رووداو ديجيتال
أكد وزير السياحة والآثار المصري، عالم المصريات، زاهي حواس بشكل قاطع أن المصريين القدماء هم من بنوا الأهرامات، واصفاً أي نظرية أخرى بأنها تفتقر إلى الدليل العلمي، موضحاً أن بناء الهرم الأكبر كان "مشروعاً قومياً" شارك فيه حوالي 10 آلاف عامل مصري على مدى 28 عاماً، مدفوعين بإيمانهم بأن الملك سيصبح إلهاً.
وأشار حواس، في حوار خاص مع رووداو، أجراه محمد عيسى، الخميس (20 تشرين الثاني 2025)، إلى عدم وجود أي دليل علمي يدعم الرواية القائلة بأن أصل الملكة نفرتيتي كوردي من الحضارة الميتانية، مردفاً أن الأدلة المتوفرة حالياً ترجح أنها كانت مصرية، وهي ابنة مسؤول كبير يُدعى "آي"، فيما بين وجود مشروع علمي قائم على الحمض النووي (DNA) لتحديد مومياء نفرتيتي، والذي سيقدم إجابة قاطعة حول أصلها في الفترة القريبة المقبلة.
بشأن تصريحه حول عدم إيجاد آثار للأنبياء، علق حواس بالقول: "كرجل آثار، لم يعثر على أي ذكر صريح للأنبياء إبراهيم أو يوسف أو موسى في النقوش أو الآثار المصرية المكتشفة". لكنه شدد على أن هذا "لا يعني نفيه لما ورد في الكتب السماوية"، مقدماً تفسيراً لذلك بالقول إن "المصري القديم لم يكن ليسجل هزيمة فرعونه على يد سيدنا موسى".
وأضاف أن 70% من الآثار المصرية ما زالت مدفونة تحت الأرض وقد تحمل اكتشافات المستقبل إجابات جديدة.
كما وصف حواس "لعنة الفراعنة" بأنها ليست حقيقة، بل لها تفسير علمي، موضحاً أن المقابر التي ظلت مغلقة لآلاف السنين تحتوي على "جراثيم غير مرئية" كانت تسبب الأمراض والوفاة لعلماء الآثار الأوائل، فيما الآن، فيتم تهوية أي مقبرة مكتشفة قبل دخولها، مما يزيل هذا الخطر، وفق حديثه.
وأشاد حواس بالحضارة العراقية واصفاً إياها بـ"الحضارة العظيمة"، مشيراً إلى وجود علاقات تجارية قديمة بين مصر والعراق.
وأبدى استعداده الكامل لزيارة العراق وتقديم المساعدة في ملف الآثار، مؤكداً أن هذا الموضوع هو "تخصصه الدقيق"، وعرض تقديم خطة متكاملة للمسؤولين العراقيين لاستعادة الآثار المهربة وحماية المواقع الأثرية.
وحول الأقدمية بين الحضارتين المصرية والعراقية، قال حواس: "أي حضارة في الدنيا تقاس بمعرفة الكتابة فقط وليس بعصور ما قبل التاريخ. لكن ما حصل في أبيدوس في الصعيد، أن عالم الآثار الألماني غونتر دراير حفر ووجد كتابات أقدم من حضارة العراق، وبالتالي ثبت للعالم كله أن الحضارة المصرية كانت أقدم من حضارة العراق القديمة".
وأدناه نص حوار محمد عيسى مع زاهي حواس:
رووداو: بدايةً، تفضلتم بأن من بنى الأهرامات هم المصريون القدماء، لكن في روايات أخرى هناك من يشكك في أن الإنسان العادي يمكنه بناء هكذا أهرامات ضخمة. هناك من يقول بأن قوم عاد هم من بنوها كونهم عمالقة، ما رأيك في هذا الصدد؟
زاهي حواس: أولاً، أنا رأيت للتو على الإنترنت شخصاً عراقياً يقول إن العراقيين هم من بنوا الأهرامات، وشخصاً يمنياً يقول إن اليمنيين هم من بنوها. وما تقوله الآن عن قوم عاد، وآخرون يقولون إن أناساً هبطوا من السماء وبنوا الأهرامات. أنا أريد أن أسألك سؤالاً واحداً: هل يمكنني القول مثلاً الآن إنني من بنيت الآثار العظيمة التي تركها البابليون والآشوريون؟ أقدر أن أقول، لكن ما هو دليلي؟ هل عندك دليل واحد موجود على الأرض يقول إن العراقيين هم من بنوا الأهرامات؟ أو دليل واحد على أن من بنوا الأهرامات أناس جاؤوا من الفضاء؟ لا يوجد أي دليل إطلاقاً. كل هذه خزعبلات وكلام يطلق في الهواء. لأنني حفرت بجوار أهرامات الجيزة وعمري ما وجدت أي دليل لهذا الكلام إطلاقاً. يعني قوم عاد مثلاً، انظر إلى الجبّانات التي كشفناها، كل الناس طولهم 1.69 متر و 1.70 متر، ليس أكثر من ذلك. لو أن قوم عاد هم من بنوا الهرم وكانوا عمالقة، لرأينا جثثهم في الجبّانات. لم يُعثر على ذلك. كل هذا كلام يبيّن عظمة الأهرامات. كيف؟ كان هذا الهرم المشروع القومي لمصر كلها. الثلاثة ملايين نسمة الذين كانوا يعيشون في مصر، كان هدفهم الأساسي أن يصبح الملك إلهاً، وبالتالي فإن العائلات العظيمة التي كانت موجودة في مصر هي التي كانت تبني الهرم وتبعث العمال لكي يشاركوا في بناء الهرم وتدفع لعائلات العمال أجورهم، وفي المقابل لم يكونوا يدفعون ضرائب. هذا كان المشروع القومي. ثانياً، أنا اكتشفت مقابر عمال بناء الأهرام. العمال الذين بنوا الهرم، اكتشفنا مقابرهم. كل الأدلة بالهيروغليفية تقول إنهم مصريون، وعرفنا ماذا كان يعمل كل واحد منهم في الهرم. وعرفنا كيف كانوا يأكلون ويشربون، وأنهم لم يكونوا عبيداً، لأنهم لو كانوا عبيداً لما كانوا دُفنوا بجانب الهرم. انظر إلى المقابر الموجودة غرب هرم خوفو، كل مقبرة فيها لقب خاص بالهرم وبناء الهرم وبعقيدة الملك خوفو. انظر إلى الموجود شرق الهرم، تجد فيه مقابر زوجاته وأمه ومقابر أولاده. انظر داخل الهرم، أهرامات الأسرة الرابعة لم تكن منقوشة من الداخل، لكن كان العمال يتركون "غرافيتي" ويكتبون. العلماء الألمان صعدوا فوق الحجرات الخمس الموجودة فوق الحجرة الثالثة داخل هرم خوفو، ووجدوا أسماء لثلاث فرق عمال اشتركوا في بناء الهرم. نحن هذه السنة عملنا بتقنية ثلاثية الأبعاد (3D) ووجدنا أسماء في الحجرة الرابعة، اسم الفرقة هو "هؤلاء الذين ينتمون للملكة واجت". والإلهة "وادجيت" كانت تنتمي للملك. وبجوارها نص آخر: "العام 17 من حكم الملك خوفو". في الحجرة الرابعة، وجدنا لقباً آخر: "الإله الطيب". هؤلاء العمال اسمهم "الإله الطيب"، ولقب ثالث "أصدقاء الملك خوفو". بالإضافة إلى كشف مهم جداً، بردية "وادي الجرف"، وهي بردية تتكلم عن بناء الأهرام لأول مرة، وتتحدث عن العمال الذين بنوه. أربعون عاملاً تحت إمرة رئيس العمال "مرر"، وكيف كانوا ينقلون الحجارة ويقطعونها، وكيف كانوا يوصلونها إلى الهرم، وأن خوفو كان يعيش في قصر وبنى عاصمة. يعني كل هذه الأشياء لا يقدر أي أحد أن ينكرها إطلاقاً. لكنني أدافع عن الآثار المصرية في كل مكان، وأنا وقفت أمام جو روغان وقلت له: "أنت رجل مخطئ ولا تفهم"، لأننا ليس لدينا هرم خوفو فقط، بل لدينا 120 هرماً. كل الأدلة التي لدينا تقول إن المصريين القدماء هم بناة الأهرام.
رووداو: يعني بحسب ما تفضلتم، الدلائل تثبت أن الإنسان الطبيعي أو الإنسان المصري القديم هو من بنى هذه الأهرامات. هل توجد دلائل أو آثار لعدد الأشخاص الذين شاركوا في بناء الأهرامات؟ وكم استغرق بناء الهرم؟
زاهي حواس: نحن نعتقد، طبقاً لكشف مقابر عمال بناء الأهرام، أن عدد العمال كان 10 آلاف. كانوا يشتغلون كل يوم ويأخذون يوماً واحداً إجازة. وأنا قلت لك إن من كان يرسل هؤلاء العمال هي العائلات الكبيرة التي كانت تعيش في جنوب ودلتا مصر. ثانياً، كم سنة استغرق بناء هرم الملك خوفو؟ لدينا الدليل القاطع على أن الهرم بُني في 28 سنة. حتى إنني أقول للناس كلهم، لو أردت اليوم أن تبني هرماً، ستجلب 10 آلاف عامل وسيشتغلون 28 سنة. قد لا تؤمن بهذا، لكن هذا كان المشروع القومي للمصريين القدماء. ودائماً أقول إن الاعتقاد في العالم الآخر لدى المصري القديم هو الذي بنى مصر.
رووداو: نأتي إلى ذكر مسألة الملكة نفرتيتي. الكثير من الروايات تقول بأن أصلها كوردي ميتاني من حضارة الميتانية قبل حوالي 1500 ق.م. ما رأيك بهذه الرواية وهي زوجة الملك أمنحتب الرابع (إخناتون)؟
زاهي حواس: طبعاً هذا الكلام كله كلام بدون دليل. نحن لدينا الأدلة العلمية التي تقول إنها كانت ابنة رجل ذي نفوذ كبير جداً اسمه "آي"، أي أن من المحتمل أن يكون "آي" أباها. كانت ملكة مصرية ولم تكن ملكة أجنبية إطلاقاً. والشيء الثاني، نحن نعمل على مشروع بالحمض النووي (DNA) ونبحث عن مومياء الملكة نفرتيتي. طبعاً، هناك احتمال كبير جداً أن نعلن قريباً عن كشف هذه المومياء، وبالتالي في هذه الحالة سيكون لدينا الأدلة العلمية الكاملة حول ما إذا كانت الملكة نفرتيتي مصرية أم لم تكن مصرية. وعموماً، لا يفرق إن كانت مصرية أو غير مصرية، لأن ملوك الدولة الحديثة تزوجوا أجنبيات. كان من حق ملك مصر القديمة أن يتزوج ملكات أجنبيات. رمسيس الثاني تزوج اثنتين من بنات ملك الحيثيين. وكانوا قد بنوا للنساء الأجنبيات، عندما يكبرن في السن، قصراً موجوداً في الفيوم. كانوا يعيشون في هذا القصر عندما يكبرن في السن، وكانوا يجلبون الأقزام لحراستهن. يعني أنا لا أرى أنها مشكلة علمية تستدعي النقاش، لكنني أعتقد أن الملكة نفرتيتي في منتصف حكم الملك إخناتون (أمنحتب الرابع) اختفى اسمها، والسبب أنها شاركت إخناتون في الحكم وغيرت اسمها من نفرتيتي إلى "نفرنفرو آتون"، وبعد أن مات إخناتون حكمت لمدة سنتين، وكان اسم العرش الخاص بها "سمنخ كا رع".
رووداو: هل برأيك يمكن أن تكون هناك مصاهرة ما بين فرعون وابنة الملك الميتاني؟ وهل يوجد تقاطع ما بين الحضارات في ذلك الوقت، مثلاً المملكة الميتانية أو حضارة وادي الرافدين؟
زاهي حواس: منذ الأسرة الثامنة عشرة، انفتح المصري القديم على العالم كله، وبالتالي لدينا أدلة على زواج الملوك من بنات الحيثيين وملكات الميتانيين، ولدينا أدلة كثيرة على هذا الموضوع. فإذاً، كل الأدلة تشير لهذا الكلام العلمي، أن الملك في مصر القديمة كان من حقه أن يتزوج أجنبية، لكن لم يكن من حق الملكة أن تتزوج أجنبياً، لأن الملكة عنخ إسن آمون، زوجة الملك توت عنخ آمون، عندما مات توت عنخ آمون وأراد "آي" أن يتزوجها، وكان رجلاً كبيراً في السن، رفضت. فبعثت رسالة إلى ملك الحيثيين تقول له: "أريد أن أتزوج ابنك". طبعاً الملك لم يصدق، لأنه لم يكن معروفاً في مصر القديمة أن تتزوج الملكة أجنبياً إطلاقاً. بعث رسولاً، فرجع وقال له: "نعم، الملكة تريد فعلاً أن تتزوج ابنك". فبعث ابنه، لكن القائد "حور محب" قتله في الطريق. وقام ملك الحيثيين بتجهيز جيش ضخم جداً وحارب المصريين في تل العمارنة. والمصادر الحيثية تقول هذا الكلام، والمصادر المصرية لم تذكر أن ملك الحيثيين هجم. المهم، بعد هذا الهجوم، حصلت مجاعة وأمراض في العالم كله، وكان هو الكوليرا، مثل كوفيد بالضبط عندنا، مثل الكورونا، واستمرت فترة طويلة جداً. العالم القديم كله، العراق وسوريا وفلسطين وكل الدول، عانت من هذا المرض لمدة طويلة جداً.
رووداو: ما تفسيركم للعثور على تمثال صغير للفرعون توت عنخ آمون في محافظة دهوك بإقليم كوردستان؟ هل من الممكن أن تكون هناك علاقة مصاهرة أو تبادل أو زيارات؟
زاهي حواس: لا، علاقات تجارية. كانت هناك علاقات تجارية منذ الأسرة الثامنة عشرة. هذه العلاقات التجارية كانت الجيوش أو القوافل تذهب إلى شبه الجزيرة العربية وتذهب إلى كل هذه الأماكن. ولدينا مصاهرات وعلاقات بين المصريين وبين سوريا وفلسطين وبين العراق القديم وبين اليمن القديم وبين ليبيا في العصر اليوناني الروماني. يعني لدينا كل الأدلة العلمية التي تثبت العلاقات التجارية التي كانت موجودة، وأيضاً العلاقات الحربية التي كانت موجودة بين مصر وسوريا وفلسطين. مصر سيطرت على كل الأماكن الموجودة في سوريا وفلسطين في الأسرة 18. لكن بالنسبة للعراق القديم، لم تكن هناك سيطرة، لكن كانت العلاقات التجارية موجودة بين مصر والعراق القديم. على فكرة، أريد أن أقول لك شيئاً، كان معروفاً أن حضارة العراق هي أقدم حضارة في العالم، وكانت تسبق الحضارة المصرية بمئتي سنة. أريد أن أقول لك إن أي حضارة في الدنيا تقاس بمعرفة الكتابة فقط وليس بعصور ما قبل التاريخ. لكن ما حصل في أبيدوس في الصعيد، أن عالم الآثار الألماني غونتر دراير حفر ووجد كتابات أقدم من حضارة العراق، وبالتالي ثبت للعالم كله أن الحضارة المصرية كانت أقدم من حضارة العراق القديمة.
رووداو: قلتم بأنكم خلال عمليات التنقيب لم تعثروا على أي آثار للأنبياء، خاصة النبيين موسى ويوسف. ألم تخشوا فتح هذا الباب الديني على أنفسكم بعد هذا التصريح؟
زاهي حواس: إطلاقاً، هم من فتحوا الحرب. أنا أقول إنني رجل آثار. أقول لو نظرت في أي معبد أو مقبرة أو أي مكان، لا يوجد أي ذكر لسيدنا إبراهيم ولا سيدنا يوسف ولا سيدنا موسى. فجاء الإسرائيليون وهاجموني وقالوا إن زاهي حواس يكره إسرائيل وقالوا إننا ضد التوراة. وجاء مصريون من الأزهر وهاجموا هجوماً بشعاً، لكنهم لم يسمعوا الشق الثاني من كلامي. بهذا الكلام، لا يمكن أن أنكر ما ذُكر في القرآن الكريم. لكن يجب أن تعرف أن المصري القديم، لكي يذهب إلى الجنة في العالم الآخر، كان لا بد أن يهزم الأعداء. وبالتالي، سيدنا موسى هزم الفرعون، فلا يمكن لابن الفرعون أن يسجل هزيمة أبيه، لا على معبد ولا على مقبرة إطلاقاً. مثل الهكسوس. نحن لم نعرف أي شيء عن الهكسوس من خلال النقوش على المعابد والمقابر، لكننا سمعنا عنهم من طالب كان يجلس في مدرسة الكرنك وسمع عن الهكسوس وكتب القصة التي عرفناها. وقلت يا جماعة، من المحتمل أن طالباً في مدرسة سمع عن سيدنا موسى وكتب القصة. ونحن لم نكشف حتى الآن إلا عن 30% من آثارنا، وما زال هناك 70% في باطن الأرض. فهذا ما قلته. نحن لدينا مثلاً منظر موجود في مقبرة "خنوم حتب" في بني حسن لـ 37 آسيوياً يلبسون ملابس مزركشة، ورئيسهم اسمه "أبشا". هذه الملابس والذقن ليست من السمات المصرية. بعض الناس الذين يدرسون التوراة قالوا إنه يمكن أن يكون هذا "إبشا" هو سيدنا إبراهيم، لكن لا يوجد دليل. بالنسبة لسيدنا يوسف، نفس القصة التي حصلت له والسنوات السبع العجاف ذُكرت في جزيرة سهيل في أسوان. هذا النقش يرجع إلى العصر الروماني، ويقول إن الملك زوسر، الذي بنى الهرم المدرج، مرت عليه سبع سنوات لم تأتِ فيها مياه. فكلم وزيره إمحوتب، فقال له إمحوتب: "قدم قرابين للآلهة التي تسيطر على منابع النيل". وذهب لينام، لكن جاءه في الحلم الإله خنوم وقال له: "أنا الذي أسيطر، أعطني القرابين وسأرجع لك المياه". والمياه عادت، لكن ما من دليل على اسم سيدنا يوسف. بالنسبة لليهود، لدينا دليل واحد على وجود العبرانيين في مصر. هذا الدليل هو لوحة في المتحف المصري، أو ستُنقل إلى المتحف الكبير الآن، اسمها "لوحة النصر" أو "لوحة مرنبتاح"، والتي كشفها "بتري" وتُعرف بـ"لوحة إسرائيل". اللوحة عبارة عن شعر يمجد فيه الشاعر الملك مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني: "أنت رجل عظيم في عصرك...". طبعاً لا يمكن لشاعر أن يمجد في ملك ميت. وفي الآخر قال: "وشعب إسرائيل قُضي عليه وانتهت بذوره". وهذا معناه أنه لا يمكن أن يكون مرنبتاح هو فرعون موسى. فرعون موسى كان قبل مرنبتاح، من هو؟ لا نعرف.
رووداو: بالحديث عن النبي يوسف، هناك مسلسل إيراني أنتج قبل سنوات عديدة يحكي أحداث فترة النبي يوسف في مصر خلال فترة أمنحتب الثالث والرابع (إخناتون). هل يتوافق ذلك مع ما اكتشفتموه من آثار خلال تلك الحقبة؟ وهل يوجد إله باسم آمون كما ورد في المسلسل؟
زاهي حواس: انظر، أنا دائماً أفصل الدراما عن الآثار. الدراما عن سيدنا يوسف، كاتب كتبها ويكتب كلاماً من عنده، لكن في الآثار لا تستطيع. في الآثار لدينا نص وله ترجمة. فما عندنا أي معلومة في الآثار عن سيدنا يوسف إطلاقاً، فما أقدر أن أدلي برأيي إطلاقاً في موضوع هذا المسلسل، لكنني دائماً أقول: الدراما دراما. في الدراما، من حق الكاتب أن يكتب كيفما يشاء، لأن هذه الدراما ليس لها صلة بالآثار ولا صلة بالتاريخ إطلاقاً. طبعاً، الإله آمون في الدولة الحديثة هو إله مصر القومي، وقد دُمج مع الإله رع وأصبح اسمه آمون-رع.
رووداو: ما هو تمثال أبو الهول؟ هل هو تمثيل لإله أم أنه تمثال بنوه لزيادة رهبة الحضارة المصرية القديمة مع الأهرامات؟ هل فعلاً توجد تحته أقبية سرية؟ وما سر أنفه المهدم؟
زاهي حواس: تمثال أبو الهول نُحت في الأسرة الرابعة فقط، لم يُصنع واحد مثله قبل الأسرة الرابعة ولا بعد الأسرة الرابعة. لماذا؟ لأنه صُنع ليمثل الملك خفرع، ابن الملك خوفو، بوجه ملك وجسم أسد ليبين القوة. ولدينا كل الأدلة العلمية التي تثبت أن هذا التمثال نُحت في عصر الملك خفرع. نحتوا الرأس، وكان الجسم ضعيفاً جداً فغطوه بالحجارة، ونقشوا شكل الأسد على الحجارة. وصُنع ليمثله كـ"حورس" وهو يتعبد لـ"رع"، إله الشمس، في المعبد الذي يقع أمام تمثال أبي الهول. أنا اكتشفت داخل أبي الهول أربعة أنفاق: واحد خلف "لوحة الحلم"، وواحد فوق، وواحد في الظهر، وواحد في الشمال. داخل هذه الأنفاق، وجدنا فخاراً يعود إلى 500 سنة قبل الميلاد. كما نحن نعتقد أن تحت أبي الهول أسراراً، المصري القديم في العصر المتأخر اعتقد نفس هذا الكلام وحفر ولم يظهر شيء. وأنا قمت بـ 32 حفرية حول أبي الهول، وتبيّن أن أبا الهول صخرة صماء ولا يوجد أسفله أي شيء. بالنسبة لأنف أبي الهول، هناك كلام شائع أن نابليون هو من حطمه، وهذا الكلام خطأ. نحن نعتقد بما كتبه المؤرخ العربي المقريزي، الذي قال لنا إنه كان هناك رجل صوفي اسمه "صائم الدهر"، وجد أن المصريين الذين يعيشون بجانب أبي الهول يتعبدون لتمثال أبي الهول. لم يعجبه هذا الكلام لأن هذا حجر، فجاء وحطم أنف أبي الهول ليقول لهم إن هذا تمثال حجر وليس إلهاً.
رووداو: من خلال اكتشاف البرديات، هل تبين لكم كيف كان نمط حياة المصريين القدماء؟ ماذا كانت ديانتهم؟ هل كانوا يؤمنون بالبعث أم لا؟
زاهي حواس: نحن لدينا كل الأدلة، ليس في البرديات فقط. المصري القديم كان يؤمن بالعالم الآخر وأنه سيبعث ثانيةً، وهذا الإيمان هو الذي بنى هذه الحضارة. لولا إيمانه بالبعث، ما كان بنى أهرامات ولا عمل مقابر ولا معابد. بالنسبة لحياة المصري القديم، طبعاً مقابر الدولة الحديثة كلها تبيّن موسيقاهم وحياتهم وشعرهم ورقصهم وملابسهم وبيوتهم وكل ما يخص حياتهم. وأنا ألفت رواية عن الملك خوفو وتحدثت بإسهاب عن حياة المصري القديم بما لدينا من أدلة. كانوا مثلنا، يشربون ويأكلون ويعيشون ويحبون ويكرهون. فلدينا كل الأدلة. واكتشفت مدينة كاملة في الأقصر، وهي "المدينة الذهبية"، التي تبيّن حياة الفنانين الذين عمروا هذه الحضارة. فلدينا معلومات كاملة جداً. وأنا ألفت أكثر من 60 كتاباً تتكلم عن هذه الموضوعات.
رووداو: ما سر إعجابك بالفرعون خوفو؟
زاهي حواس: لأنني كتبت رسالة الدكتوراه عن خوفو وعن الهرم، وكتبت عنه كتباً بالعربية والإنجليزية، وكتبت رواية عنه. فأنا أشعر أن هذا الملك هو أهم ملك في الدولة القديمة لأنه صنع إعجازاً، وهو الهرم الأكبر. وأنا رأيي أن هذا الهرم من أعظم الأهرامات المصرية الموجودة. وكتبت عنه كثيراً جداً، وألفت كتاباً مهماً جداً اسمه "جبال الفراعنة: تاريخ بناة الأهرام"، وتكلمت فيه عن خوفو وعن حياته وعن أسرته وعن كل ما يخصه. فأنا أعتقد أن الملك خوفو بالنسبة لي هو أهم ملك في الدولة القديمة.
رووداو: توجد تماثيل للقطط أيضاً، ما سر تعلق الفراعنة بالقطط؟
زاهي حواس: المصري القديم كان في بعض الأحيان يعبد ما هو موجود في الحيوان، لكنه لا يعبد الحيوان نفسه. وبالتالي، سمى القطة "باستيت"، فكان يعبد أنواعاً معينة من القطط، ويعبد ما في القطة من استمرارية في الحياة. وبالتالي، كانت "باستيت" تشير إلى الاستمرارية في الحياة. وبالتالي، عملوا لها جبّانة، لكنهم لم يعبدوا كل القطط. والمصري القديم لم يعبد الحيوان كما قلت لك، بل كان يعبد ما هو موجود في الحيوان.
رووداو: ذكرت أنه يوم اكتشاف توت عنخ آمون حصلت بعض الأحداث الغريبة، هل فعلاً توجد لعنة للفراعنة؟ وهل حصلت معكم حالات وفاة أثناء الاكتشاف؟
زاهي حواس: لا، كل هذه مصادفات. كل ما حصل ويحصل في حياتي كلها مصادفات تحدث لأي أحد. لكن، ما هي حقيقة لعنة الفراعنة؟ لو أُغلقت هذه الحجرة التي أنا فيها لمدة 3000 سنة وفيها مومياء، المومياء تطلق جراثيم غير مرئية، فكانت تصيب علماء الآثار فيموتون. أنا ماذا أفعل الآن؟ إذا كشفت مقبرة مغلقة أو كشفت تابوتاً مغلقاً، أفتح التابوت لمدة ساعتين أو ثلاث حتى يخرج الهواء الفاسد ويدخل الهواء النقي، ثم أضع رأسي ولا يحدث شيء. بالتالي، لا يوجد شيء اسمه لعنة الفراعنة. المصري القديم عندما كان يترك نص لعنة على المقبرة، كان يقول: "من يمس مقبرتي ستأكله التماسيح وأفراس النهر والأسود". هذا مثلما تقول لي أنت الآن: "لو أسأت إليّ، الله يأخذك". هل الله سيسمع كلامك؟ هو كذلك مجرد تمنٍ من المصري القديم أن يحافظ على مقبرته. طبعاً حصلت قصص كثيرة جداً. حصلت للورد كارنارفون الذي مول كشف مقبرة توت عنخ آمون، عندما مات بعد أربعة أو خمسة شهور من كشف المقبرة، الناس قالت إن السبب هو لعنة الفراعنة، بينما هو كان مريضاً وكان سيموت. لكن لأنه اكتشف مع كارتر مقبرة توت عنخ آمون، قال الناس: "لعنة توت عنخ آمون". لا يوجد شيء اسمه لعنة الفراعنة، لكن "لعنة الفراعنة" كلمة جميلة تصلح للأفلام السينمائية وتصلح لحكايات الكتب، وأنا كتبت كتاباً عن لعنة الفراعنة ذكرت فيه كل الحوادث التي حصلت، ولا توجد لعنة اسمها "لعنة الفراعنة".
رووداو: اكتُشفت في العام الماضي جمجمة لإنسان نياندرتال في أحد كهوف أربيل بإقليم كوردستان. ما رأيك أو تعليقك على هذا الموضوع؟ وهل يمكن أن نراك في إقليم كوردستان للتنقيب؟
زاهي حواس: طبعاً، على فكرة، أريد أن أقول لك، طبعاً أنا لدي دعوة والمفروض أن آتي إلى العراق، كان المفروض أن آتي في ديسمبر، لكن أعتقد أنه بسبب تغيير الحكومة في العراق تأجلت سفرتي. فأنا طبعاً سأكون سعيداً جداً أن آتي وأزور آثار العراق وأساعد بمجهودي في ترميم هذه الآثار أو في تصوير هذه الآثار. فطبعاً أنا أحب أهل العراق والعراقيين، وسأكون سعيداً جداً عندما آتي وأزور العراق بإذن الله، وتكون لي مساهمات سواء بالنسبة للترميم. وأنا والله، أتذكر المهندس نجيب ساويرس قال لي إنه قابل رئيس العراق وقال له: "نريد مساعدات"، وجهزت مجموعة قوية من الأثريين والمهندسين لكي نرمم، وأرسلت هذا التقرير للمهندس نجيب ساويرس وأُرسل للرئيس العراقي، ولكن لم أسمع شيئاً بعد ذلك. لكن أنا أقول لك، سأكون سعيداً جداً عندما آتي لأزور العراق بإذن الله وأرى هذه الاكتشافات العظيمة، لأن العراق حضارة عظيمة وبلد عظيم.
رووداو: أكيد، تشرفنا في العراق وإقليم كوردستان. نتمنى أن نراك في أربيل ونلتقي وجهاً لوجه. سؤالي الأخير: العراق أيضاً يعاني من مسألة الآثار المهربة بعد عام 2003. كيف يمكن أن تساعد العراق في ذلك؟
زاهي حواس: هذا الموضوع هو تخصصي الدقيق، وأنا أتمنى عندما آتي إلى العراق بإذن الله، سأعرض على المسؤولين الخطة الكاملة لكيفية استعادة هذه الآثار وكيفية حماية آثار العراق.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً