في عالم السياسة، لا تكون الكلمة
أقل أثراً من الرصاصة، ولا يقل الخطاب أهمية عن نتائج المعركة. فبعد أن تسكت
البنادق، تبدأ معركة أكثر تعقيداً معركة تفسير ما حدث. ومن ينجح في السيطرة على
الرواية وصناعة سردية تلامس مشاعر الناس، يستطيع في كثير من الأحيان أن يخفف من
وطأة الخسارة المادية، أو يعيد تقديمها بوصفها إنجازاً تاريخياً في مواجهة قوة
عسكرية غاشمة.
بهذا المعنى، يمكن قراءة الخطاب
الإيراني عقب المواجهة الأخيرة. فقد قدّمت طهران نتائج الحرب باعتبارها انتصاراً،
رغم أن كثيراً من المحللين يرون أنها تكبدت خسائر عسكرية واقتصادية وبشرية كبيرة.
ولم يكن الهدف، في نظر هؤلاء، إثبات تفوق ميداني بقدر ما كان إعادة تعريف معنى
النصر نفسه.
في قاموس الخطاب السياسي، ولاسيما
في الشرق الأوسط، لا تعني الهزيمة دائماً الاعتراف بالفشل، كما لا يعني النصر
بالضرورة السيطرة على الأرض أو تحقيق جميع الأهداف العسكرية. يكفي أحياناً أن
يُقال إن الدولة "صمدت"، وإن الخصم "لم يحقق أهدافه كاملة"،
حتى يُعاد تشكيل المشهد بأكمله. وهكذا تتحول الخسائر إلى تضحيات، والانسحاب إلى
إعادة تموضع، ووقف إطلاق النار إلى فرض إرادة.
البلاغة السياسية في أقصى
تجلياتها
هنا يجب أن يدرك صانع القرار في
إيران أن الشعب لا يعيش على الأرقام وحدها، بل على المعاني أيضاً. لذلك يصبح
التحكم في تفسير الأحداث جزءاً من إدارة الدولة والنظام فعندما يشعر المواطن بأن
كرامته الوطنية وسيادة بلاده مازالتا محفوظتين، يصبح أكثر استعداداً لتحمل تبعات
الحرب، مهما بلغت كلفتها. ولعل هذا ما يفسر التفاف قطاعات وتيارات قومية واسعة من
الإيرانيين حول الدولة عندما شعروا بأن جغرافية إيران وتاريخها وسيادتها أصبحت
مهددة، حتى بين من يختلفون مع النظام أو يعارضونه.
وهذا الأسلوب ليس حكراً على إيران وحدها، بل يكاد يكون سمة ملازمة للصراعات
في الشرق الأوسط . فكثير من الحكومات، عندما تعجز عن تقديم انتصار عسكري واضح،
تلجأ إلى صناعة انتصار سياسي أو معنوي. فالخطاب لا يغيّر الوقائع، لكنه قد قد
يغيّر الطريقة التي يفهم بها الناس تلك الوقائع وهذا هو المطلوب.
في السردية الإيرانية لم يكن
التركيز على حجم الدمار أو الخسائر، بل على أن الجمهورية الإسلامية بقيت واقفة،
وتمكنت من الرد، ولم تُجبر على الاستسلام أو الرضوخ لشروط خصومها. ومن هنا تشكلت
معادلة سياسية وإعلامية مفادها: إذا لم تُهزم إيران، فهي منتصرة، وإذا لم تحقق
الولايات المتحدة وإسرائيل أهدافهما المعلنة، فهما مهزومان. وهي معادلة تستند، في
جانب منها، إلى الفارق الكبير في موازين القوة بين الطرفين حيث تعتبر الدولتان
نوويتان وقد يُنظر إلى مجرد الصمود في مواجهة قوة عظمى هو إنجاز بحد ذاته.
غير أن السرديات السياسية، مهما
بلغت قوتها، تبقى رهينة اختبار الزمن. فقد يتفاعل الجمهور مع الخطاب في لحظة
التعبئة الوطنية، لكنه يعود لاحقاً إلى مقارنة الرواية بالنتائج الملموسة: ماذا
تحقق؟ وما حجم الكلفة؟ وهل كانت التضحيات متناسبة مع المكاسب؟ وهي أسئلة لا تُطرح
في إيران وحدها، بل في الولايات المتحدة وإسرائيل أيضاً، حيث تخضع نتائج الحروب
دائمًا لمراجعات سياسية وإعلامية وشعبية.
يبدو إن التاريخ لا يكتبه
المنتصرون فقط، بل يكتبه أيضاً من ينجح في إقناع الناس بأنه انتصر. وبين الحقيقة
والسردية مساحة واسعة تتحرك فيها السياسة والإعلام والدعاية. وفي تلك المساحة
تُصنع الانتصارات الرمزية، وتُخفى الإخفاقات خلف شعارات تعبّر عن الكبرياء الوطني
أكثر مما تعكس الصورة الكاملة للواقع.
ربما نجح الخطاب الإيراني في
تخفيف وقع الخسائر، وشدّ عصب الداخل، وتعزيز التماسك الوطني في لحظة حرجة. لكنه،
مثل أي خطاب سياسي، لا يستطيع أن يمحو آثار الحرب، ولا أن يعيد الأرواح التي
فُقدت، ولا أن يغيّر الحقائق التي سجلتها ساحات القتال.
قد تنتصر الرواية لبعض الوقت، لكن
الوقائع وحدها هي التي تمتلك الكلمة الأخيرة على مر التاريخ .



