من ارتكاز جيوسياسي ورصيد تراكمي للروابط الإقليمية لاسيما مع الرياض التي
ترسخ العلاقة بينه وبين مناطق جنوب آسيا.
في المقابل، فإن السعودية التي
تتمتع بوزن سياسي واقتصادي في الشرق الأوسط، تسعى لتوسيع خريطة تحالفاتها على
المستوى الأمني وتفتيت مخاطر التبعية الأمنية وتحقيق مرونة استراتيجية أعمق وأشمل.
ورغم بنود الاتفاق التي تؤكد
تدعيم القوة المانعة وتغليظ أثمان الخرق والتجاوزات، إلا أن الهواجس تتوسع حول
تعقيدات المشهد بالمنطقة، ما ينذر بحالة من عدم الاستقرار. هذه الحالة التي رافقت
تقاسم أوراق التأثير بين القوى الثلاث، كان من المفترض إرفاقها بدراسة حالة لبقية
الأطراف وأخص بالذكر إيران التي قد تتعامل مع الموقف بشكل تحاكي إعادة صياغة
حساباتها الإقليمية وبالتالي ضبط مسارات نفوذها وإعادة ترتيبها. ما يعني أننا أمام
تغيرات كبيرة قد تهيء المشهد لتحالفات جديدة لا سيما في مسارح النزاع المفتوحة مثل
سوريا والعراق. ليس التحدي الأثقل في تأسيس الاتفاق في جوهره، وإنما في كيفية
امتصاص صدماته المرتبطة بالتقديرات الاستراتيجية ومعادلات الوقاية وإدارة المخاطر
للقضايا السياسية وفي مقدمتها القضية الكوردية.
ماذا سيحدث في سوريا؟
في سياق التحولات التي ستطرأ على
إطار التوازنات الإقليمية بعد اتفاق مكة، فإن دمشق تعد أبرز فضاءات هذه التحولات
كمختبر لنتائجها بوصفها محاطة بتشابك القوى الإقليمية وحساباتها، حيث لكل دولة من
الدول الموقعة مقاربة مغايرة ورؤية متمايزة لسيناريوهات وأفق الكيانية السورية وترسيم
خرائط نفوذها واستحقاقات التوازن الإقليمي. هنا تبدو دمشق في قلب سباق غير معلن
لتحديد ملامح الهندسة السياسية المقبلة، وفي مواجهة تجاذبات التدافع الدبلوماسي
بشكل غير مباشر (ما يسمى الصراع الناعم للأدوار). في هذه المصفوفة الجيوسياسية،
تسعى طهران تأسيس موطئ قدم لها داخل المشهد أمنيا وسياسيا، وتحاول الرياض ترسيخ
تواجدها واستعادة ثقلها العربي وتحصين أدوار المنظومة الإقليمية، وتعتبر أنقرة
نفسها فاعلاً رئيسياً يبني الركائز الأساسية لعملية بناء سوريا الجديدة عبر أدوات
نفوذها السياسية والميدانية. لذا، بات التحدي أمام دمشق أكثر تعقيدا لما تتطلبها
المرحلة الحساسة من بلورة مركز قرار سيادي خاص بها يحمي سوريا ويمنع تحولها إلى
مسرح للاستقطابات وإنهاء وظيفة الساحات المفتوحة.
الكورد والتموضع
عزل التحولات الإقليمية
وتداعياتها المباشرة وغير المباشرة عن تموضع الكورد في غرب كوردستان وجنوبها(سوريا
والعراق) غير ممكنة بغض النظر عن مستوى التأثير متطابقاً كان أم مغايراً في كل
مشهد على حدة.
ما يكسب إقليم كوردستان القدرة
الكافية للتعامل مع التغيرات في معادلة التوازنات للقوى الإقليمية حالياً،
امتلاكها هياكل مؤسسية في القطاعين الدستوري والسياسي وشبكة مضاعفة من العلاقات في
منطقة الشرق الأوسط، ولكنه بذات الوقت يواجه تعقيداً في ارتباطاته بالعاصمة
العراقية بغداد من جهة وبعلاقاته المستمرة مع تركيا وإيران من جهة أخرى، الأمر
الذي يكسبه أهمية جيوسياسية في الصراعات الإقليمية التي تؤكد مكانته الحساسة. أما
فيما يخص دمشق، فإن الخريطة تكون ذات هشاشة عالية، بسبب ضبابية المشهد السوري
العام سياسياً وإدارياً وتنظيمياً وديموغرافياً لاسيما بالنسبة للقضية الكوردية وحقوق
الشعب الكوردي، وأطر التنسيق وآليات الإدماج، وشكل اللامركزية التي يطالبون بها
ومحددات العلاقة بين السلطة الانتقالية الراهنة والفاعلين الكورد، في غرب
كوردستان وسوريا عموماً.
وجوهرية الفارق الحتمي تفرض
نفسها؛ ففي إقليم كوردستان، يمتلك الكورد هامشا أشمل من الدستور والسياسة والإدارة
رغم نزاعاته المفتوحة مع بغداد في خضم التدافع الإقليمي، بينما في سوريا، لايزال
مصير الشعب الكوردي ومعالجة قضيتهم وحقوقهم مرتبطا بعملية بناء سوريا الجديدة
كدولة. ومع إعادة تموضع الفاعلين الإقليميين، يواجه الكورد عقبة رئيسية في توظيف
المتغيرات والدفع بها نحو خدمة الاستراتيجية السياسية وبالتالي التأثير في مقررات
وإفرازات موازين القوى.
في النهاية، في خضم المرحلة
الجديدة من إعادة ترتيب التوازنات في المنطقة والتي تمخضت عن اتفاق مكة الثلاثي،
حيث سوريا والعراق أهم نقاط تنافسها، سيجد الكورد أنفسهم أمام اتجاهات سياسية
جديدة: هل سيبقى موقع الكورد مرهوناً بقرارات الأطراف الإقليمية، أم سيكونون ذات
قدرة عالية على التأثير في إعادة صناعة وصياغة الهندسة الإقليمية القادمة؟ وكيف
سيقود هذا الاتفاق إلى توازن إقليمي جديد دون بلورة اصطفاف مستحدث في الفترة
المقبلة؟.

