نفرتيتي.. جدل الأصل بين المصرية والميتانية

23-11-2025
محمد عيسى
A+ A-
 
رووداو ديجيتال 

تثير أصول الملكة "نفرتيتي" جدلاً واسعاً في الأوساط الأثرية والتاريخية، بين من يؤكد مصريتها ومن ينسبها إلى أصول ميتانية. 
 
وفي متابعة لشبكة رووداو الإعلامية، أجراها محمد عيسى، قدم كل من عالم المصريات، زاهي حواس، والباحث في الآثار، رستم عبدو، رؤى متباينة حول هذه المسألة التاريخية.
 
حواس: الأدلة العلمية ترجح الأصل المصري
 
استبعد وزير السياحة والآثار المصري الأسبق، صحة الروايات التي تشير إلى أن نفرتيتي من أصل "كوردي ميتاني"، واصفاً إياها بأنها "كلام بدون دليل"، إذ وفقاً لحواس، فإن الأدلة العلمية المتاحة حالياً ترجح أنها كانت ابنة شخصية مصرية ذات نفوذ كبير يُدعى "آي".
 
وأكد حواس لرووداو قائلاً: "نحن نعمل على مشروع بالحمض النووي (DNA) ونبحث عن مومياء الملكة نفرتيتي. هناك احتمال كبير جداً أن نعلن قريباً عن كشف هذه المومياء، وبالتالي في هذه الحالة سيكون لدينا الأدلة العلمية الكاملة حول ما إذا كانت الملكة نفرتيتي مصرية أم لم تكن مصرية".
 
ومع ذلك، قلل حواس من أهمية أصلها، مشيراً إلى أن زواج الفراعنة من أجنبيات، منذ عهد الأسرة الـ 18، كان أمراً شائعاً في عصر الدولة الحديثة بهدف تعزيز العلاقات الدبلوماسية. 

 
وأضاف: "رمسيس الثاني تزوج اثنتين من بنات ملك الحيثيين... فإذاً، كل الأدلة تشير لهذا الكلام العلمي، أن الملك في مصر القديمة كان من حقه أن يتزوج أجنبية، لكن لم يكن من حق الملكة أن تتزوج أجنبياً".
 
وفسّر حواس اختفاء اسم نفرتيتي في منتصف فترة حكم زوجها أمنحوتب الرابع بأنها "شاركت إخناتون في الحكم وغيرت اسمها من نفرتيتي إلى نفرنفرو آتون، وبعد أن مات إخناتون حكمت لمدة سنتين".
 
كما أشار عالم المصريات إلى إمكانية وجود "مصاهرة" بين الفرعون والميتانيين، عازياً ذلك إلى وجود "علاقات تجارية وحربية" بين مصر القديمة، مع سوريا وفلسطين والعراق واليمن القديمين. 
 
عبدو: نفرتيتي هي الأميرة الميتانية "تادو-خيبا"
 
على الجانب الآخر، يطرح الباحث في الآثار، رستم عبدو، فرضية مختلفة، حيث يرى أن نفرتيتي هي في الأصل الأميرة الميتانية "تادو-خيبا"، ابنة الملك توشراتا، التي أُرسلت إلى مصر للزواج من الفرعون أمنحوتب الثالث، ثم تزوجها ابنه أمنحوتب الرابع (إخناتون) بعد وفاة والده.
 
ويستند عبدو في بحثه إلى السياق التاريخي الذي شهد تحالفات وزيجات دبلوماسية بين القوى العظمى في ذلك الوقت، ومنها مصر والمملكة الميتانية، مشيراً إلى أن اسم "نفرتيتي" نفسه، الذي يعني بالهيروغليفية "الجميلة آتية"، يدعم فكرة قدومها من بلد آخر.
 
حول مسألة زواجها من الفرعون، يذكر الباحث في الآثار لرووداو: "بعد أن استلم الملك الميتاني توشراتا الحكم قام بإرسال ابنته تادو- خيبا للفرعون المصري أمنحوتب الثالث والذي تزوجها فيما بعد ابنه أمنحوتب الرابع (أخناتون  1353-1335) ق.م لتنقطع بعد ذلك العلاقات المصرية الميتانية".
 
ويوضح عبدو أن نفرتيتي "لُقبت بالزوجة الملكية العظمى وسيدة مصر العليا والسفلى وسيدة الأرضين والأميرة الوراثية، وهي صفة ليست تقليدية بقدر ما كانت صفة حقيقية تعني فعلاً شريكته في الحكم ووريثته فيما إذا مات، قبل أن تلقب بـ (نفر نفرو آتون) نفرتيتي (الجميلة جمال آتون) والتي وجدت على آلاف المدونات".
 

 

ويبيّن أن نفرتيتي لعبت دوراً محورياً في الحياة الدينية والسياسية، حيث شاركت زوجها في الدعوة إلى عقيدة آتون التوحيدية، مردفاً: "حكم إخناتون مصر وهو ابن السادسة عشر ربيعاً تحت وصاية أمه الملكة (تي) التي عدت المسؤولة عن سير أمور الحكم خلال سنينه الأولى، وتزوج من الأميرة الميتانية نفرتيتي قبل استلامه الحكم، وقطع صلته بالإله آمون ودعا إلى عبادة الإله آتون (قرص الشمس) وهي ديانة تدعو للتوحيد فكانت خطوة بمثابة الانقلاب الديني". 

وتابع: "ترك إخناتون العاصمة طيبة معقل الإله آمون وانتقل مع زوجته ومناصريه من رجال بلاطه وكبار موظفيه للعيش في عاصمته الجديدة آخت آتون (أفق آتون) أي تل العمارنة حالياً". 

علاوة على ذلك، ظهرت "نفرتيتي"، التي أنجبت 6 بنات، في النقوش وهي تؤدي طقوساً كانت حكراً على الفراعنة، مما يدل على مكانتها الاستثنائية التي قد تكون مرتبطة بأصلها الملكي الأجنبي ودورها في التحالفات الدولية.

ويقول عبدو: "عدت نفرتيتي من أهم شخصيات عصر العمارنة حيث وصفها العالم الألماني المتخصص في الآثار المصرية هيرمان شلوغل بأنها القوة المحركة لثورة ثقافية (فنية ودينية) وسياسية، اقترن اسمها غالباً باسم زوجها إخناتون على النقوش ومثلت بوجهها معه في أغلب المناظر سواء الأسرية أو الرسمية". 

لم تكن "نفرتيتي" الزيجة الوحيدة بين مصر القديمة ومملكة ميتاني، فقد رافق اتفاق بين الميتانيين والفرعون "تحوتمس الرابع (1400 - 1390) ق.م"، زواج الأخير من ابنة أرتاتاما الأول، الأميرة  والملكة القديسة موت أم أويا – وهو الاسم المصري لها -  الذي طلب يدها ست مرات رفض في جميعها حتى تمت الموافقة في المرة السابعة، لتكون بذلك الزوجة الرئيسية له، وفقاً لعبدو. 

ولفت إلى أن "العلاقات الطيبة استمرت بين الجانبين، خلال حكم الملك الميتاني شوتارنا الثاني (1390-1370) ق.م الذي أهدى ابنته جيلو-خيبا للفرعون المصري أمنحوتب الثالث بعد ان طلبها الأخير ست مرات، رافقتها خلال مراسيم زواجها تلك حوالي 317 وصيفة من جميلات القصر الملكي الميتاني، وقد دون الفرعون المصري تفاصيل ذلك الزواج على جعْلٍ كبير الحجم ، ونسخ منه صوراً عدة وكان الغرض منه أن يبقى هذا التذكار خالداً".
 
الكورد جزء أساس من مملكة ميتاني 

كانت مملكة ميتاني إمبراطورية حورية قوية في شمال بلاد ما بين النهرين، ازدهرت بين حوالي عام 1500 و 1360 قبل الميلاد، ولعبت دوراً سياسياً وعسكرياً هاماً في الشرق الأدنى القديم، وكانت منافساً قوياً للحثيين والآشوريين والمصريين، خاصة في عهد الأسرة الـ 18. 

وقد شهدت علاقات المملكة مع مصر القديمة فترات من الحرب، تلتها محطات من السلام والتحالفات التي تم توثيقها عبر زيجات دبلوماسية، مثل زواج أميرات ميتانيات من فراعنة مصريين لضمان الاستقرار وتحديد مناطق النفوذ.

امتدت مملكة ميتاني في أوج قوتها من كركوك وجبال زاغروس شرقاً، مروراً بآشور، وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط غرباً، وشملت مناطق واسعة من شمال سوريا وجنوب شرق تركيا حالياً.

كانت عاصمتها تُدعى "واشوكاني" وهي منطقة تقع حالياً في محيط مدينة سري كانيه الكوردية (رأس العين)، ويُعتقد أن موقعها كان بالقرب من منابع نهر الخابور في شمال وشرق سوريا (روجآفا). 
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب