هل يعتقد رئيس مجلس الوزراء، علي الزيدي، بالفعل أن المواطن العراقي يعرف أسرار وخبايا أموال الفاسدين وكمياتها أكثر مما تعرفه الحكومة بمخابراتها واستخباراتها ورقابتها، بل وأكثر مما يعرفه هو شخصياً عنهم، كونه قريباً منهم، ناهيك عن اعترافات الفاسدين الذين تم القبض عليهم ضمن عملية (الفجر)، ليطلع علينا اليوم بدعوة المواطنين إلى الإبلاغ عن الأصول والأموال العامة المتحصلة من جرائم الفساد، للمساهمة في كشفها واستردادها وإعادتها إلى الدولة، واعداً بـ"منح نسبة مالية مجزية للمخبرين وفق القانون"؟
لنأخذ دعوة الزيدي بطيب نية، وأنه يريد إشراك المواطن بهذه الحملة لإشعاره بالانتماء لها، وأنها من أجله ومن أجل الوطن، خاصة وأن بلداناً كثيرة في العالم طبقت هذا المبدأ، "انطلاقاً من المسؤولية الشرعية والأخلاقية والوطنية، وحرصاً على المال العام وحمايته، التزاماً بما جاء في البرنامج الوزاري". ولنفترض جدلاً أن المواطن البسيط، من أمثالي، باعتباره "شاهد ما شافش حاجة"، يعرف كيف بلع رئيس وزراء أسبق ميزانيتين انفجاريتين، وكيف تحول نجله الشاب إلى ملياردير، وكيف ساوم شقيق رئيس وزراء سابق شركة أجنبية جاءت لتنفيذ مشروع مترو بغداد لنيل "هدية" بمليارات الدنانير، على حسب توصيفه، وما إلى ذلك من قصص يتداولها العراقيون، فكيف لا تعرف الحكومة هذه الأحداث بالتفاصيل والأرقام؟ والمثل يقول: "ليس هناك دخان من غير نار".
الفساد معلن في العراق، فمن جاءوا إلى العراق بعد 2003، وبدأوا مسيرتهم في الحكم كرؤساء حكومات ورؤساء جمهورية ووزراء ونواب ومستشارين، وبالتعاون والتخادم مع متعاونين محليين، وأصبحوا بعد 23 سنة أباطرة المال والعقارات والنفوذ داخل البلد وخارجه، لا يحتاجون إلى الكثير من الأدلة التي تفضح فسادهم، ولا تحتاج إلى المواطنين العاديين لمعرفة أسرار أموالهم.
من المؤكد أن الزيدي لا يحتاج سوى سلطة القضاء وقوة القانون لتنفيذ حملته بمحاربة الفساد، دون قيود واشتراطات وضغوط، علاوة على الدعم الشعبي القوي والواسع، إلى جانب دعم الإدارة الأميركية المتمثل برئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب، ليمنحه صلاحيات العمل بقوة وبحرية لإنجاز هذا الملف. وليس عليه سوى تطبيق مبدأ "من أين لك هذا؟" على الجميع، دون الحاجة إلى برقيات التأييد من قادة الأحزاب الشيعية والسنية الذين قدموا أنفسهم باعتبارهم أولياء النزاهة والتقوى.


